محادثات مسقط بشأن هرمز: عُمان تقود الترتيب وقطر في الخلفية
مسقط تتحرك لتثبيت الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية
تتجه الأنظار في المنطقة إلى العاصمة العُمانية مسقط، حيث تدور مشاورات مرتبطة بترتيبات العبور في مضيق هرمز بعد أسابيع من التوترات الأمنية التي طالت سفنًا تجارية وناقلات في الممر البحري الأكثر حساسية لتجارة الطاقة العالمية. وفي قلب هذه التحركات تبرز سلطنة عُمان بوصفها الطرف الأكثر حضورًا في إدارة الملف ميدانيًا ودبلوماسيًا، بينما يدور جدل موازٍ حول حدود المشاركة القطرية: هل اقتصر دور الدوحة على دعم التهدئة السياسية، أم امتد إلى نقاشات أوسع بشأن الصيغة المستقبلية لإدارة المضيق؟
المؤكد من المصادر الرسمية المتاحة أن عُمان وإيران شددتا في 23 يونيو 2026 على الالتزام بضمان العبور الآمن عبر المضيق وفق الأطر الدولية، في وقت واصلت فيه الدوحة تأكيد دعمها لحرية الملاحة والدبلوماسية وخفض التصعيد. لكن ما لم يظهر بوضوح في البيانات الرسمية هو وجود تفويض قطري مباشر لإدارة الممر البحري نفسه؛ فالصياغات العلنية تميل إلى الحديث عن تنسيق سياسي وإقليمي، لا عن دور تنفيذي على الماء.
ما الذي جرى فعليًا في هرمز خلال الأسابيع الأخيرة؟
التحركات الحالية لا يمكن فصلها عن سلسلة أحداث متسارعة شهدها المضيق منذ أواخر الربيع. فالمنظمة البحرية الدولية أعلنت في 15 يونيو 2026 ترحيبها بالتفاهم الأمريكي الإيراني، وقالت إنها وثقت 46 هجومًا على الشحن الدولي في وحول مضيق هرمز منذ اندلاع الصراع في 28 فبراير 2026، مع سقوط 14 قتيلًا من البحارة. وبعد ذلك، أعلنت المنظمة في 23 يونيو بدء خطة لإجلاء أكثر من 11 ألف بحّار عالقين في المنطقة بالتعاون مع إيران وعُمان ودول ساحلية أخرى وقطاع الملاحة.
وفي اليوم نفسه، صدر إخطار ملاحي مرتبط بعُمان يحدد ممرًا بحريًا مؤقتًا لعبور السفن في المضيق. هذا التطور كان مهمًا لأنه نقل النقاش من الدعوات السياسية العامة إلى ترتيبات عملية مرتبطة بخط سير محدد لعبور السفن. إلا أن المنظمة البحرية الدولية عادت في 25 يونيو لتعليق تنفيذ خطة الإجلاء مؤقتًا بعد هجوم على سفينة في خليج عُمان، ما أظهر أن الوضع الأمني ظل هشًا رغم المسار التفاوضي.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه التفاصيل لا تقتصر على أمن الخليج فقط؛ فكل اضطراب في هرمز ينعكس سريعًا على أسواق النفط، وكلفة الشحن والتأمين، ومن ثم على التجارة العالمية التي ترتبط بدورها بحركة قناة السويس وأسعار الطاقة والسلع في المنطقة بأكملها.
عُمان في الواجهة: إدارة ميدانية وخطاب دبلوماسي حذر
من خلال البيانات الرسمية والتغطيات المتاحة، تبدو سلطنة عُمان الطرف الأكثر ثباتًا في هذا الملف. فقد أكدت مسقط أكثر من مرة تمسكها بحرية الملاحة وسلامة المرور في مياهها الإقليمية المحاذية للمضيق، كما شددت في 25 يونيو على أن الترتيبات المستقبلية الخاصة بمضيق هرمز لا تتضمن فرض أي رسوم عبور. هذه النقطة شديدة الأهمية، لأنها ترد عمليًا على مخاوف سوق الشحن والطاقة من أن يتحول المسار المؤقت إلى أداة ضغط اقتصادي أو سياسي.
الدور العُماني هنا يجمع بين مستويين: الأول تقني ملاحي مرتبط بتنظيم المرور الآمن، والثاني سياسي يقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الأطراف المتخاصمة. وهذا يفسر لماذا تُعقد المشاورات في مسقط تحديدًا، فالعاصمة العُمانية باتت منذ سنوات ساحة معروفة للوساطات الهادئة في ملفات إقليمية معقدة.
