Akhbar Cairo

مايا مرسي وUNDP: من الحماية الاجتماعية إلى التمكين الاقتصادي

لقاء يتجاوز الطابع البروتوكولي

يأتي لقاء الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، مع غيمار ديب نائب الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر، في توقيت تبدو فيه الدولة المصرية أكثر ميلاً إلى تحويل ملفات الحماية الاجتماعية من مجرد شبكات دعم إلى مسارات إنتاج وتمكين اقتصادي. ووفق ما أعلنته وزارة التضامن الاجتماعي، دار النقاش حول تعزيز التعاون في التمكين الاقتصادي والحوكمة وبناء القدرات المؤسسية للعاملين بالوزارة؛ وهي ثلاثة عناوين تكشف، عند قراءتها سياسياً وتنموياً، عن أولويات المرحلة المقبلة داخل واحدة من أكثر الوزارات التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين.

أهمية الاجتماع لا تنبع فقط من موضوعاته، بل من هوية الأطراف المشاركة فيه أيضاً. فوزارة التضامن الاجتماعي تتحرك داخل شبكة واسعة من ملفات الدعم النقدي، والرعاية، والعمل الأهلي، والتمكين، فيما يعد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أحد أبرز الشركاء الدوليين في ملفات الحوكمة والقدرات المؤسسية والتنمية المستدامة في مصر. كما أن غيمار ديب يشغل حالياً منصب نائب الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر، بحسب صفحة القيادة الرسمية للبرنامج، وهو مسؤول يمتلك خبرة طويلة في القانون الدولي والتنمية وإدارة البرامج في بيئات معقدة.

لماذا يحتل التمكين الاقتصادي هذه المكانة الآن؟

في السنوات الأخيرة، لم يعد كافياً تقييم نجاح السياسة الاجتماعية بعدد المستفيدين من الدعم فقط. المعادلة الجديدة التي تتبناها الدولة المصرية أصبحت تقوم على الانتقال من الحماية إلى التمكين. وهذا التوجه ظهر بوضوح في تصريحات سابقة لوزيرة التضامن الاجتماعي خلال مايو 2026، عندما أكدت أن منظومة الحماية الاجتماعية في مصر تطورت خلال العقد الماضي، وأن التوجه الحالي يربط بين الدعم والقدرة على الاعتماد على الذات، من خلال منظومة مالية استراتيجية للتمكين الاقتصادي تضم أكثر من 34 جهة.

هذه النقلة مهمة لأن وزارة التضامن تدير برامج ذات أثر جماهيري واسع، وعلى رأسها برنامج تكافل وكرامة. ووفق الأرقام المنشورة على الموقع الرسمي للوزارة، بلغ عدد مستفيدي “تكافل” أكثر من 2.53 مليون مستفيد، فيما تجاوز عدد مستفيدي “كرامة” 2.09 مليون، وفق آخر تحديثات منشورة في يونيو 2026. كما سبق للوزارة أن أشارت إلى أن البرنامج منذ انطلاقه وصل إلى أكثر من 8.2 مليون أسرة، بينما تستفيد حالياً نحو 4.7 مليون أسرة. من هنا، يصبح السؤال المركزي: كيف يمكن تحويل هذا الثقل العددي من قاعدة تلقي دعم إلى قاعدة دخول أوسع إلى السوق والعمل والإنتاج؟

الشق المؤسسي: إصلاح الإدارة قبل توسيع البرامج

الحديث عن التمكين الاقتصادي غالباً ما يذهب مباشرة إلى القروض الصغيرة أو التدريب أو تشغيل النساء والشباب، لكن ما يلفت الانتباه في هذا اللقاء هو وضع الحوكمة وبناء القدرات المؤسسية في قلب النقاش. هذا يعني أن الطرفين يدركان أن نجاح أي سياسة تمكين لا يعتمد فقط على التمويل، بل على كفاءة الجهاز الإداري نفسه: كيفية جمع البيانات، وتنسيق الخدمات، ومتابعة النتائج، وتحديد الفئات الأجدر بالدعم، ومنع التداخل بين الجهات.

وهنا تظهر قيمة الشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يؤكد في وثائقه ومواقعه الرسمية أن عمله في مصر يشمل دعم المؤسسات والحوكمة وبناء الأطر التنفيذية للتنمية المستدامة. هذه الصياغة تبدو منسجمة تماماً مع احتياجات وزارة بحجم التضامن، التي تتعامل مع ملفات متنوعة تبدأ من الدعم النقدي ولا تنتهي عند الحضانات والأسر البديلة والاقتصاد الاجتماعي.

ومن زاوية عملية، فإن الاستثمار في قدرات العاملين داخل الوزارة قد يكون أحد أكثر أوجه التعاون تأثيراً على المدى المتوسط. فالموظف المدرب على إدارة الحالة، والرقمنة، والتقييم، والتواصل مع المستفيدين، وصياغة تدخلات أكثر دقة، يمكنه أن يغير جودة الخدمة حتى من دون توسيع كبير في الموازنات. وهذا ما يفسر لماذا عادت الوزارة في أكثر من مناسبة خلال 2026 للحديث عن البرامج التدريبية والارتقاء بالكفاءات البشرية ضمن مشروع تعزيز القدرات المؤسسية والبشرية.

