مجدي الجلاد: تحصين الجبهة الداخلية يحتاج إعلامًا حقيقيًا
مجدي الجلاد: تحصين الجبهة الداخلية يبدأ من إعلام مهني ورقابة فعالة
عاد ملف الإعلام في مصر ودوره في حماية الوعي العام إلى واجهة النقاش من جديد، بعد تصريحات للكاتب الصحفي والإعلامي مجدي الجلاد شدد فيها على أن تحصين الجبهة الداخلية لا يمكن أن يتحقق من دون إعلام قوي، مهني، وقادر على التعبير عن المجتمع ومواجهة حملات التضليل. وفي الوقت نفسه، ربط الجلاد بين صلابة الداخل المصري وبين تفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب على أداء الحكومة، معتبرًا أن الخلل لا يكمن في وجود المؤسسات بقدر ما يكمن في مدى فاعلية أدواتها.
التصريحات التي نُشرت فجر 2 أكتوبر 2026 تأتي في سياق نقاش أوسع داخل مصر حول شكل الخطاب الإعلامي، ومساحة الحوار المهني، وكيفية إدارة القضايا العامة في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتطلب تماسكًا داخليًا ومناعة مجتمعية أعلى في مواجهة الشائعات والاستقطاب.
ما الذي قاله مجدي الجلاد؟
بحسب ما نُشر عن مداخلته، ركز مجدي الجلاد على فكرة محورية مفادها أن الجبهة الداخلية لا تُحصَّن بالشعارات وحدها، بل من خلال إعلام حقيقي يشرح للناس ما يجري، وينقل نبض الشارع، ويمنح المواطن شعورًا بأنه حاضر في النقاش العام وليس مجرد متلقٍ سلبي. كما اعتبر أن مواجهة المنصات المعادية أو الرسائل المضللة لا تنجح إلا عندما يثق الجمهور في وسائله الإعلامية المحلية ويجد فيها المعلومة والتحليل والنقاش الجاد.
الجلاد لم يفصل بين الإعلام والسياسة العامة، بل انتقل مباشرة إلى نقطة أخرى شديدة الحساسية، وهي الدور الرقابي للبرلمان. ورأى أن هناك مشكلة حقيقية في تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية على الحكومة المصرية، بما في ذلك طلبات الإحاطة والاستجوابات ومساءلة الوزراء، وهي أدوات يفترض أن تعكس التوازن الطبيعي بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
لماذا يكتسب هذا الطرح أهمية الآن؟
أهمية هذا الحديث ترتبط بأن مصر تشهد منذ فترة نقاشًا متصاعدًا حول تطوير المنظومة الإعلامية من جهة، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي من جهة أخرى. وقد عُقد خلال أغسطس 2026 اجتماع حكومي برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي لمتابعة تنفيذ تكليفات الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن الإعلام، بحضور وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خالد عبدالعزيز، ورئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبدالصادق الشوربجي، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني. وأكد الاجتماع أهمية إتاحة مساحة لحوار إعلامي مهني ومسؤول يعرض آراء متعددة في إطار احترام الثوابت الوطنية.
هذا المسار الرسمي يوضح أن قضية الإعلام ليست ملفًا هامشيًا، بل جزء من رؤية أوسع تتعلق ببناء الوعي العام وتحديث أدوات التواصل مع المواطنين. كما أن تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام بقرارات جمهورية صادرة في 25 نوفمبر 2024 يؤكد استمرار إعادة ترتيب البنية المؤسسية المنظمة للقطاع.
الرقابة البرلمانية.. أزمة يكررها الواقع
حديث الجلاد عن ضعف الرقابة البرلمانية لا يأتي في فراغ، بل يجد ما يدعمه في وقائع شهدها مجلس النواب خلال 2026. فقد تناولت تقارير صحفية عدة شكاوى من غياب ممثلي الحكومة أو الوزراء عن اجتماعات لجان نوعية خُصصت لمناقشة طلبات إحاطة في ملفات مهمة. وفي يونيو 2026، وُصفت واقعة تغيب ممثلي الحكومة عن اجتماع للجنة الاقتصادية لمناقشة أربعة طلبات إحاطة بأنها مشهد غير مقبول، مع تأكيد برلمانيين أن حضور المسؤولين أمام المجلس التزام قانوني يجب احترامه.
