ماكرون يعبئ الجيش الفرنسي لدعم مواجهة حرائق الغابات
فرنسا تدفع بقدرات الجيش لمساندة فرق الإطفاء
دخلت فرنسا مرحلة تصعيد ميداني جديدة في مواجهة حرائق الغابات، بعدما وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القوات المسلحة إلى تقديم أقصى ما يمكن من دعم للأمن المدني، في ظل موسم حرائق وصفته السلطات الفرنسية بأنه شديد القسوة ومبكر من حيث الاتساع والضغط على أجهزة الاستجابة. ويعكس هذا القرار انتقال باريس إلى توظيف أدوات الدولة بكاملها، وليس فقط فرق الإطفاء التقليدية، لمواجهة النيران التي تهدد مساحات واسعة من الغابات والتجمعات السكنية.
التحرك الرئاسي جاء متسقًا مع ما أعلنته الرئاسة الفرنسية خلال زيارة ماكرون إلى فونتينبلو يوم 16 يوليو 2026، حين أكد دعمه الكامل للعناصر المنخرطة في مكافحة الحرائق، مشيدًا بتنسيق الجهود المدنية والعسكرية والمتطوعين. وأشارت الرئاسة آنذاك إلى أن فرنسا تواجه موسمًا استثنائيًا من حرائق الغابات على مستوى البلاد.
دعم عسكري مباشر للأمن المدني
السلطات الفرنسية لم تكتفِ بالتصريحات السياسية، بل دفعت بخطوات تشغيلية واضحة على الأرض. ووفق ما أعلنته وزارة الداخلية الفرنسية يوم 23 يوليو 2026، تم تعزيز جهود الإخماد بقدرات جوية إضافية، بينها طائرة A400M التي انضمت لدعم عمليات مكافحة الحرائق، مع الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى آلية التضامن الأوروبية rescEU إذا استدعت الحاجة المزيد من الوسائل الجوية.
ومن جهتها، أوضحت وزارة القوات المسلحة الفرنسية في اليوم نفسه أن سلاح الجو والفضاء وُضع في حالة تأهب ضمن خطة مكافحة حرائق الغابات، بما يسمح بتقريب الوحدات المتخصصة من مناطق الخطر ورفع سرعة الاستجابة عند اندلاع أي حريق جديد. هذا النوع من الدعم لا يقتصر على الإطفاء الجوي فقط، بل يمتد إلى النقل، والإسناد اللوجستي، وإتاحة البنية التحتية العسكرية لتسهيل تمركز الفرق المتخصصة قرب بؤر الخطر.
لماذا صعّدت باريس الآن؟
التشديد الذي صدر عن ماكرون لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لموسم الحرائق في فرنسا هذا الصيف. فوزارة الداخلية الفرنسية كانت قد أكدت قبل أسابيع أن الدولة طورت استراتيجية شاملة بعد حرائق عام 2022، التي أتت على أكثر من 30 ألف هكتار في إقليم لاند. وفي إطار هذه الاستراتيجية، وقّعت الوزارة في 4 يونيو 2026 طلب شراء طائرتي Canadair جديدتين لاستكمال الأسطول الذي كان يضم 12 طائرة Canadair، باستثمار يقارب 200 مليون يورو.
هذه الأرقام توضح أن الحكومة الفرنسية تتعامل مع حرائق الغابات باعتبارها ملف أمن مدني وأمن وطني في الوقت نفسه، خصوصًا مع تكرار موجات الحر والجفاف واتساع نطاق الحرائق إلى مناطق لم تكن تاريخيًا في صدارة الخطر. لذلك فإن إشراك الجيش لا يُقرأ باعتباره إجراءً استثنائيًا معزولًا، بل امتدادًا لخطة فرنسية أوسع لتوسيع القدرة على الرد السريع وتقليل زمن التدخل.
