Akhbar Cairo

ماكرون يكشف بحث هدنة لضربات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تحرك فرنسي-أمريكي لخفض التصعيد في الحرب الأوكرانية

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (@emmanuelmacron على إنستغرام) أنه ناقش مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحًا يهدف إلى وقف مؤقت للهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، في خطوة تعكس محاولة جديدة لفتح مسار تهدئة محدود داخل حرب ما زالت تتجاوز عامها الثالث. وتأتي هذه الإشارة من باريس في وقت تتكثف فيه الاتصالات الغربية والأمريكية مع كييف وموسكو بحثًا عن إجراءات جزئية يمكن البناء عليها سياسيًا وعسكريًا.

الطرح المطروح لا يعني وقفًا شاملًا لإطلاق النار، بل يركز على البنية التحتية للطاقة التي تحولت خلال الشهور الماضية إلى أحد أكثر أهداف الحرب حساسية، سواء داخل أوكرانيا أو في العمق الروسي. وبالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن أهمية هذا الملف لا ترتبط فقط بتطورات الميدان الأوروبي، بل تمتد أيضًا إلى أسواق الطاقة العالمية، وإمدادات الوقود، وتقلبات الأسعار التي تنعكس سريعًا على اقتصادات المنطقة.

ماذا قال ماكرون وما الذي تم التوافق عليه؟

المعطيات المتاحة من الرئاسة الفرنسية ومن تغطيات وكالات دولية تشير إلى أن ماكرون دعم أي مسار يؤدي أولًا إلى خفض الأعمال القتالية ثم إلى وقفها، مع الحفاظ على الضمانات الأمنية لأوكرانيا. وفي أواخر مارس 2025، قال ماكرون إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبدى “شجاعة” بقبول وقف غير مشروط لإطلاق النار لمدة 30 يومًا خلال محادثات جدة، مضيفًا أنه تحدث مع ترامب هاتفيًا قبل اجتماع قادة أوروبيين في باريس حول أمن أوكرانيا.

التطور الأبرز جاء بعد الاتصال المطول بين ترامب وفلاديمير بوتين في 18 مارس 2025، حين أعلنت واشنطن وموسكو حصول توافق على تعليق فوري للهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها كخطوة أولى، بينما لم يتحقق في ذلك التوقيت وقف شامل للحرب. وبعد ذلك بأيام، أوضحت موسكو أن وقف الضربات على البنية التحتية للطاقة يبدأ من 18 مارس ولمدة 30 يومًا، مع إمكانية التمديد باتفاق الطرفين.

هدنة جزئية لا توقف الحرب

ورغم أن المبادرة بدت مهمة دبلوماسيًا، فإنها بقيت محدودة النطاق. فالتفاهم تناول منشآت الطاقة، لا جبهات القتال البرية كلها، ولا الهجمات على سائر الأهداف العسكرية. ولهذا اعتبرها كثير من المراقبين خطوة اختبار لقياس استعداد موسكو وكييف للانتقال لاحقًا إلى ترتيبات أوسع، بدل أن تكون تسوية نهائية بحد ذاتها.

كما أن وكالة أسوشيتد برس نقلت آنذاك أن بوتين وافق على وقف ضربات الطاقة، لكنه لم يوافق على الهدنة الأوسع التي كانت الإدارة الأمريكية تضغط باتجاهها. وهذا الفارق جوهري، لأنه يكشف أن التقدم كان تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا.

لماذا أصبحت منشآت الطاقة في قلب التفاوض؟

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، شكّلت الطاقة عنصرًا رئيسيًا في الصراع. روسيا استهدفت مرارًا الشبكات الكهربائية ومحطات التوليد الأوكرانية، فيما ردت أوكرانيا بهجمات بعيدة المدى على مصافٍ ومنشآت داخل روسيا. هذه المعادلة جعلت ملف الطاقة ليس مجرد بند عسكري، بل أداة ضغط اقتصادي وإنساني في الوقت نفسه.

في الشتاء خصوصًا، تتحول ضربات الطاقة إلى تهديد مباشر لحياة المدنيين، لأنها تؤثر في الكهرباء والتدفئة والمياه والخدمات الأساسية. ومن هنا يمكن فهم سبب طرح هدنة جزئية تركز على هذا القطاع تحديدًا، باعتباره الأكثر قدرة على إنتاج أثر إنساني سريع، وربما تهيئة مناخ تفاوضي أقل توترًا.

وبالنسبة لأوروبا، فإن استهداف الطاقة في أوكرانيا وروسيا يتجاوز حدود البلدين؛ إذ ينعكس على أسعار النفط والغاز، وعلى كلفة التأمين والشحن، وعلى مزاج الأسواق الدولية. وهذه مسألة تهم القارئ في مصر أيضًا، لأن اضطراب أسواق الطاقة العالمية كثيرًا ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل وسلاسل الإمداد.

