متى يخرج الجيش المصري خارج الحدود؟ بين الدستور والأمن العربي
الجيش المصري خارج الحدود: ما الذي تعنيه الرسالة السياسية؟
عاد ملف تحرك القوات المسلحة المصرية خارج الحدود إلى الواجهة بعد تصريحات جديدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، أكد فيها أن مصر يمكنها الدفاع عن أي دولة عربية إذا طلب منها ذلك، مع تشديد واضح على أن المقصود هو الدفاع عن أراضي الدول الشقيقة وحدودها، وليس الانخراط في عمليات هجومية خارجية. هذا التوضيح جاء في لحظة إقليمية حساسة، تتداخل فيها أزمات الخليج والبحر الأحمر واليمن مع حسابات الأمن القومي العربي الأوسع.
بالنسبة للقارئ المصري، لا يتعلق هذا النقاش فقط بموقف تضامني مع دولة عربية شقيقة، بل يرتبط أيضًا بسؤال أكثر عمقًا: متى يمكن للجيش المصري أن يعمل خارج حدود الدولة؟ وما الفارق بين الدعم السياسي، والمساندة الدفاعية، والاشتراك في مهمة قتالية؟ الإجابة هنا لا تحددها التصريحات السياسية وحدها، بل ينظمها الدستور المصري وآليات مؤسسية واضحة.
ماذا قال السيسي تحديدًا؟
خلال جلسة حول أمن الوطن والمواطن ضمن فعاليات منتدى مصر 2026 يوم 21 أكتوبر 2026، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن استقرار الأشقاء في الخليج يدخل ضمن منظور مصر للأمن القومي، موضحًا أن الجهد العسكري المصري المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة العربية السعودية وحدودها، أو أراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك. كما نفى بشكل صريح أن تكون الفكرة مرتبطة بهجوم على اليمن.
هذا التحديد مهم لأنه ينقل الخطاب من خانة الشعارات العامة إلى خانة الردع الدفاعي. فالموقف المصري، وفق التصريحات الرسمية الأخيرة، يربط أي تحرك محتمل بحماية سيادة دولة عربية شقيقة إذا تعرضت لتهديد، وليس بفتح جبهات جديدة في المنطقة. كما يعكس استمرار الرؤية المصرية التي تعتبر أمن الخليج والبحر الأحمر جزءًا من توازنات الأمن القومي العربي.
الإطار الدستوري: هل تستطيع مصر إرسال قوات خارج البلاد؟
الدستور المصري حسم هذه النقطة بوضوح في المادة 152. فالرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا يملك إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، ثم الحصول على موافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. وإذا لم يكن مجلس النواب قائمًا، توجد ترتيبات بديلة نص عليها القانون والدستور.
بمعنى آخر، أي انتقال من مستوى الدعم السياسي إلى مستوى المهمة القتالية الخارجية يحتاج إلى مسار دستوري ومؤسسي، ولا يتم بقرار منفرد. وهذا ما يعطي الملف حساسية خاصة داخل مصر، لأن الحديث هنا لا يقتصر على العلاقات العربية، بل يمتد إلى الشرعية القانونية، وتحديد نطاق المهمة، ومدتها، وأهدافها المباشرة.
سوابق دستورية وسياسية
شهدت السنوات الماضية سوابق تؤكد أن هذا المسار ليس نظريًا فقط. ففي عام 2017 وافق مجلس النواب على استمرار مشاركة عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهمة قتالية خارج الحدود للدفاع عن الأمن القومي المصري والعربي في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب. كما وافق البرلمان في 20 يوليو 2020 على إرسال عناصر من القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة على الاتجاه الاستراتيجي الغربي، في إشارة إلى تطورات الملف الليبي آنذاك.
هذه السوابق توضح أن فكرة تحرك القوات المصرية خارج البلاد ليست بلا سند، لكنها تبقى استثناءً مضبوطًا بالحسابات الدستورية والأمنية، لا قاعدة عامة. كما تكشف أن التحرك المصري الخارجي غالبًا ما يجري تقديمه باعتباره دفاعًا عن الأمن القومي المصري أولًا، وعن الأمن العربي في امتداداته المباشرة ثانيًا.
