محمد بن سلمان وعلي الزيدي: تقارب سعودي عراقي بأولوية الأمن
مباحثات سعودية عراقية في توقيت إقليمي حساس
تعكس الاتصالات والمباحثات الأخيرة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي اتجاهاً واضحاً نحو رفع مستوى التنسيق بين الرياض وبغداد، في وقت تشهد فيه المنطقة ضغوطاً أمنية متزايدة وتحولات سياسية سريعة. ووفق المعطيات المتاحة من المصادر الرسمية السعودية والعراقية، فإن محور النقاش يدور حول تطوير العلاقات الثنائية، إلى جانب تكثيف التنسيق الأمني بما يخدم استقرار البلدين ويحد من تداعيات التوترات الإقليمية.
وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه التطورات ذات أهمية خاصة؛ لأن أي تقارب بين دولتين محوريتين مثل السعودية والعراق لا يظل محصوراً داخل حدودهما، بل يمتد أثره إلى معادلات الأمن العربي الأوسع، من أمن الطاقة إلى استقرار الممرات التجارية وحركة الاستثمارات والتوازنات السياسية في المشرق والخليج.
من هو الطرف العراقي في المباحثات؟
الجانب العراقي يمثله رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، الذي تسلم مهامه رسمياً رئيساً للحكومة وقائداً عاماً للقوات المسلحة في بغداد قبل أشهر، بحسب وكالة الأنباء العراقية (واع). ومنذ توليه المنصب، برزت في خطاب حكومته ملفات مثل حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم أولويات الشراكة الخارجية، وتوسيع قنوات التعاون الأمني والاقتصادي مع الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية.
هذا التفصيل مهم، لأن بعض الصياغات المتداولة في مواقع ومنصات عدة تذكر اسم رئيس الوزراء العراقي بصورة غير دقيقة أو غير كاملة. والاسم الذي أمكن التحقق منه من المصادر الرسمية العراقية هو علي فالح الزيدي، وهو ما يمنح الخبر أساسه التوثيقي اللازم.
ماذا نعرف عن مضمون التقارب السعودي العراقي؟
على مستوى الإطار العام، ليست هذه المباحثات معزولة عن سياق أوسع. فوكالة الأنباء السعودية سبق أن نشرت في 11 مارس 2026 خبراً عن اتصال هاتفي بين الأمير محمد بن سلمان وآنذاك رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تناول التصعيد العسكري في المنطقة وانعكاساته على الأمن والاستقرار. كما أكدت لقاءات سعودية عراقية لاحقة في يوليو 2026 أهمية دعم أمن العراق واستقراره ومواصلة التنسيق والتعاون بين البلدين.
وبمعنى آخر، فإن الحديث عن تطوير العلاقات وخطوط الدفاع لا يقتصر على البعد العسكري المباشر، بل يشمل بناء آلية سياسية وأمنية تسمح للجانبين بالتعامل مع التهديدات المشتركة، سواء تعلقت بأمن الحدود، أو المعلومات الاستخباراتية، أو تداعيات الهجمات بالطائرات المسيّرة، أو منع انزلاق الإقليم إلى موجات تصعيد أوسع.
الأمن أولاً.. لماذا يتصدر الملف المشهد؟
الملف الأمني حاضر بقوة في العلاقات بين الرياض وبغداد خلال 2026. فقد شددت الحكومة السعودية في أكثر من مناسبة على رفض التهديدات التي تستهدف أمن المملكة ودول الخليج من الأراضي العراقية، فيما تحدثت تقارير رسمية وإعلامية موثوقة عن زيارات متبادلة ولقاءات ركزت على تبادل المعلومات والتعاون الأمني واحتواء المخاطر العابرة للحدود.
وفي أغسطس 2026، نقل رئيس الاستخبارات العامة السعودي خالد بن علي الحميدان رسالة من قيادة المملكة إلى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تضمنت تجديد الدعوة لزيارة الرياض، إلى جانب بحث سبل تعزيز التنسيق المشترك بشأن التطورات الأمنية في المنطقة. هذه الخطوة أوضحت أن القناة الأمنية ليست هامشية، بل أصبحت من ركائز إدارة العلاقة بين البلدين.
ومن منظور عربي أوسع، فإن أي تفاهم سعودي عراقي في هذا الملف يكتسب وزناً خاصاً لأن العراق يمثل ساحة تماس بين توازنات إقليمية متعددة، بينما تمثل السعودية لاعباً مركزياً في معادلة أمن الخليج. لذلك فإن تقوية خطوط الاتصال بينهما يمكن أن تقلل فرص سوء التقدير، وتفتح المجال أمام إدارة أكثر انضباطاً للأزمات.
