مجلس الشيوخ يؤجل الحسم في ملف تمويل التنمية إلى جلسة الثلاثاء
رفع الجلسة العامة لمجلس الشيوخ بعد إحالة ملفي الاستثمار وتمويل التنمية
أنهى مجلس الشيوخ المصري أعمال جلسته العامة، اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، على أن يستأنف انعقاده غدًا الثلاثاء، بعد إحالة طلبي مناقشة عامة إلى لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار لدراستهما وإعداد تقرير بشأنهما. وترأس الجلسة المستشار عصام الدين فريد، رئيس مجلس الشيوخ، في وقت يواصل فيه المجلس مناقشة عدد من الملفات الاقتصادية المرتبطة بتمويل التنمية وتحسين كفاءة الاستثمار العام والخاص.
وجاء قرار رفع الجلسة عقب مناقشة طلبين يركزان على تطوير دور بنك الاستثمار القومي، والبحث عن آليات حديثة لتمويل البنية الأساسية والمشروعات التنموية، وذلك بحضور الدكتور أحمد توفيق رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية. وتكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة مع توجه الحكومة إلى توسيع مساهمة القطاع الخاص ورفع كفاءة استخدام الأصول العامة والموارد الاستثمارية.
ما الذي ناقشه المجلس قبل رفع الجلسة؟
بحسب ما ورد في تغطية الجلسة، فإن الطلب الأول تقدم به النائب أحمد عبد اللاه محمود أحمد، ويستهدف استيضاح سياسة الحكومة بشأن دور بنك الاستثمار القومي في تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وإعادة توجيه بعض الاستثمارات، إلى جانب دعم الشركات الناشئة. أما الطلب الثاني فقد تقدم به النائب عمرو إبراهيم أبو العيون، ويركز على سياسة الحكومة تجاه الأدوات والآليات الأحدث لتمويل مشروعات البنية الأساسية والتنمية.
وتشير المناقشات إلى أن المجلس لا يتعامل مع الملف من زاوية إجرائية فقط، بل من منظور أوسع يتعلق بقدرة أدوات التمويل الوطنية على مواكبة احتياجات الاقتصاد، خاصة في ظل السعي إلى توجيه الإنفاق والاستثمار نحو القطاعات الأعلى أولوية والأقدر على خلق فرص العمل والقيمة المضافة.
خمسة محاور أساسية في مناقشة تطوير بنك الاستثمار القومي
الملف الذي طُرح تحت القبة تضمن مجموعة من المحاور الرئيسية لتطوير أداء بنك الاستثمار القومي وتعزيز مساهمته في تمويل التنمية، من أبرزها:
- تحديث آليات العمل بما يتماشى مع أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
- توسيع الشراكة مع القطاع الخاص في تنفيذ وتمويل المشروعات.
- إعادة توجيه الاستثمارات إلى قطاعات إنتاجية ذات عائد اقتصادي وتنموي أعلى.
- دعم الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر أدوات تمويل أكثر مرونة.
- رفع كفاءة إدارة الموارد والاعتماد على معايير أوضح لتقييم الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.
هذا الطرح يتقاطع مع توجهات اقتصادية أعلنتها وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية خلال الأسابيع الأخيرة، إذ أكد الوزير أحمد رستم أن الاقتصاد المصري حقق نموًا بنسبة 5.1% في العام المالي 2025/2026، مع ارتفاع مساهمة القطاع الخاص إلى 57.7% من إجمالي الاستثمارات، وهي مؤشرات تستخدمها الحكومة للدفع باتجاه مزيد من الاعتماد على الاستثمار الخاص في المرحلة المقبلة.
لماذا يحمل هذا الملف أهمية تتجاوز الداخل المصري؟
رغم أن الجلسة برلمانية مصرية خالصة، فإن زاوية المتابعة في قسم أفريقيا تظل مهمة، لأن النقاش المتعلق بتمويل البنية الأساسية وتوسيع الشراكات الاستثمارية يرتبط مباشرة بموقع مصر في محيطها القاري. فالقارة الأفريقية تواجه فجوة تمويل كبيرة في مشروعات النقل والطاقة والمياه والربط اللوجستي، ومصر تسعى منذ سنوات إلى تعزيز حضورها في هذه الملفات عبر مشروعات إقليمية، ومبادرات تعاون تنموي، وعلاقات تمويلية أوسع مع مؤسسات وشركاء داخل القارة وخارجها.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير أدوات تمويل وطنية أكثر فاعلية، وإعادة توظيف الأصول غير المستغلة، وتوسيع قاعدة الشراكات مع القطاع الخاص، كلها ملفات لا تنعكس فقط على الاقتصاد المصري المحلي، بل قد تدعم أيضًا قدرة القاهرة على لعب دور أكبر في مشروعات التكامل الإقليمي الأفريقي، خصوصًا في مجالات البنية الأساسية والتجارة وسلاسل الإمداد.
