ليتوانيا تفك قيود السلاح والقواعد الأجنبية.. وتحذير روسي
ليتوانيا تعيد رسم خطوطها الدفاعية على حدود روسيا
عادت ليتوانيا، إحدى دول البلطيق الثلاث والعضو في حلف شمال الأطلسي، إلى صدارة التوتر الأمني في أوروبا بعد مسارين متوازيين أثارا انتباه موسكو وعواصم الحلف معاً. المسار الأول أصبح نافذاً بالفعل منذ 6 مارس 2025 مع خروجها رسمياً من اتفاقية الذخائر العنقودية، بينما يتمثل المسار الثاني في تحرك دستوري لإلغاء النص الذي يمنع وجود أسلحة الدمار الشامل والقواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها. هذه التطورات تأتي في سياق أمني أوروبي شديد الحساسية منذ الحرب الروسية على أوكرانيا، وتحديداً في الخاصرة الشرقية للناتو القريبة من جيب كالينينغراد الروسي وبيلاروسيا.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ما يجري في ليتوانيا لا يخص أوروبا وحدها؛ لأن أي تغيير في قواعد الردع بين روسيا والناتو ينعكس على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وأجواء الاستقطاب الدولي التي تلامس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضاً.
ما الذي غيّرته ليتوانيا فعلياً؟
1- الانسحاب من اتفاقية الذخائر العنقودية
وزارة الخارجية الليتوانية أكدت أن قرار الانسحاب من اتفاقية الذخائر العنقودية دخل حيز التنفيذ في 6 مارس 2025، بعد أن كان البرلمان قد وافق على الخطوة في 18 يوليو 2024، ثم أُودعت وثيقة الانسحاب لدى الأمم المتحدة في 6 سبتمبر 2024. وتبرر فيلنيوس هذه الخطوة بتدهور البيئة الأمنية في محيطها المباشر، وبالحاجة إلى الاحتفاظ بما تسميه «طيفاً كاملاً من أدوات الدفاع» في مواجهة التهديد الروسي.
القرار لفت الأنظار لأنه غير مسبوق تقريباً بين الدول الأطراف في الاتفاقية، كما قوبل بانتقادات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجهات دولية معنية بنزع السلاح، التي حذرت من المخاطر الإنسانية الواسعة المرتبطة بهذا النوع من الذخائر، خصوصاً على المدنيين وبعد انتهاء المعارك.
2- تحرك لإسقاط الحظر الدستوري على القواعد الأجنبية
بموازاة ذلك، بدأ البرلمان الليتواني في خريف 2026 إجراءات تعديل دستوري تستهدف المادة 137 من الدستور، وهي المادة التي تنص صراحة على أنه لا يجوز وجود أسلحة دمار شامل ولا قواعد عسكرية لدول أجنبية على أراضي الجمهورية. جوهر الخطوة ليس إعلاناً فورياً لاستضافة سلاح نووي أو قاعدة دائمة غداً صباحاً، لكنه يزيل القيد القانوني الذي كان يمنع هذا الخيار من الأصل، ويمنح القيادة الليتوانية مساحة أوسع في ترتيبات الردع داخل الناتو.
ويأتي هذا المسار في وقت تعزز فيه ألمانيا وجودها العسكري في ليتوانيا ضمن خطط دفاع الحلف على جناحه الشرقي. ووفق بيانات رسمية ليتوانية وألمانية، يُفترض أن تبلغ الجاهزية الكاملة للواء الألماني المتمركز هناك بحلول نهاية 2027، مع قوة تقارب 5 آلاف من العسكريين والمدنيين الألمان.
لماذا تتحرك فيلنيوس الآن؟
السبب المعلن في ليتوانيا هو أن الحرب في أوكرانيا غيّرت الحسابات الأمنية جذرياً. الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا، والحكومة، ووزارة الدفاع، يكررون أن الردع التقليدي لم يعد يُقرأ بالطريقة نفسها بعد 24 فبراير 2022، تاريخ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. كما أن ليتوانيا تضع نفسها في خط تماس متقدم مع روسيا بسبب حدودها مع بيلاروسيا وقربها من كالينينغراد، أحد أكثر المواقع العسكرية الروسية تحصيناً في منطقة البلطيق.
في الإطار نفسه، ترفع ليتوانيا إنفاقها العسكري إلى مستويات تعد بين الأعلى داخل الحلف. الأمين العام للناتو مارك روته أشار في فبراير 2026 إلى أن ليتوانيا تستهدف إنفاقاً دفاعياً قياسياً يبلغ 5.38% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، فيما تحدث وزير الخارجية الليتواني كيستوتيس بودريس عن توجه للاستثمار بين 5% و6% من الناتج المحلي في الدفاع.
