ماكرون يهاجم خطاب «السلام» في غزة من على منبر الأمم المتحدة
ماكرون يربط أي حديث عن السلام في غزة بفتح الإغاثة فعلياً
وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، انتقاداً حاداً من على منبر الأمم المتحدة إلى الخطاب الذي يروّج لوجود «سلام» في قطاع غزة من دون ترجمة ذلك إلى إجراءات ملموسة على الأرض، وفي مقدمتها فتح ممرات إنسانية فعالة وتدفق المساعدات بلا عوائق. وجاء الموقف الفرنسي في لحظة دولية شديدة الحساسية، مع استمرار الجدل حول مستقبل القطاع، وحدود الدور الأمريكي، وفرص إحياء المسار السياسي على أساس حل الدولتين.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذا التطور لا ينفصل عن موقع مصر المركزي في ملف غزة، سواء في جهود إدخال المساعدات أو في تثبيت أي تهدئة أو دفع مسار سياسي يمنع اتساع الحرب إقليمياً. ولهذا اكتسبت كلمات ماكرون أهمية إضافية، لأنها ربطت بين الخطاب السياسي وبين اختبار واضح: هل تحسّن الوضع الإنساني فعلاً أم لا؟
رسالة فرنسية أمام الأمم المتحدة
الموقف الفرنسي الأخير يتقاطع مع خط سياسي أعلنته باريس خلال الأشهر الماضية، يقوم على أن أي تسوية لا يمكن أن تكون مقنعة إذا تجاهلت الكارثة الإنسانية داخل غزة، أو إذا مرّت على التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين في الضفة الغربية من دون إدانة واضحة. وفي بيانات رسمية حديثة، شددت الرئاسة الفرنسية على أن التوسع الاستيطاني، وخصوصاً الدفع بمخططات مثل مشروع E1، إلى جانب الارتفاع الحاد في عنف المستوطنين، يمثل تهديداً مباشراً وعاجلاً لاحتمالات السلام.
كما أوضح الإليزيه أن فرنسا متمسكة بقيام دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنباً إلى جنب في أمن، وأنها تتحرك دبلوماسياً داخل الأمم المتحدة لحشد دعم أوسع لهذا المسار. وضمن هذا التوجه، أعلنت باريس أنها ستشارك في اجتماعات أممية رفيعة المستوى خلال سبتمبر 2026 لدفع الجهود السياسية المتعلقة بفلسطين.
لماذا يهاجم ماكرون «السلام المزعوم»؟
جوهر الانتقاد الفرنسي يقوم على فكرة أن التفاخر بإحراز سلام، أو الحديث عن نجاح خطة سياسية، لا يكتسب أي مصداقية إذا ظل المدنيون في غزة يواجهون نقصاً حاداً في الإغاثة والحماية. فالأمم المتحدة نفسها عادت، في مداخلات حديثة مرتبطة بافتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026، إلى التحذير من خطورة استمرار القيود على العمل الإنساني في غزة، ومن تدهور الوضع في الضفة الغربية بالتوازي.
هذه المقاربة تمنح التصريحات الفرنسية بعداً عملياً: فبدلاً من الاكتفاء بتداول عبارات سياسية فضفاضة، تصر باريس على ربط أي تقييم للوضع بوجود إغاثة «فورية وكبيرة وغير معرقلة» داخل القطاع. وهذا التوصيف ورد أيضاً في مواقف فرنسية أوروبية سابقة، بما يعكس أن باريس ترى أن البعد الإنساني ليس تفصيلاً مكملاً، بل شرطاً لاختبار صدقية أي مبادرة سياسية بشأن غزة.
الضفة الغربية في قلب الموقف الفرنسي
لم يقتصر خطاب ماكرون على غزة وحدها، بل شمل أيضاً الضفة الغربية، حيث تتزايد التحذيرات الأوروبية والأممية من أن عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني يقوضان ما تبقى من إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. وفي مايو 2026، طالبت فرنسا وشركاؤها الحكومة الإسرائيلية بوقف التوسع الاستيطاني، وضمان المحاسبة على اعتداءات المستوطنين، والتحقيق في الانتهاكات المنسوبة للقوات الإسرائيلية.
ثم عادت باريس في 20 أغسطس 2026 للتحذير من مشروع E1، معتبرة أن الدفع به في وقت تشهد فيه الضفة الغربية مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين يجعل الموقف أكثر خطورة.