حضور وزير التخطيط ورسائل الحكومة الاقتصادية
مشاركة الدكتور أحمد توفيق رستم في الجلسة جاءت متسقة مع حضوره المكثف أخيرًا في مناقشات الخطة الاقتصادية متوسطة المدى. فمنذ توليه وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في 11 فبراير 2026، ركز في تصريحاته الرسمية على متابعة التمويل اللازم للمشروعات، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وصياغة برنامج للتحول الاقتصادي حتى عام 2030.
كما أوضحت الوزارة، في عرض حديث لها خلال أكتوبر 2026، أن الخطة الحالية تستهدف زيادة نسبة الاستثمارات الخاصة ضمن إجمالي الاستثمارات، مع التركيز على قطاعات مثل الصناعة والزراعة والتصنيع الغذائي والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وأمن الطاقة. وهذه الخلفية تفسر سبب تركيز مجلس الشيوخ على ملف التمويل، باعتباره نقطة ارتكاز لأي توسع تنموي داخل مصر أو في انخراطها الاقتصادي الأوسع في أفريقيا.
إحالة الطلبين إلى اللجنة الاقتصادية.. ماذا بعد؟
إحالة طلبي المناقشة إلى اللجنة المختصة تعني انتقال الملف إلى مرحلة أكثر تفصيلًا، حيث تدرس اللجنة الجوانب الفنية والاقتصادية لكل محور، تمهيدًا لإعداد تقرير يعرض لاحقًا على الجلسة العامة. وعادة ما تكتسب هذه التقارير وزنًا مهمًا في بلورة توصيات برلمانية تتعلق بالأدوات التمويلية، والتشريعات الداعمة للاستثمار، وأولويات توجيه الموارد.
ومن المنتظر أن تشهد الجلسات التالية استكمال النقاش حول كيفية تعظيم الاستفادة من أصول الدولة غير المستغلة، وتطوير أدوات التمويل بعيدًا عن الصيغ التقليدية فقط، إلى جانب تحسين البيئة الداعمة لريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الاقتصاد على توليد نمو مستدام وشامل.
رئيس المجلس ودور الانعقاد الحالي
يتولى المستشار عصام الدين فريد رئاسة مجلس الشيوخ في الفصل التشريعي الثاني، وكان قد تولى المنصب في أكتوبر 2025 مع انطلاق هذا الفصل. كما افتتح المجلس في مطلع أكتوبر 2026 دور الانعقاد العادي الثاني من مقره الجديد في العاصمة الجديدة، وهو ما منح أعمال المجلس هذا العام بعدًا سياسيًا ومؤسسيًا إضافيًا، خاصة مع تزايد تركيزه على الملفات الاقتصادية والتنموية.
وفي هذا السياق، تبدو جلسة اليوم امتدادًا لمسار أوسع داخل المجلس، يقوم على مناقشة تحديات التمويل والاستثمار ليس بوصفها عناوين عامة، بل كملفات تحتاج إلى أدوات محددة، وشراكات أوسع، وآليات أكثر مرونة تتناسب مع مرحلة اقتصادية إقليمية وقارية شديدة التنافس.
خلاصة المشهد
برفع الجلسة العامة وإحالة طلبي المناقشة إلى اللجنة الاقتصادية، يكون مجلس الشيوخ قد وضع ملف تمويل التنمية وتطوير دور بنك الاستثمار القومي في مسار مؤسسي أكثر عمقًا. وبينما يترقب الرأي العام البرلماني ما ستخلص إليه اللجنة من توصيات، تبقى الرسالة الأهم أن ملف الاستثمار لم يعد منفصلًا عن أسئلة أكبر تخص كفاءة الدولة، ودور القطاع الخاص، ومستقبل المشروعات الإنتاجية، ومكانة مصر في بيئتها الأفريقية الأوسع.