محسن رضائي: مستقبل المنطقة تصوغه دولها لا واشنطن
محسن رضائي يطرح رؤية إيرانية لمعادلات ما بعد التصعيد
قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي (@_rezaee_ir على إنستغرام)، إن الولايات المتحدة «لن يكون لها مكان في مستقبل المنطقة»، مضيفًا أن دول الإقليم هي التي ستتولى رسم مصيرها السياسي والأمني بنفسها. وجاء هذا الموقف خلال لقائه في طهران برئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان، بحسب ما أوردته تقارير إخبارية متقاطعة نُشرت يوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026.
التصريح يعكس بوضوح اللغة السياسية التي تتبناها طهران في الأسابيع الأخيرة، والتي تقوم على التشكيك في جدوى استمرار النفوذ الأمريكي في غرب آسيا، والدفع باتجاه ترتيبات إقليمية تقول إيران إنها يجب أن تُبنى بأيدي دول المنطقة لا من خارجها. كما يكتسب الحديث أهمية إضافية لأنه صدر عن المسؤول الأمني الأعلى في إيران بعد تعيين رضائي في هذا المنصب خلال أغسطس 2026، خلفًا لمحمد باقر ذو القدر، في تغيير اعتبره مراقبون مؤشرًا على تشدد أكبر في إدارة الملفات الأمنية والإقليمية.
ماذا قال رضائي؟
جوهر الرسالة الإيرانية في هذا اللقاء كان مباشرًا: المنطقة، وفق رؤية طهران، مقبلة على مرحلة تُعاد فيها صياغة موازين النفوذ، ولن تكون واشنطن لاعبًا مقررًا فيها كما كان الحال في العقود الماضية. وأشارت التغطيات التي نقلت تفاصيل اللقاء إلى أن رضائي شدد على أن دول المنطقة هي الأقدر على تقرير مستقبلها، في خطاب ينسجم مع تصريحات أخرى أطلقها خلال الأيام الماضية بشأن الوجود الأمريكي في الخليج، والحرب الاقتصادية، وأمن الطاقة والممرات البحرية.
ورغم أن صياغة التصريح سياسية الطابع، فإن توقيته يحمل دلالات واضحة. فالمنطقة لا تزال تعيش على وقع توترات ممتدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وسط ملفات مفتوحة تشمل أمن الخليج، ومضيق هرمز، والضغوط الاقتصادية، وشبكات النفوذ الإقليمي في العراق ولبنان وسوريا.
اللقاء مع فائق زيدان.. بعد عراقي لرسالة إيرانية
اللافت أن التصريح صدر خلال استقبال رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان في طهران. وبحسب تغطيات عراقية، تناول اللقاء كذلك أهمية تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهي ملفات تمثل أرضية مشتركة معلنة بين بغداد وطهران. هذا السياق مهم بالنسبة للقارئ المصري والعربي، لأن العراق يظل إحدى الساحات الرئيسية التي يتقاطع فيها النفوذ الإيراني مع المصالح الأمريكية منذ 2003، وبالتالي فإن أي رسالة تصدر من طهران خلال لقاء مع مسؤول عراقي كبير لا تُقرأ باعتبارها بروتوكولًا دبلوماسيًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من خطاب أوسع حول شكل الإقليم المقبل.
ومن منظور إقليمي، يبدو أن طهران تريد تثبيت معادلة تقول إن أمن دول الجوار يجب أن يُدار عبر تفاهمات محلية وإقليمية، لا عبر ترتيبات تفرضها القوى الكبرى. لكن هذه الرؤية لا تزال تصطدم بحقائق سياسية معقدة، من بينها استمرار الحضور العسكري الأمريكي في أكثر من نقطة، واستمرار تحالفات أمنية قائمة بين واشنطن وعدد من دول المنطقة.
لماذا تحظى تصريحات رضائي باهتمام خاص؟
لا يعود الاهتمام بتصريحات رضائي إلى منصبه الحالي فقط، بل أيضًا إلى خلفيته الطويلة داخل المؤسسة الإيرانية. فهو أحد أبرز الوجوه العسكرية والسياسية في الجمهورية الإسلامية، وسبق أن ارتبط اسمه بالحرس الثوري الإيراني ومجمع تشخيص مصلحة النظام، قبل انتقاله إلى موقعه الأمني الأحدث. وتؤكد تقارير حديثة أن تعيينه أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي تم في 10 أغسطس 2026، في لحظة وصفت بأنها حساسة بالنسبة لصنع القرار الإيراني.
