Akhbar Cairo

مجلس النواب المصري يختتم دور الانعقاد الأول بحصيلة تشريعية لافتة

حصاد برلماني بنكهة داخلية وتأثيرات تتجاوز الحدود

اختتم مجلس النواب المصري دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث بعد دورة عمل مكثفة حملت أرقامًا لافتة، إذ بلغ عدد الجلسات العامة 30 جلسة، بينما أقر المجلس 162 قانونًا ووافق على 31 اتفاقية دولية. وتأتي هذه الحصيلة في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، ما يجعل قراءة الأداء البرلماني المصري مرتبطة ليس فقط بالملف الداخلي، بل أيضًا بقدرة القاهرة على مواءمة تشريعاتها وتحركاتها المؤسسية مع تحولات الاقتصاد العالمي والاضطرابات السياسية في محيطها الأوسع.

وبحسب البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للمجلس، فإن دور الانعقاد الأول بدأ مع الجلسة الافتتاحية في 12 يناير 2026، بعدما صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 17 لسنة 2026 بدعوة المجلس للانعقاد، قبل أن تتواصل الجلسات والأنشطة البرلمانية حتى يوليو 2026. كما يوضح الموقع الرسمي أن المجلس واصل عقد جلساته العامة خلال يوليو، ووصل ترقيمها إلى الجلسة الثلاثين في 22 يوليو 2026. وخلال هذا الفصل، انتُخب المستشار هشام عبد السلام بدوي رئيسًا للمجلس، بعد حصوله على 521 صوتًا من أصل 570 صوتًا صحيحًا في الجلسة الإجرائية الأولى.

30 جلسة عامة.. جدول مزدحم وتشريعات متسارعة

الأرقام الخاصة بعدد الجلسات تعكس بوضوح حجم الإيقاع الذي سار عليه المجلس في النصف الأول من 2026. فالانتقال من الجلسة الافتتاحية في يناير إلى الجلسة الثلاثين في يوليو يعني أن البرلمان تحرك بوتيرة منتظمة لمناقشة مشروعات قوانين واتفاقيات وملفات رقابية، في وقت كانت فيه الدولة تتعامل مع تحديات اقتصادية إقليمية، وتقلبات في أسواق الطاقة والتمويل، فضلًا عن ملفات سياسية تتعلق بالجوار العربي والمتوسطي.

ويظهر من الأخبار الرسمية الصادرة عن المجلس أن جانبًا من العمل التشريعي ركز على ملفات ذات صلة مباشرة بالاقتصاد والتنمية المستدامة وجذب الاستثمار. ففي 14 يوليو 2026، وافق المجلس نهائيًا على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وهو مشروع قُدم باعتباره جزءًا من مسار مؤسسي يهدف إلى تعزيز المرونة الإدارية والمالية وتحسين أدوات التنفيذ في مشروعات التنمية. كما شهدت جلسات 30 يونيو 2026 إقرار مشروعي قانونين يخصان الترخيص لوزير البترول والثروة المعدنية في التعاقد مع إيجاس وشيفرون إيجيبت هولدنجز للبحث عن الغاز والزيت الخام واستغلالهما في مناطق بالبحر المتوسط، وهو ما يربط الأداء التشريعي مباشرة بملف أمن الطاقة والاستثمار الأجنبي.

ماذا تعني حصيلة 162 قانونًا؟

إقرار 162 قانونًا في دور انعقاد واحد يضع المجلس أمام معيارين في آن واحد: الأول هو سرعة الإنجاز التشريعي، والثاني هو طبيعة هذه القوانين ومدى اتصالها بالتحولات الاقتصادية والإدارية والتنظيمية داخل الدولة. ورغم أن الرقم في حد ذاته يعكس زخمًا واضحًا، فإن أهميته السياسية تتجاوز الكم إلى الكيف، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقوانين تمس البنية المؤسسية للدولة، والاستثمار، والطاقة، والتنظيم الإداري، والتعاون الدولي.

ومن منظور أوسع يهم قارئ قسم العالم، فإن هذا النشاط لا ينفصل عن السياق الدولي الحالي؛ فالكثير من التشريعات الوطنية اليوم لم تعد شؤونًا محلية خالصة، بل ترتبط بالتزامات تمويلية وتنموية، وبقواعد استثمار عابرة للحدود، وبحاجة الدول إلى التكيف السريع مع بيئة اقتصادية عالمية متقلبة. لذلك تبدو الحصيلة البرلمانية المصرية جزءًا من مشهد أوسع تعيد فيه البرلمانات حول العالم تعريف علاقتها بالاقتصاد العالمي وبالملفات الجيوسياسية.

31 اتفاقية دولية.. البعد الخارجي حاضر تحت القبة

الموافقة على 31 اتفاقية دولية خلال دور الانعقاد الأول تكشف أن المجلس لم يتحرك فقط في نطاق التشريع الداخلي، بل لعب أيضًا دورًا أساسيًا في استكمال الأطر القانونية لعلاقات مصر الخارجية. ومن بين الاتفاقيات التي وافق عليها المجلس في يوليو 2026، قرارا رئيس الجمهورية رقما 217 و218 لسنة 2026 بشأن اكتتاب مصر في الزيادتين التاسعة عشرة والعشرين لرأس مال هيئة التنمية الدولية، إلى جانب قرار رقم 581 لسنة 2025 بشأن الموافقة على الملحق التفسيري لأحكام المادة 17 من اتفاق المقر بين جمهورية مصر العربية وجامعة الدول العربية.