ما الذي يعنيه ذلك عربياً ومصرياً؟
في القاهرة، يُنظر عادة إلى استقرار المشرق العربي والخليج بوصفه جزءاً من البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر. وكلما تقدمت العلاقات بين الدول العربية الكبرى على قاعدة المصالح المشتركة، انعكس ذلك على فرص التهدئة وتسوية النزاعات وتخفيف الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية.
وبالنسبة لمصر تحديداً، فإن أي تراجع في مستوى التوتر بين القوى العربية الأساسية يساعد على حماية مسارات التجارة والطاقة والاستثمار، وهي ملفات تهم المواطن المصري بشكل مباشر حتى لو دار الحدث في الرياض أو بغداد.
العلاقات ليست أمنية فقط.. الاقتصاد حاضر بقوة
ورغم أن البعد الأمني يتصدر العناوين، فإن العلاقات السعودية العراقية تقوم أيضاً على قاعدة اقتصادية وتنموية متنامية. فـمجلس التنسيق السعودي العراقي، الذي تأسس لتعميق التعاون بين الجانبين، ما زال يمثل المظلة المؤسسية الأبرز لدفع الشراكة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتنمية.
البيانات الرسمية السعودية عن المجلس تؤكد أن أهدافه تشمل فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني والاستثماري والثقافي، بينما أظهر البيان الختامي للدورة الخامسة للمجلس، المنعقدة في جدة في 25 مايو 2023، تقدماً في ملفات مالية ومصرفية من شأنها تسهيل التجارة البينية وتعزيز الاستثمارات.
كما تشير بيانات منصة DataSaudi إلى أن صادرات السعودية إلى العراق خلال 2025 بلغت نحو 6.2 مليار ريال سعودي، وهو رقم يعطي مؤشراً عملياً إلى حجم المصالح الاقتصادية المتنامية بين البلدين. وهذا يعني أن أي تقارب سياسي وأمني لا ينطلق من فراغ، بل يستند أيضاً إلى مصالح تجارية واستثمارية قابلة للتوسع.
من الرياض إلى بغداد.. محاولة لبناء علاقة أكثر استقراراً
المشهد الحالي يوحي بأن الرياض وبغداد تحاولان الانتقال من إدارة الملفات الطارئة إلى صياغة علاقة أكثر انتظاماً. فالعراق يريد توسيع خياراته العربية وتثبيت صورته كشريك قادر على ضبط التهديدات داخل حدوده، بينما تسعى السعودية إلى ضمان بيئة إقليمية أقل هشاشة وأكثر قابلية للتنسيق، خصوصاً في ظل التحديات التي شهدها الإقليم هذا العام.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن رؤية أوسع داخل العراق نفسه، حيث تحدث علي الزيدي في تصريحات نُقلت عنه عبر وكالة الأنباء العراقية عن إحراز تقدم في ملف حصر السلاح وأولوية بناء دولة قوية بمؤسساتها. وإذا تُرجمت هذه التوجهات إلى خطوات عملية، فستكون لها انعكاسات مباشرة على نوعية العلاقة مع السعودية وبقية الدول العربية.
هل تمهد المباحثات لزيارة أو تفاهمات جديدة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الباب مفتوح أمام مزيد من اللقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين، خصوصاً بعد تجديد الدعوة السعودية لرئيس الوزراء العراقي لزيارة الرياض. مثل هذه الزيارة، إن تمت، قد تمنح دفعة سياسية كبيرة لمسار العلاقات، وقد تنتج عنها تفاهمات أو لجان متابعة في ملفات الأمن والاقتصاد وربما الربط اللوجستي والتجاري.
وبالطبع، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على تحويل لغة البيانات إلى آليات تنفيذ: تنسيق استخباراتي أكثر فاعلية، ضبط التهديدات الحدودية، تسهيل حركة التجارة، وحماية المصالح المشتركة من تقلبات الإقليم.
خلاصة المشهد
خلاصة ما تكشفه المباحثات الأخيرة أن العلاقات السعودية العراقية دخلت مرحلة أكثر حساسية وواقعية: أمنياً، هناك إدراك مشترك لخطورة التهديدات العابرة للحدود؛ وسياسياً، توجد رغبة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة على أعلى مستوى؛ واقتصادياً، هناك أرضية مؤسسية وأرقام تجارة تجعل التقارب خياراً عملياً لا مجرد عنوان دبلوماسي.
بالنسبة لقراء قسم العالم العربي، فإن الخبر لا يتوقف عند كونه اتصالاً أو اجتماعاً بين مسؤولين، بل يعكس اختباراً مهماً لقدرة النظام العربي على ترميم شبكات التعاون بين عواصمه الأساسية. وإذا استمر هذا الزخم، فقد تصبح العلاقة بين الرياض وبغداد واحدة من أهم مسارات إعادة التوازن في المنطقة خلال الفترة المقبلة.