محادثات إيران وعُمان حول هرمز تتقدم دون رسوم عبور
تقدم دبلوماسي في ملف شديد الحساسية
تشير التصريحات الصادرة من طهران خلال الأيام الأخيرة إلى وجود تقدم في المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها تأثيرًا على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية. المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال، خلال مؤتمر صحفي يوم الاثنين، إن الاتصالات مع الجانب العُماني تسير في أجواء بناءة وإيجابية، موضحًا أن الهدف في هذه المرحلة هو بحث مسار ملاحي مؤقت إلى حين التوصل إلى تفاهم نهائي بشأن إدارة الحركة البحرية في المضيق.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام دولية استنادًا إلى تصريحات رسمية إيرانية، فإن النقاش الدائر حاليًا لا يشمل فرض رسوم على السفن العابرة، وهي نقطة تحظى بحساسية قانونية وسياسية كبيرة، خصوصًا في ظل الاعتماد العالمي الواسع على المضيق لنقل النفط والغاز. كما أن نفي البحث في الرسوم في الوقت الحالي يتقاطع مع مواقف عُمانية سابقة شددت على دعم المرور الآمن ومن دون رسوم عبور مباشرة.
ما الذي يجري بين طهران ومسقط؟
المعطيات المتاحة من المصادر الرسمية وشبه الرسمية توضح أن المفاوضات تتركز على إيجاد صيغة انتقالية لتنظيم الدخول والخروج من المضيق عبر ممرات آمنة، تراعي في الوقت نفسه اعتبارات السيادة والأمن القومي لدى الدولتين المشاطئتين للممر. وكالة أسوشيتد برس نقلت عن مسؤولين مطلعين أن التصور المتداول في المفاوضات يقوم على حل مؤقت لإعادة انتظام الملاحة، مع حديث سابق عن مسارات دخول وخروج منفصلة قرب السواحل الإيرانية والعُمانية. لكن الوكالة نفسها أوضحت أيضًا أن أي ممرات مؤقتة لا يُفترض، وفق ما نُقل عن مسؤول أمريكي، أن ترتبط بموافقات أو رسوم أو عراقيل إضافية.
من الجانب العُماني، كانت مسقط قد أعلنت في يونيو 2026 السماح بعبور السفن في المضيق دون فرض رسوم عبور، مع الإشارة إلى إمكانية تقديم خدمات مساندة للملاحة بشكل طوعي ووفق الأطر الدولية، وهو ما يعكس تمسك السلطنة بدورها التقليدي كوسيط إقليمي يفضل التهدئة وتثبيت حرية الملاحة. كما أفادت تقارير مصرية استندت إلى تصريحات وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي بأن فرض رسوم على العبور يتعارض مع القواعد الدولية، بينما يمكن بحث خدمات بحرية مساندة منفصلة عن فكرة الرسوم الإلزامية.
لماذا يهم مضيق هرمز القارئ المصري؟
بالنسبة للقارئ في مصر، لا تبدو قضية مضيق هرمز بعيدة جغرافيًا فقط، بل ترتبط مباشرة بأسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وحركة التجارة عبر المنطقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس. أي اضطراب طويل في هذا الممر البحري ينعكس سريعًا على أسواق النفط العالمية، وهو ما قد يضغط على تكاليف النقل والتأمين البحري وسلاسل الإمداد في المنطقة العربية بأكملها. لذلك فإن أي إشارة إلى انفراجة، حتى لو كانت مؤقتة، تظل ذات أهمية اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود إيران وعُمان.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية لأن المضيق ظل في قلب التوترات الإقليمية خلال 2026، مع تصاعد المواجهات والتهديدات المرتبطة بأمن الممرات المائية. وفي هذا السياق، فإن أي اتفاق مرحلي بين طهران ومسقط يمكن قراءته باعتباره محاولة لخفض المخاطر على الملاحة التجارية، لا سيما في ظل الضغوط الدولية المطالبة بإبقاء هذا الشريان البحري مفتوحًا وآمنًا.