ماذا عن الخطة الأمريكية التي أشار إليها الخطاب؟
في الخلفية، يوجد طرح أمريكي تتعامل معه عدة عواصم بصفته إطاراً مطروحاً للنقاش حول ترتيبات ما بعد الحرب، وسط تباين واضح في تقييمه. ومن اللافت أن بيانات مصرية رسمية خلال عام 2026 أشارت إلى «خطة الرئيس ترامب للسلام» ضمن سياق أوسع يتصل بوقف الحرب، وزيادة دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب التشديد على رفض تهجير الفلسطينيين والتمسك بحل الدولتين.
لكن الموقف الفرنسي، كما يظهر من خطاب ماكرون وتحركات الإليزيه، لا يمنح الشرعية لأي مبادرة بمجرد تسويقها سياسياً، بل يربط نجاحها بثلاثة معايير أساسية:
- فتح ممرات الإغاثة وإدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية ومن دون تعطيل.
- وقف الإجراءات الأحادية في الضفة الغربية، وعلى رأسها الاستيطان وعنف المستوطنين.
- إحياء مسار سياسي قابل للتطبيق يؤدي إلى حل الدولتين وفق المرجعيات الدولية.
الأهمية بالنسبة لمصر والمنطقة الأفريقية
بالنسبة لمصر، التي تبقى الفاعل العربي والأفريقي الأكثر التصاقاً بملف غزة بحكم الجغرافيا والدبلوماسية، فإن أي تحول في لهجة باريس تجاه الحرب والمساعدات والضفة الغربية له دلالة مهمة. فالقاهرة تركز منذ بداية الأزمة على ثلاثة عناوين رئيسية: منع التهجير، ضمان تدفق المساعدات، والحفاظ على أفق سياسي ينتهي بقيام الدولة الفلسطينية. وهذا يجعل التقاطع بين الموقفين المصري والفرنسي ملموساً، حتى مع اختلاف أدوات كل طرف ونطاق تحركه الدولي.
ومن زاوية «أفريقيا» كقسم صحفي معنيّ بمحيط مصر القاري والإقليمي الأوسع، فإن الحرب في غزة لم تعد شأناً شرق أوسطيّاً صرفاً؛ بل باتت قضية تؤثر في الأمن الإقليمي، وحركة التجارة، وملفات اللجوء، وتوازنات المتوسط والبحر الأحمر. لذلك فإن أي خطاب أوروبي كبير يربط السلام بالمساعدات ويعيد التشديد على رفض الاستيطان ينعكس على البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر وشمال أفريقيا.
تحركات دبلوماسية فرنسية أوسع
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يُعرف أيضاً بحضوره المكثف على الساحة الدولية، ظهر في الأسابيع الأخيرة وهو ينسق مع شركاء غربيين وعرب لدفع ملف التسوية الفلسطينية. ففي 17 سبتمبر 2026، أكدت باريس وعمان في بيان مشترك أهمية حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق وبكميات كافية، بالتوازي مع دعم مسار سياسي أوسع.
كما أن الإليزيه أعلن قبل ذلك، في 8 سبتمبر 2026، أن فرنسا ستشارك في رعاية اجتماع خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة لدفع الجهود المرتبطة بحل الدولتين، في إشارة إلى رغبة فرنسية في تحويل المواقف المعلنة إلى تحرك دبلوماسي منظم.
خلاصة المشهد
رسالة ماكرون يمكن تلخيصها بوضوح: لا معنى للحديث عن «سلام» في غزة إذا لم يشعر به المدنيون عبر الغذاء والدواء والحماية وحرية وصول المنظمات الإنسانية. ومن دون وقف عنف المستوطنين وكبح الاستيطان في الضفة الغربية، فإن أي خطة ستظل ناقصة، وربما تتحول إلى مجرد غطاء سياسي لأزمة مستمرة. بالنسبة للقارئ المصري، يظل السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه المواقف الدولية ستترجم إلى ضغط فعلي يخفف الكارثة الإنسانية ويحفظ أسس التسوية، أم ستبقى في حدود الخطابات الدبلوماسية.
وحتى الآن، تبدو فرنسا أكثر صراحة في ربطها بين الممرات الإنسانية وصدقية أي مبادرة سياسية، وهو ما يمنح خطاب ماكرون وزناً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى محاولة إعادة تعريف معنى «السلام» نفسه في غزة: ليس إعلاناً سياسياً، بل واقعاً قابلاً للقياس على الأرض.