كما وافق المجلس في يونيو 2026 على عدد من الاتفاقيات ذات الصلة بالتمويل والتنمية والاندماج الاقتصادي، من بينها اتفاقات مرتبطة بـالوكالة الفرنسية للتنمية، والانضمام إلى اتفاقية التجارة التفضيلية بين الدول الثمانية النامية، فضلًا عن اتفاقية قرض لتمويل الخطين الثاني والثالث من شبكة القطار الكهربائي السريع. هذه الموافقات تعكس بوضوح أن السياسة التشريعية المصرية باتت أكثر التصاقًا بملفات التعاون متعدد الأطراف، سواء في التمويل أو التجارة أو البنية الأساسية.

لماذا تهم هذه الاتفاقيات المتابع الدولي؟

لأنها تقدم صورة عملية عن الكيفية التي تُترجم بها الدول الكبرى إقليميًا، مثل مصر، علاقاتها الخارجية إلى أدوات قانونية نافذة. فالاتفاقيات الخاصة بالمؤسسات التنموية الدولية أو بتمويل مشروعات النقل والطاقة لا تعني الجانب الفني فقط، بل تكشف عن اتجاهات الشراكة الدولية، وأولويات التمويل، ومساحات النفوذ الاقتصادي المتبادل بين الدول والمؤسسات الدولية.

الدبلوماسية البرلمانية.. حضور يتجاوز الدور التشريعي التقليدي

إلى جانب الأرقام التشريعية، برزت خلال دور الانعقاد الأول ملامح واضحة لنشاط الدبلوماسية البرلمانية المصرية. فقد استضاف مجلس النواب في 4 و5 يوليو 2026 بالعاصمة الإدارية الجديدة أعمال القمة العاشرة لرؤساء برلمانات الاتحاد من أجل المتوسط والجلسة العامة التاسعة عشرة للجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط، برئاسة النائب محمد أبو العينين، وبمشاركة وفود ورؤساء برلمانات من دول المنطقة الأورومتوسطية.

هذا الحضور مهم لأنه يضع البرلمان المصري داخل دوائر نقاش تتعلق بالحرب والسلام، والطاقة، والهجرة، والتنمية، والأمن الإقليمي. كما أن المجلس خصص في مايو 2026 جلسة عامة بحضور المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، لبحث سبل تعزيز التعاون المصري الليبي، وهو ما يعكس استخدام المنصة البرلمانية كأداة دعم للمواقف المصرية في الملفات الإقليمية، وخصوصًا في ليبيا وشرق المتوسط.

رئاسة جديدة للمجلس وملامح مرحلة مختلفة

يكتسب هذا الحصاد أيضًا أهميته من كونه يأتي في بداية فصل تشريعي جديد يقوده المستشار هشام بدوي، الذي تولى رئاسة المجلس بعد انتخابه في يناير 2026. وتشير البيانات الرسمية إلى أن تشكيل هيئات مكاتب اللجان النوعية أُعلن مبكرًا خلال هذا الدور، بما سمح بتسريع وتيرة العمل البرلماني داخل اللجان والجلسات العامة. كما يلاحظ أن المجلس تحرك منذ الأسابيع الأولى للفصل التشريعي الثالث لتثبيت بنيته الإجرائية والتنظيمية، ثم انتقل سريعًا إلى ملفات التشريع والاتفاقيات والاتصال الخارجي.

بين الداخل والخارج.. كيف يُقرأ المشهد؟

يمكن النظر إلى حصيلة دور الانعقاد الأول بوصفها محاولة مصرية لتقديم برلمان نشط قادر على مواكبة متطلبات الداخل وضغوط البيئة الدولية في الوقت نفسه. فإقرار القوانين، وتمرير الاتفاقيات، واستضافة الفعاليات البرلمانية الدولية، كلها عناصر تمنح المجلس حضورًا يتجاوز مفهومه التقليدي كجهة تصويت على التشريعات.

  • 30 جلسة عامة تؤشر إلى نشاط مؤسسي متواصل.
  • 162 قانونًا تعكس كثافة تشريعية عالية خلال أقل من سبعة أشهر.
  • 31 اتفاقية دولية تؤكد اتساع البعد الخارجي في عمل المجلس.
  • استضافة قمم برلمانية إقليمية تبرز دور القاهرة في الدبلوماسية البرلمانية.

في المحصلة، فإن ختام دور الانعقاد الأول لا يبدو مجرد محطة إجرائية في رزنامة العمل النيابي، بل علامة على اتجاه أوسع تحاول فيه المؤسسات المصرية الجمع بين التشريع، والرقابة، وتثبيت الحضور الخارجي في لحظة عالمية متغيرة بسرعة. ولهذا، فإن قراءة حصاد المجلس بالأرقام تبقى مهمة، لكن الأهم هو ما تكشفه هذه الأرقام من إعادة تموضع لدور البرلمان داخل الدولة المصرية، وداخل المشهدين الإقليمي والدولي.