كيف رد الكرملين؟
الرد الروسي جاء حاداً ومباشراً. المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قال إن أي نشر لأسلحة نووية في ليتوانيا سيعني تحول أراضيها إلى هدف للأسلحة النووية الروسية، واعتبر أن ذلك سيكون منعطفاً خطيراً في مسار التصعيد. هذا الموقف يعكس نظرة موسكو إلى البلطيق بوصفه جبهة متقدمة لمواجهة النفوذ الغربي، لا سيما مع اتساع حضور الناتو قرب الحدود الروسية.
ولم يكن هذا أول احتكاك لفظي بين موسكو وفيلنيوس خلال 2026. ففي يوليو الماضي رفض الكرملين اتهامات ليتوانية تحدثت عن استعدادات روسية لاستهداف بنية تحتية في المنطقة، واعتبرها مجرد «قصص تخويف» تُستخدم لتبرير مزيد من العسكرة. كما هاجمت موسكو في مايو تصريحات ليتوانية بشأن كالينينغراد وعدّتها مثالاً على خطاب بلطيقي «غير مسؤول».
ما الذي يعنيه ذلك للناتو وأوروبا؟
داخل الناتو، تُقرأ الخطوات الليتوانية باعتبارها جزءاً من إعادة تموضع أوسع على الجبهة الشرقية، وليس مجرد قرار محلي معزول. فالحلف عزز وجوده في دول البلطيق منذ سنوات، لكن الحرب الأوكرانية سرعت الانتقال من مفهوم «الانتشار الرمزي» إلى ترتيبات أقرب إلى الردع الأمامي الفعلي، سواء عبر القوات الألمانية في ليتوانيا أو عبر رفع الإنفاق وتطوير البنية التحتية العسكرية.
ومع ذلك، يبقى الفارق مهماً بين فتح الباب القانوني واتخاذ قرار سياسي بالتخزين أو الاستضافة. حتى الآن لا توجد قرارات معلنة وموثقة من الحكومة الليتوانية أو الناتو بشأن نشر رؤوس نووية على الأراضي الليتوانية، لكن إزالة الحظر الدستوري تمنح هذا الاحتمال بعداً سياسياً كان مستبعداً سابقاً.
أبعاد تتجاوز البلطيق
التحرك الليتواني يضيف طبقة جديدة من التوتر في أوروبا في وقت لم تنتهِ فيه الحرب الأوكرانية، ولم تتبلور بعد صيغة أمنية مستقرة بين روسيا والغرب. ومن زاوية أوسع، فإن كل تصعيد في البلطيق ينعكس على أسواق السلاح والطاقة، وعلى أولويات الإنفاق في دول الاتحاد الأوروبي، وعلى النقاش العالمي بشأن الردع النووي وحدود التوسع العسكري.
بالنسبة للمنطقة العربية، ومنها مصر، فإن متابعة هذا الملف مهمة لأنه يكشف كيف تتغير خرائط التحالفات وقواعد الاشتباك بسرعة، وكيف يمكن لدولة صغيرة سكانياً وجغرافياً مثل ليتوانيا أن تصبح محوراً في معادلة دولية أكبر منها بكثير.
خلاصة المشهد
- ليتوانيا خرجت رسمياً من اتفاقية الذخائر العنقودية في 6 مارس 2025.
- البرلمان الليتواني بدأ مساراً دستورياً لإلغاء الحظر على أسلحة الدمار الشامل والقواعد العسكرية الأجنبية.
- روسيا ردت بتحذير مباشر من أن نشر سلاح نووي في ليتوانيا سيجعلها هدفاً للأسلحة النووية الروسية.
- الناتو يعزز وجوده في البلطيق، وألمانيا تستعد لاستكمال نشر لواء قوامه نحو 5 آلاف فرد في ليتوانيا بحلول نهاية 2027.
- الملف لا يزال مفتوحاً بين تعديل القوانين من جهة، واتخاذ قرارات نشر فعلية من جهة أخرى.
في المحصلة، لا تبدو القضية مجرد تعديل قانوني أو انسحاب من اتفاقية تسليح، بل علامة على أن ليتوانيا قررت نقل نفسها من موقع الدولة الحدودية القلقة إلى موقع الدولة التي تريد كل خيارات الردع متاحة أمامها. وهذه بالضبط هي النقطة التي تجعل موسكو ترى في الخطوة تصعيداً يتجاوز حدود فيلنيوس إلى توازنات الأمن الأوروبي كله.