أين تقف قطر؟ روايتان حول طبيعة مشاركتها
الحديث عن الدور القطري يحتاج إلى تفكيك هادئ بعيدًا عن المبالغة. الرواية الأولى، وهي الأقرب إلى ما تدعمه البيانات الرسمية القطرية والخليجية، تقول إن الدوحة لعبت دورًا سياسيًا في دعم مسار التهدئة الأوسع. ففي اجتماع خليجي أمريكي في المنامة يوم 25 يونيو، أشير إلى أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران حظيت بدعم من جهود وساطة باكستانية وقطرية، بالتوازي مع الحديث عن استعادة أمن الملاحة في المضيق.
أما الرواية الثانية، فتستند إلى تصريحات قطرية لاحقة تحدثت عن أن النقاشات المستقبلية بشأن آلية إدارة المضيق ستجري ضمن إطار إقليمي يضم إيران وسلطنة عُمان ودول المنطقة، مع تنسيق بين قطر ودول مجلس التعاون. هذا يعني أن الدوحة ليست بعيدة عن الملف، لكنها أيضًا لا تظهر في الوثائق المتاحة باعتبارها الجهة التي تدير الممر المؤقت أو تتولى ترتيبات العبور عمليًا.
ويزداد هذا التباين وضوحًا إذا ما قورن بالموقف القطري بعد استهداف الناقلة القطرية الركيات قرب مضيق هرمز؛ إذ استدعت وزارة الخارجية القطرية في 7 يوليو 2026 نائب السفير الإيراني في الدوحة وسلمته مذكرة احتجاج، معتبرة أن استهداف الناقلة انتهاك خطير لسلامة الملاحة الدولية وأمن إمدادات الطاقة. هذا التحرك يعكس انخراطًا قطريًا مباشرًا بوصفه طرفًا متضررًا من التهديدات، لكنه لا يثبت بمفرده وجود دور قطري تنفيذي في إدارة المسار البحري.
لماذا يظل مضيق هرمز ملفًا عربيًا بامتياز؟
رغم أن المضيق يفصل جغرافيًا بين إيران من جهة وسلطنة عُمان والإمارات من جهة أخرى، فإن تداعياته عربية واسعة. دول الخليج تعتمد عليه في صادرات النفط والغاز، وأي اضطراب فيه يرفع منسوب القلق في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. لهذا لم يكن مستغربًا أن تتناول الاتصالات العُمانية المصرية في 27 يونيو مسألة أمن المسارات البحرية وضمان تدفق التجارة والطاقة عبر هرمز وغيره من الممرات الدولية.
ومن زاوية مصرية، فإن استقرار هذه الممرات يظل جزءًا من معادلة أوسع تخص أمن المنطقة الاقتصادية وسلاسة التجارة العابرة، خصوصًا أن أي اختناقات بحرية متزامنة في الخليج أو البحر الأحمر تدفع الاقتصاد الإقليمي إلى ضغوط إضافية في النقل والتأمين والتسعير.
ما الذي يمكن توقعه من محادثات مسقط؟
السيناريو الأقرب، استنادًا إلى المعطيات الرسمية المعلنة، هو أن تستمر مسقط في محاولة تثبيت صيغة انتقالية تقوم على ممر بحري مؤقت وضمانات أمنية محددة، على أن تتطور لاحقًا إلى تفاهمات أوسع بشأن إدارة العبور والتنسيق الإقليمي. ولا توجد، حتى الآن، معطيات موثقة تسمح بالجزم بأن قطر شريك إداري مباشر في هذه الترتيبات، لكن المؤشرات المتاحة تؤكد أنها حاضرة سياسيًا ضمن مسار التهدئة الخليجي والإقليمي.
الأرجح أيضًا أن تبقى عُمان اللاعب المحوري في هذا الملف خلال المرحلة الحالية، بحكم موقعها الجغرافي ومسؤوليتها الملاحية واتصالاتها المفتوحة مع مختلف الأطراف. أما قطر، فسيظل وزنها مرتبطًا بقدرتها على دعم التفاهمات السياسية الأوسع، لا بإدارة المضيق ميدانيًا.
خلاصة المشهد
- عُمان تقود المسار العملي المرتبط بترتيبات العبور في مضيق هرمز.
- إيران طرف أساسي في أي تفاهم بحكم سيطرتها على جانب من الممرات القائمة تاريخيًا.
- قطر حاضرة في سياق الوساطة والتنسيق الإقليمي، لكن دورها التنفيذي في إدارة الممر لم يتأكد رسميًا.
- المنظمة البحرية الدولية دخلت بقوة على خط الأزمة عبر خطة إجلاء البحارة والإشراف على ترتيبات السلامة.
- الملف لا يخص الخليج وحده، بل يمتد أثره إلى التجارة والطاقة والأمن البحري في العالم العربي كله.
وبين الروايات المتداخلة، يبقى الثابت الوحيد حتى الآن أن سلامة الملاحة في مضيق هرمز لم تعد مجرد مسألة فنية، بل تحولت إلى اختبار سياسي وإقليمي مفتوح، ستكون نتائجه مؤثرة على الخليج والعالم العربي في آن واحد.