لماذا يرتبط الخليج والبحر الأحمر بالأمن القومي المصري؟
في الخطاب الرسمي المصري، لا يُنظر إلى الخليج باعتباره دائرة بعيدة عن مصر، بل كامتداد مباشر لمعادلة الاستقرار الإقليمي. وتكرر القاهرة في بياناتها الدبلوماسية أن الاعتداء على الدول العربية الشقيقة، أو استهداف منشآتها الحيوية والمدنيين فيها، يمثل تهديدًا للأمن والاستقرار في المنطقة، بما في ذلك أمن الملاحة الدولية. هذا الربط بدا واضحًا في بيانات مصر الرسمية المؤيدة لمواقف دول مجلس التعاون الخليجي والأردن في مواجهة التهديدات الإقليمية.
ومن منظور مصري خالص، فإن أمن البحر الأحمر وباب المندب يتصل مباشرة بحركة التجارة العالمية، وسلامة الممرات البحرية، وتأمين قناة السويس، وهي كلها ملفات تمس الاقتصاد المصري بصورة مباشرة. لذلك فإن أي حديث عن دفاع مشترك أو ردع عربي في هذه المنطقة يُقرأ في القاهرة ضمن حسابات السيادة والمصالح الاستراتيجية، لا باعتباره مجرد تضامن سياسي رمزي. وهذا استنتاج تدعمه طبيعة المواقف الرسمية المصرية المتكررة تجاه أمن الخليج والبحر الأحمر.
بين التضامن العربي وحدود الاشتباك
الرسالة الأساسية في التصريحات الأخيرة هي أن مصر تريد تثبيت معادلة مزدوجة: تضامن عربي واضح من ناحية، وضبط دقيق لحدود الاشتباك من ناحية أخرى. فالقاهرة حريصة على تأكيد أنها لا تتخلى عن أشقائها، لكنها في الوقت نفسه ترفض الانجرار إلى توصيفات توحي بتوسيع الحرب أو خوض عمليات هجومية مفتوحة. هذا ينسجم مع مواقف مصر المعلنة الداعية إلى خفض التصعيد واحترام سيادة الدول العربية.
كما أن اختيار السعودية بالاسم في التصريحات، ثم تعميم المبدأ على أي دولة عربية تطلب الدعم، يعكس محاولة لإرسال إشارة ردع سياسية قبل أن تكون عسكرية. فالحديث هنا موجه إلى الداخل العربي بقدر ما هو موجه إلى القوى الإقليمية التي تختبر توازنات المنطقة. وفي هذا السياق، يصبح وجود الآلية الدستورية المصرية عاملًا إضافيًا يمنح الرسالة طابعًا رسميًا وجادًا.
ما الذي يعنيه ذلك عمليًا؟
- لا تفويض تلقائيًا: أي مهمة قتالية خارجية تحتاج إلى إجراءات دستورية محددة.
- الأولوية للدفاع لا للهجوم: التصريحات الأخيرة شددت على حماية أراضي الدول الشقيقة وحدودها.
- الخليج جزء من حسابات القاهرة: ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا وأمنيًا، خاصة مع حساسية البحر الأحمر وباب المندب.
- الرسالة موجهة للإقليم كله: مصر تريد إظهار جاهزية الدعم ضمن إطار الشرعية والسيادة العربية.
خلاصة المشهد
الحديث عن خروج الجيش المصري خارج الحدود لا يمكن اختزاله في عبارة عابرة أو عنوان مثير. المسألة، كما تكشفها التصريحات الرسمية والنصوص الدستورية والسوابق البرلمانية، تتعلق بمزيج من الأمن القومي المصري والأمن العربي المشترك والشرعية الدستورية. وفي التوقيت الراهن، تبدو القاهرة حريصة على أن تقول شيئًا محددًا للغاية: مصر تقف مع أشقائها العرب عندما يتعرض أمنهم للخطر، لكنها تربط أي تحرك عسكري خارجي بحسابات دفاعية وإجراءات قانونية واضحة.
لهذا، فإن القرار ــ إذا طُرح عمليًا في أي مرحلة ــ سيتجاوز حدود المجاملة السياسية أو التضامن التقليدي، ليدخل منطقة أكثر حساسية: كيف تدير مصر دورها العربي في إقليم شديد الاضطراب، من دون أن تفقد توازنها بين الردع، والسيادة، والانضباط الدستوري؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي تفتحه التطورات الأخيرة أمام الرأي العام في مصر والمنطقة.