مجدي الجلاد يثير نقاشًا حول شروط الترشح للرئاسة في مصر
جدل يتجاوز التصريح إلى سؤال السياسة
أعادت تصريحات الكاتب الصحفي والإعلامي مجدي الجلاد فتح نقاش حساس في المجال العام المصري: هل يجوز أن تتحول الأكاديمية العسكرية المصرية إلى بوابة حصرية، ولو بصورة غير مباشرة، أمام من يطمحون إلى مواقع القيادة العليا، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية؟ الجلاد طرح موقفًا واضحًا مفاده أن الأكاديمية يمكن النظر إليها باعتبارها أداة للتأهيل والاختيار أو معيارًا من بين معايير متعددة، لكنها لا ينبغي أن تصبح شرطًا سياسيًا أو دستوريًا مغلقًا لقصر الترشح على فئة بعينها.
أهمية هذا الطرح لا تتوقف عند حدود الجدل النظري، بل ترتبط مباشرة بسؤال أعمق عن مستقبل تداول السلطة، وحدود التنوع داخل النخبة الحاكمة، وقدرة الحياة السياسية في مصر على إنتاج بدائل مدنية وحزبية حقيقية. فالحديث هنا ليس عن مؤسسة بعينها بقدر ما هو حديث عن شكل الدولة الحديثة، وكيف تصنع كوادرها، ومن أين يأتي مرشحوها المحتملون.
ماذا قال الجلاد ولماذا لقي صدى؟
في مداخلاته الإعلامية الأخيرة، ربط الجلاد بين الجدل الدائر حول التأهيل عبر الأكاديمية العسكرية وبين ما وصفه بضعف المجال الحزبي وتجريف الحياة السياسية على مدى سنوات، معتبرًا أن المشكلة لا تُحل بالاكتفاء بمسارات إعداد إداري أو تدريبي، بل تحتاج إلى بيئة عامة تسمح بظهور قيادات جديدة واختبارها عبر العمل العام والرقابة والانتخابات. كما شدد في تصريحات منشورة يوم 18 أكتوبر 2026 على أن ترسيخ تداول السلطة يتطلب إصلاحًا حقيقيًا في بنية الدولة وفتح المجال أمام ممارسة سياسية وحزبية قادرة على تقديم بدائل للحكم، وليس فقط تجهيز أسماء لشغل المناصب.
هذا الربط مهم؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال: من أين يأتي الرئيس المقبل؟ إلى سؤال أشمل: كيف تُبنى النخبة السياسية أصلًا؟ فإذا كانت الساحة الحزبية ضعيفة، والتمثيل البرلماني محدود الأثر رقابيًا، والمنافسة السياسية غير كثيفة بما يكفي، فإن أي حديث عن التداول الديمقراطي يظل ناقصًا مهما تعددت أدوات التأهيل الفني والإداري.
ما الذي يقوله الدستور فعلًا؟
العودة إلى النصوص الدستورية تحسم نقطة جوهرية في هذا الجدل. فالدستور المصري يحدد بوضوح شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، ولا يتضمن بينها أي شرط يتعلق بالتخرج في الأكاديمية العسكرية أو الدراسة فيها. ووفقًا للمادة 141، يشترط في المرشح أن يكون مصريًا من أبوين مصريين، وألا يكون هو أو والداه أو زوجه قد حملوا جنسية دولة أخرى، وأن يكون متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية أو أُعفي منها قانونًا، وألا يقل عمره يوم فتح باب الترشح عن 40 سنة ميلادية. كما تنص المادة 142 على أن قبول الترشح يتطلب تزكية 20 عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس النواب، أو تأييد 25 ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في 15 محافظة على الأقل، بحد أدنى 1000 مؤيد من كل محافظة.
بالتالي، فإن أي تصور لحصر الترشح للرئاسة في خريجي مسار تعليمي أو تدريبي بعينه لا يجد سندًا في النص الدستوري الحالي. هنا يكتسب رأي الجلاد وزنه؛ لأنه لا يناقش مجرد تفضيل إداري، بل يلامس حدودًا دستورية تمس مبدأ المساواة في الأهلية السياسية بين المواطنين.
الأكاديمية العسكرية: من التأهيل إلى الجدل العام
النقاش تصاعد بعد تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي في 17 سبتمبر 2026 خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، حيث أكد أن الأكاديمية تطبق معايير موحدة وصادقة وعادلة في اختيار وتأهيل المرشحين للعمل في عدد من مؤسسات الدولة، وأن الهدف هو بناء كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية. كما أشارت التغطيات إلى مشاركة 1350 من أعضاء الجهات والهيئات القضائية في تلك الدورة التدريبية.