ما الذي يقدمه الجيش فعليًا في مثل هذه الأزمات؟
في التجربة الفرنسية، لا يعني تدخل القوات المسلحة أن الجيش يحل محل أجهزة الإطفاء، بل إنه يعمل كقوة إسناد ثقيل عند الضغط الكبير على المنظومة المدنية. ويشمل ذلك عادة:
- النقل الجوي واللوجستي لتحريك الأفراد والمعدات بسرعة بين المناطق.
- إتاحة القواعد والمنشآت العسكرية كنقاط تمركز قريبة من بؤر الخطر.
- الدعم الهندسي والميداني في تأمين المناطق المتضررة وفتح المسارات.
- تعزيز الاتصالات والقيادة عندما تتعدد جبهات الحريق في وقت واحد.
- المساندة الطبية والإخلاء إذا تطلبت الأوضاع نقل مصابين أو حماية سكان.
وهذا النمط من التعاون بين المؤسستين المدنية والعسكرية يمنح الدولة هامشًا أكبر في مواجهة الحرائق الممتدة، خاصة عندما تتزامن عدة بؤر اشتعال مع أحوال جوية صعبة.
رسالة سياسية وأمنية في توقيت حساس
يحمل توجيه ماكرون أيضًا رسالة سياسية داخلية مفادها أن الدولة الفرنسية لن تترك سلطات الأقاليم وفرق الحماية المدنية وحدها في مواجهة الخطر، وأن الرئاسة تتابع الملف على أعلى مستوى. ويأتي ذلك بعد ظهوره إلى جانب عناصر مكافحة الحرائق في فونتينبلو، حيث شدد على استمرار العمل وتوفير الدعم الكامل خلال هذا الموسم الصعب.
وبالنسبة للمتابع العربي، ومنه القارئ في مصر، فإن ما يجري في فرنسا يكشف كيف تحولت حرائق الغابات في أوروبا من ملف بيئي موسمي إلى اختبار لقدرة الحكومات على إدارة الأزمات المعقدة. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بإطفاء النيران بعد اندلاعها، بل ببناء جاهزية مستمرة تشمل الطائرات، والإمداد، والإنذار المبكر، والتنسيق بين الوزارات، وحتى تفعيل آليات أوروبية مشتركة عند الضرورة.
الزاوية الأهم: تغير طبيعة التهديد
اللافت في الخطاب الفرنسي الرسمي خلال يوليو 2026 أنه يتعامل مع الحرائق بوصفها تحديًا متكررًا وعابرًا للمناطق، وليس حادثًا منفردًا. ولهذا السبب، فإن قرار تعبئة القوات المسلحة لدعم الأمن المدني يعكس إدراكًا بأن الحرائق الكبرى باتت تحتاج إلى بنية استجابة مرنة وسريعة وقابلة للتوسع في ساعات قليلة.
ومن المرجح أن يبقى هذا النهج حاضرًا خلال ما تبقى من الصيف، خصوصًا إذا استمرت الظروف المناخية التي ترفع قابلية الاشتعال. كما أن الإشارة الرسمية إلى آلية rescEU الأوروبية توضح أن باريس تُبقي باب الدعم الخارجي مفتوحًا إذا تجاوزت الحرائق القدرات الوطنية المتاحة.
خلاصة المشهد
المؤكد حتى الآن أن فرنسا رفعت مستوى المواجهة إلى درجة أعلى: الرئاسة تتابع، ووزارة الداخلية تعزز الوسائل الجوية، والقوات المسلحة في حالة تعبئة لدعم الأمن المدني. وفي ظل موسم حرائق استثنائي، يبدو أن باريس تراهن على الدمج الكامل بين الموارد المدنية والعسكرية لتقليل الخسائر وحماية السكان والغابات والبنية التحتية.
وبينما تظل مكافحة الحرائق في جوهرها مهمة فرق الإطفاء والحماية المدنية، فإن دخول الجيش بكامل ثقله اللوجستي والتنظيمي يرسل إشارة واضحة: الدولة الفرنسية تتعامل مع هذا التهديد باعتباره أزمة وطنية تستدعي أقصى درجات الجاهزية.