ماذا قالت إيران تحديدًا؟
التصريحات الإيرانية الأخيرة جاءت لتؤكد نقطتين أساسيتين: الأولى أن التفاوض مع سلطنة عُمان ما زال قائمًا ولم يتعثر، والثانية أن ملف الرسوم ليس مطروحًا للنقاش في هذه المرحلة، رغم الجدل الذي أحاط به خلال الأشهر الماضية. وتُظهر تغطيات وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية IRNA أن ملف هرمز لا يزال حاضرًا بقوة في خطاب الخارجية الإيرانية، سواء من زاوية الأمن البحري أو من زاوية الترتيبات السياسية اللاحقة للحرب والتصعيد في المنطقة.
وكانت تقارير دولية قد أشارت في وقت سابق من أغسطس 2026 إلى أن صياغة اتفاق بين إيران وعُمان دخلت مراحل متقدمة، مع احتمال صدور بيان مشترك إذا لم تظهر عراقيل جديدة. كما نقلت هذه التقارير عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المفاوضات الخاصة بـ"المسارات البحرية الجديدة" وصلت إلى مرحلة متقدمة، مع تأكيد أن ذلك لا يعني بالضرورة عودة الأمور فورًا إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.
العقدة القانونية: رسوم عبور أم خدمات ملاحية؟
أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في هذا الملف هو التمييز بين رسوم عبور تفرض على السفن لمجرد المرور، وخدمات ملاحية أو بيئية أو أمنية قد تُقدَّم مقابل تكاليف محددة. هذا التفريق ليس شكليًا؛ بل يرتبط بالقانون الدولي للبحار وبطبيعة المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. وقد نقلت تقارير صحفية عن مسؤولين دوليين أن فرض رسوم مباشرة على المرور في مضيق من هذا النوع يفتقر إلى أساس قانوني واضح، وهو ما يفسر الحذر الظاهر في الصياغات الإيرانية والعُمانية الأخيرة.
ولهذا السبب تحديدًا، يبدو أن اللغة المستخدمة حاليًا تتجه إلى الحديث عن ترتيبات مؤقتة، وممرات آمنة، وخدمات مساندة محتملة، بدلًا من الذهاب إلى إعلان نظام رسوم جديد قد يثير اعتراضات دولية واسعة. ومن زاوية سياسية، يمنح هذا النهج كل طرف مساحة للمناورة: إيران تُظهر تمسكها باعتبارات السيادة والأمن، بينما تحافظ عُمان على صورتها كدولة داعمة لحرية الملاحة ومقتربة من القانون الدولي.
دور عُمان كوسيط إقليمي
لطالما لعبت سلطنة عُمان دورًا محوريًا في ملفات التهدئة الإقليمية، سواء في الاتصالات بين طهران وعواصم غربية، أو في القضايا المرتبطة بأمن الخليج. وفي ملف هرمز تحديدًا، تبدو مسقط في موقع الطرف الأكثر قدرة على الجمع بين ضرورات الاستقرار الإقليمي واحتياجات التجارة العالمية. هذا الدور يفسر لماذا تُدار المفاوضات معها تحديدًا، ولماذا تُمنح تصريحاتها أهمية كبيرة في قراءة مستقبل الملاحة في الممر البحري الحيوي.
ما الذي يمكن متابعته خلال الأيام المقبلة؟
- صدور بيان مشترك محتمل من إيران وسلطنة عُمان إذا اكتملت الصياغات النهائية.
- تحديد طبيعة المسار المؤقت للملاحة، وهل سيكون فنيًا بحتًا أم مصحوبًا بآلية تنسيق أوسع.
- موقف القوى الدولية من أي ترتيبات جديدة، خاصة إذا لامست مسألة السيادة أو الخدمات المرافقة للعبور.
- انعكاس التفاهم على أسعار النفط والشحن في المنطقة، وهي نقطة تهم الأسواق العربية ومنها السوق المصرية.
خلاصة المشهد
حتى الآن، يمكن القول إن الرسالة الأساسية الصادرة من طهران ومسقط هي أن باب التفاهم لم يُغلق، وأن الأولوية تنصب على استعادة قدر من الانسياب الآمن للملاحة عبر ترتيب مؤقت قابل للتطوير. وبينما لا تزال التفاصيل النهائية غير معلنة، فإن استبعاد فرض رسوم عبور في المرحلة الحالية يخفف من حدة أحد أكثر عناصر الخلاف حساسية، ويفتح المجال أمام مقاربة أكثر براغماتية قد تساعد على تهدئة واحدة من أخطر بؤر التوتر البحري في المنطقة العربية الأوسع.