كما أثيرت انتقادات مماثلة في ملفات أخرى، بينها غياب وزراء عن جلسات تتعلق بالصحة والدعم التمويني، وهو ما دفع نوابًا للمطالبة بعدم مناقشة بعض القضايا الحساسة من دون حضور الوزير المختص، خصوصًا عندما تمس حياة ملايين المواطنين. وفي هذا السياق، أشارت تغطيات صحفية إلى أن الحكومة نفسها تحدثت عن وجود تعليمات من رئيس الوزراء بضرورة حضور الوزراء والتواصل مع اللجان البرلمانية، بما يعكس إدراكًا رسميًا لأهمية معالجة هذه الفجوة.
الإعلام والبرلمان.. معادلة الثقة العامة
من زاوية أوسع، تكشف تصريحات الجلاد عن ارتباط وثيق بين الإعلام المهني والمحاسبة المؤسسية. فحين يشعر المواطن أن الإعلام يناقش همومه بجدية، وأن البرلمان يراقب الحكومة بفاعلية، ترتفع مستويات الثقة في المجال العام. أما عندما تغيب المعلومات الدقيقة، أو تتراجع مساحات النقاش، أو تُعطل أدوات المساءلة، فإن الفراغ سرعان ما تملؤه الشائعات والمنصات غير المهنية.
وفي مصر، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية بسبب سرعة تداول الأخبار عبر المنصات الرقمية، واتساع تأثير المحتوى القصير والرسائل الموجهة. ولهذا فإن الدعوة إلى إعلام “حقيقي” لا تعني فقط تطوير المحتوى، بل تشمل أيضًا ترسيخ قواعد المهنية، وإتاحة المعلومات، وتحسين بيئة العمل الصحفي، وتمكين المؤسسات من أداء دورها بعيدًا عن التكرار وفقر التنوع في الطرح. هذا المعنى سبق أن حضر في مواقف أخرى لمجدي الجلاد، حين تحدث عن حاجة الصحافة والإعلام إلى إصلاحات أعمق تتعلق بحرية تدفق المعلومات وأنماط الإدارة والتحرير.
ما المطلوب عمليًا؟
إذا جرى تلخيص الرسالة الأساسية في تصريحات الجلاد، فإنها تنقسم إلى مسارين متكاملين:
- أولًا: بناء خطاب إعلامي أكثر مهنية وقربًا من الناس، يفسر القضايا العامة بلغة واضحة، ويواجه التضليل بالمعلومة والتحليل.
- ثانيًا: تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية بصورة منتظمة، بما يضمن مساءلة الحكومة أمام ممثلي الشعب، ويعزز من حضور المؤسسات في حياة المواطنين.
وتكتسب هذه النقاط وزنًا أكبر مع استمرار الدولة في الحديث عن تطوير الإعلام وتنظيمه، سواء عبر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة خالد عبدالعزيز، أو عبر التحركات الحكومية المرتبطة بتوصيات تطوير القطاع الإعلامي، أو من خلال الجدل العام المستمر حول جودة المحتوى وجدوى الرسائل التقليدية في عصر المنصات المفتوحة.
خلاصة المشهد
في النهاية، تضع تصريحات مجدي الجلاد إصبعها على قضيتين مركزيتين في المشهد المصري: إعلام قادر على بناء الثقة، وبرلمان قادر على ممارسة الرقابة. وبين القضيتين مساحة واسعة تتعلق بجودة الحياة العامة، وحق المواطن في المعرفة، وفاعلية المؤسسات في الاستجابة للناس. وفي بلد بحجم مصر، يبقى النقاش حول الإعلام والرقابة البرلمانية نقاشًا يتجاوز النخب، لأنه يرتبط مباشرة بقدرة الدولة والمجتمع على الصمود، والتماسك، والتعامل بثقة مع التحديات الداخلية والخارجية.