أين تقف أوكرانيا وأوروبا من المبادرة؟

أوكرانيا كانت قد أعلنت في 11 مارس 2025 استعدادها لقبول وقف كامل لإطلاق النار لمدة 30 يومًا ضمن محادثات جدة، وفق ما أوردته تغطيات دولية استندت إلى مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين. غير أن المسار الذي تبلور لاحقًا مع موسكو اقتصر مبدئيًا على منشآت الطاقة وبعض الترتيبات الخاصة بالبحر الأسود، وهو ما جعل كييف تتعامل معه بحذر.

أما على الجانب الأوروبي، فقد سعت باريس ولندن إلى دفع مقاربة مرحلية تشمل الجو والبحر ومنشآت الطاقة، بدل انتظار اتفاق شامل يصعب التوصل إليه سريعًا. وفي هذا السياق، ظهرت فرنسا بقيادة ماكرون كأحد أبرز الأطراف الأوروبية الساعية إلى الجمع بين دعم أوكرانيا عسكريًا والضغط دبلوماسيًا لوقف التصعيد.

وفي 26 مارس 2025، أعلن ماكرون من باريس، خلال استقباله زيلينسكي، تقديم ملياري يورو إضافية من الدعم العسكري الفرنسي لأوكرانيا، بالتوازي مع تأييده جهود تقود إلى تقليص الأعمال العدائية ثم إنهائها. هذا يوضح أن المقاربة الفرنسية لم تكن قائمة على التهدئة وحدها، بل على الجمع بين الردع والتفاوض.

هل يمكن أن تصمد هدنة الطاقة؟

السؤال الأصعب لا يتعلق بإعلان الهدنة، بل بقدرتها على الصمود. فبعد الإعلان عن التفاهمات المحدودة في مارس 2025، تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بخرقها، وهو ما يعكس هشاشة أي ترتيب لا تحكمه آلية رقابة واضحة وجدول سياسي أوسع. لذلك، فإن نجاح وقف ضربات الطاقة يتوقف على عدة عناصر:

  • وجود آلية تحقق ومراقبة تقبل بها الأطراف المعنية.
  • تحديد دقيق للأهداف المحظورة ضمن قطاع الطاقة والبنية التحتية المرتبطة به.
  • ربط التهدئة الجزئية بمحادثات أوسع حول وقف النار والأمن الأوروبي.
  • استمرار الضغط الأمريكي والأوروبي على الطرفين لمنع العودة السريعة إلى التصعيد.

ومن دون هذه العناصر، قد تتحول الهدنة إلى إعلان سياسي قصير العمر لا يغير كثيرًا في واقع المعارك.

ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة العربية ومصر؟

رغم أن الخبر يدور حول فرنسا والولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، فإن أصداءه تصل بوضوح إلى المنطقة العربية. أي خفض للتصعيد في ملف الطاقة بين موسكو وكييف قد يهدئ نسبيًا مخاوف الأسواق من انقطاع الإمدادات أو توسع الضربات على المنشآت الحيوية. وبالنسبة لمصر، التي تتابع عن كثب تحركات أسعار الطاقة والشحن العالمي، فإن أي تقدم في هذا المسار يظل محل اهتمام اقتصادي وسياسي، حتى لو كان محدودًا.

كما أن التحركات الفرنسية تحظى بمتابعة عربية لكون باريس لاعبًا مؤثرًا في ملفات الأمن الأوروبي والبحر المتوسط، وهي مناطق يرتبط استقرارها بشكل غير مباشر بحسابات الطاقة والتجارة والهجرة والأمن الإقليمي.

خلاصة المشهد

خلاصة ما أعلنه ماكرون أن المباحثات مع ترامب تناولت هدنة مؤقتة لضربات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، وهي فكرة وجدت صدى لاحقًا في التفاهم المحدود الذي أُعلن بعد اتصال ترامب وبوتين في 18 مارس 2025. لكن هذه الصيغة ظلت حتى الآن أقل من وقف شامل للنار، وأقرب إلى اختبار نيات بين أطراف ما زالت هوة الثقة بينها واسعة.

وبينما تراهن باريس على أن وقف استهداف الطاقة قد يفتح الباب أمام مسار تفاوضي أوسع، يبقى الواقع الميداني هو العامل الحاسم. فإذا صمدت التهدئة الجزئية، فقد تشكل بداية يمكن البناء عليها. أما إذا انهارت سريعًا، فستضاف إلى سلسلة المبادرات التي لم تستطع حتى الآن إنهاء واحدة من أخطر الحروب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.