هذا الثقل المؤسسي يجعل أي حديث يصدر عنه بشأن الولايات المتحدة أو مستقبل المنطقة قابلًا للقراءة على مستويين: الأول داخلي، يتعلق بتماسك الخطاب الإيراني بعد شهور من المواجهة والضغوط؛ والثاني خارجي، يرتبط بمحاولة طهران إرسال إشارات ردع ورسائل سياسية إلى خصومها وحلفائها على السواء.
امتداد لمواقف أكثر حدة في الأيام الأخيرة
تصريحات رضائي بشأن مستقبل المنطقة لم تأتِ بمعزل عن سلسلة مواقف أكثر تشددًا صدرت عنه مؤخرًا. ففي مقابلات وتصريحات نُشرت بين 22 و24 أغسطس 2026، تحدث عن أن إيران «لن تكون كما كانت قبل الحرب»، وحذر من أن مشاركة أي دولة في ما وصفه بالحرب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران ستُعامل كعمل حربي. كما لوّح بتداعيات على تصدير النفط ومساراته إذا استمرت الضغوط.
هذه اللغة تكشف أن حديثه عن غياب الدور الأمريكي من مستقبل المنطقة ليس مجرد موقف نظري، بل جزء من سردية أشمل تقدمها طهران، ومفادها أن مرحلة الهيمنة الأمريكية آخذة في التراجع، وأن إيران ترى نفسها لاعبًا مؤثرًا في هندسة الترتيبات التالية.
كيف يمكن فهم الرسالة في السياق الإقليمي؟
بالنسبة للمتابع في مصر، فإن أهمية هذا التطور لا تنبع فقط من كونه تصريحًا إيرانيًا جديدًا ضد واشنطن، بل من كونه يأتي وسط جدل أوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط. فاستقرار المنطقة ينعكس مباشرة على ملفات الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وأمن البحر الأحمر، وأسعار الشحن، وكلها قضايا تهم القاهرة والأسواق العربية بصورة مباشرة.
كما أن الربط بين مستقبل المنطقة وخروج النفوذ الأمريكي أو تراجعه يفتح الباب أمام أسئلة أكبر: من يملأ الفراغ؟ وهل تتجه المنطقة إلى نظام أمني تشاركي بين القوى الإقليمية، أم إلى تنافس أكثر حدة بين المحاور؟ هنا لا تقدم تصريحات رضائي إجابات تفصيلية، لكنها تؤكد أن طهران تريد موقعًا متقدمًا في أي معادلة جديدة، لا أن تكون مجرد طرف يتلقى نتائجها.
بين الخطاب السياسي والواقع الميداني
على الأرض، لا يزال من المبكر الجزم بأن الولايات المتحدة تتجه فعلًا إلى الخروج من معادلات المنطقة. فواشنطن ما زالت تحتفظ بأدوات عسكرية وسياسية واقتصادية واسعة، كما أن ملفات مثل أمن الملاحة والطاقة والتحالفات الدفاعية تجعل حضورها قائمًا، حتى لو تعرض لاهتزازات أو مراجعات. لكن يمكن القول إن خطاب رضائي يعكس ثقة إيرانية أكبر في طرح فكرة «ما بعد الشرق الأوسط الأمريكي»، وهي فكرة أصبحت حاضرة أيضًا في تحليلات سياسية نُشرت خلال الأيام الماضية حول تراجع قدرة واشنطن على احتكار قواعد الأمن الإقليمي.
خلاصة المشهد
في المحصلة، تحمل تصريحات محسن رضائي رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى الداخل الإيراني لتأكيد أن طهران ترى نفسها في موقع قوة سياسي بعد التحولات الأخيرة، والثانية موجهة إلى الإقليم ومفادها أن إيران تريد نظامًا إقليميًا جديدًا لا تكون الولايات المتحدة مركزه. وبين الرسالتين، يبقى الواقع مرهونًا بتوازنات أعقد من التصريحات وحدها، خاصة مع استمرار التوتر في الخليج والعراق وتعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين.
لكن الثابت حتى الآن أن طهران رفعت سقف خطابها بوضوح في أغسطس 2026، وأن اسم محسن رضائي بات في صدارة هذا الخطاب بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تتحدث عن مستقبل المنطقة من منظور إيراني صريح ومباشر.