مايا مرسي بين الخبرة الأممية والمسؤولية الحكومية

هناك أيضاً بعد رمزي وسياسي في هذا الملف يرتبط بشخص الوزيرة نفسها. فالدكتورة مايا مرسي، التي تتولى حقيبة التضامن الاجتماعي منذ 3 يوليو 2024 وفق الموقع الرسمي للوزارة، ليست بعيدة عن المنظومة الأممية من الأساس. إذ يشير الموقع نفسه إلى أنها شغلت سابقاً مواقع مرتبطة بالعمل الإقليمي في قضايا النوع الاجتماعي داخل منظومة الأمم المتحدة الإنمائية. هذه الخلفية تمنحها، نظرياً على الأقل، قدرة أعلى على إدارة لغة الشراكات الدولية وتحويلها إلى أدوات تنفيذية داخل المؤسسات المصرية.

لكن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالسيرة الذاتية، بل بقدرة هذه الخبرة على إنتاج أثر محلي ملموس. القارئ المصري لا يعنيه كثيراً عدد الاجتماعات بقدر ما يعنيه: هل ستتحسن فرص النساء في العمل؟ هل ستصبح الخدمات أكثر سرعة وعدالة؟ هل سيتحول المستفيد من دعم نقدي إلى صاحب مشروع صغير أو عامل منتج أو عضو في سلسلة قيمة محلية؟ هذه هي الأسئلة التي تمنح هذا النوع من الاجتماعات معناه الفعلي.

ماذا يعني ذلك للمرأة والأسر الأولى بالرعاية؟

التمكين الاقتصادي في سياق وزارة التضامن الاجتماعي يرتبط بشكل مباشر بالنساء، خاصة أن الوزارة سبق أن أوضحت أن النساء يمثلن قرابة 75% من إجمالي المستفيدين الحاليين من “تكافل وكرامة”. لذلك فإن أي تطوير في هذا المسار ستكون له انعكاسات مباشرة على دخل الأسر، واستقلالية النساء الاقتصادية، وقدرتهن على اتخاذ القرار داخل الأسرة والمجتمع.

الوزارة تحدثت أيضاً في مايو 2026 عن محاور تتضمن الشمول المالي والرقمي، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، والتوسع في اقتصاد الرعاية. وهذه نقطة محورية في الحالة المصرية، لأن توفير خدمات حضانات ورعاية أطفال بجودة أعلى لا يُعد فقط خدمة اجتماعية، بل أداة اقتصادية تسمح لعدد أكبر من النساء بدخول سوق العمل أو البقاء فيه. ووفق الموقع الرسمي للوزارة، يوجد في مصر أكثر من 48,225 حضانة وفق البيانات المنشورة على الموقع.

قراءة أوسع: من الوزارة إلى نموذج الحكم الاجتماعي

إذا وضعنا اللقاء في سياق أوسع، سنجد أنه يعكس تحولاً في مفهوم السياسة الاجتماعية داخل مصر. فبدلاً من الفصل التقليدي بين “الرعاية” و“الاقتصاد”، هناك محاولة لدمج الملفين في مقاربة واحدة: حماية الفئات الأولى بالرعاية، مع بناء قدراتها وربطها بخدمات التمويل والتدريب والسوق. وفي هذا الإطار، تصبح الحوكمة ليست مجرد مصطلح إداري، بل شرطاً لنجاح العدالة الاجتماعية نفسها.

كما أن هذا التعاون يحمل بعداً آخر يتعلق بكفاءة الدولة في إدارة الشراكات الدولية. فحين تتكامل أولويات الوزارة مع خبرات مؤسسة أممية مثل UNDP، يمكن أن يتحول التعاون من تمويل محدود الأثر إلى نقل خبرة مؤسسية وأدوات قياس ومتابعة وتقييم. وهذه هي النقطة الفارقة بين مشروع يترك أثراً عابراً، ومسار إصلاحي يراكم نتائج على مدى سنوات.

ما الذي ينبغي متابعته بعد هذا اللقاء؟

  • إعلان برامج تنفيذية محددة تربط بين التدريب المؤسسي وخدمات التمكين الاقتصادي على الأرض.
  • قياس الأثر على فرص التشغيل والدخل للفئات المستفيدة، لا الاكتفاء بإعلان بروتوكولات التعاون.
  • توسيع الرقمنة والحوكمة داخل الوزارة بما يختصر زمن الخدمة ويحسن الاستهداف.
  • ربط التمكين الاقتصادي بالمرأة والأسر باعتبارهما الكتلة الأكبر داخل برامج الحماية الاجتماعية.

الخلاصة

في ظاهره، يبدو اللقاء بين وزيرة التضامن الاجتماعي ونائب الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي اجتماعاً فنياً لمراجعة مجالات تعاون معروفة. لكن في جوهره، هو مؤشر على اتجاه أكبر: إعادة تعريف دور السياسة الاجتماعية في مصر من كونها أداة لتخفيف الأعباء فقط، إلى كونها منصة لتوسيع الفرص الاقتصادية وتحسين كفاءة الدولة في إدارة الدعم والتمكين معاً. نجاح هذا الاتجاه لن يُقاس بكثافة العبارات الدبلوماسية، بل بمدى انعكاسه على حياة الأسر المصرية، خصوصاً النساء والشباب والفئات الأولى بالرعاية، خلال الشهور والسنوات المقبلة.