في هذا السياق، لا يبدو الخلاف الحقيقي على قيمة التدريب أو الانضباط أو بناء القدرات؛ فهذه عناصر لا يختلف عليها كثيرون. إنما الخلاف يبدأ عندما يُفهم هذا المسار بوصفه بديلًا عن السياسة أو أداة تعويض عن ضعف الأحزاب والنقابات والجامعات والبرلمان والإدارة المحلية في إفراز كوادر قيادية. وهنا تحديدًا يتقاطع كلام الجلاد مع هواجس قطاع من المهتمين بالشأن العام.
المشكلة الأعمق: أين تُصنع القيادات السياسية؟
من زاوية تحليلية، تبدو المسألة أكبر من الجدل حول مؤسسة بعينها. ففي النظم السياسية المستقرة، لا تُنتج القيادات العليا فقط عبر برامج تأهيل مغلقة، بل من خلال مسارات تراكمية: عمل حزبي، تجربة برلمانية، إدارة محلية، نقابات، مجتمع مدني، جامعات، إعلام، وخبرة تنفيذية خاضعة للمساءلة. هذه المسارات هي التي تخلق سياسيًا يعرف الشارع، ويفهم التوازنات، ويخوض المنافسة أمام الجمهور لا داخل دوائر مغلقة.
حين يتراجع هذا المسار الطبيعي، يصبح من السهل البحث عن قنوات بديلة لتعويض النقص في الكوادر. لكن هذا التعويض، مهما بدا منظمًا، لا يُنتج بالضرورة حياة سياسية بالمعنى الكامل، بل قد ينتج إداريين أكفاء أو مسؤولين منضبطين من دون أن يحل معضلة التمثيل والتعدد والشرعية التنافسية.
لماذا يهم هذا النقاش القارئ المصري؟
- لأنه يتعلق بمبدأ دستوري: من يحق له الترشح للرئاسة يجب أن تحدده النصوص الدستورية والقانونية، لا الانطباعات أو الأعراف المستحدثة.
- لأنه يمس جودة السياسة: أي دولة تحتاج إلى تنوع في مصادر النخبة، لا إلى مسار أحادي لإنتاج القيادات.
- لأنه يرتبط بالأحزاب والبرلمان: ضعف هذه المؤسسات يعني تلقائيًا ضعف البدائل السياسية المتاحة أمام الناخب.
- لأنه يحدد شكل المستقبل: الحديث عن السنوات المقبلة لا ينفصل عن سؤال من سيقود الدولة وكيف سيصل إلى موقعه.
بين النص الدستوري والواقع السياسي
عمليًا، لا توجد في مصر اليوم قاعدة قانونية تقول إن خريجي الأكاديمية العسكرية وحدهم مؤهلون للترشح إلى الرئاسة. لكن الجدل الذي أثارته تصريحات الجلاد يكشف عن فجوة بين النص والمناخ السياسي. فالدستور يفتح الباب نظريًا أمام كل من تنطبق عليه الشروط، بينما الواقع السياسي يطرح أسئلة أصعب: هل الأحزاب قادرة على تقديم مرشحين تنافسيين؟ هل المجال العام يسمح ببناء شعبية ممتدة؟ وهل توجد قنوات مؤسسية كافية لصعود قيادات مدنية جديدة؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها الدستور وحده، بل يجيب عنها الأداء اليومي للمؤسسات. ومن هنا تبدو دعوة الجلاد، في جوهرها، مطالبة بإعادة الاعتبار إلى السياسة نفسها: أحزابًا وبرلمانًا ورقابةً ومجالًا عامًا مفتوحًا بدرجة تسمح بتجديد النخبة، بدلًا من الاكتفاء بمسارات انتقائية مهما كانت كفاءتها التنظيمية.
خلاصة الرأي
القول إن الأكاديمية العسكرية يمكن أن تكون معيارًا للتأهيل لا شرطًا للترشح هو، في جوهره، دفاع عن فكرة الدولة الدستورية لا اعتراض على قيمة الانضباط أو التدريب. فالدولة الحديثة لا تستغني عن المؤسسات المهنية، لكنها أيضًا لا تُختزل فيها. وإذا كانت مصر تتطلع فعلًا إلى ترسيخ مبدأ تداول السلطة في السنوات المقبلة، فإن الطريق لا يمر فقط عبر إعداد كوادر للعمل العام، بل عبر إحياء السياسة ذاتها، وفتح المجال أمام التعدد والمنافسة وصعود وجوه جديدة من خارج المسارات المغلقة.
لهذا تبدو تصريحات مجدي الجلاد أقرب إلى جرس إنذار سياسي منها إلى خلاف عابر حول آلية اختيار. فالمسألة، في النهاية، ليست من أين يتخرج المرشح المحتمل، بل هل يملك المجتمع السياسي المصري القدرة على إنتاجه واختباره ومحاسبته أمام الناس.