Akhbar Cairo

محمد حجازي: شراكة مصر والصين تدعم التنسيق إزاء أزمات الإقليم

محمد حجازي: التاريخ المشترك بين القاهرة وبكين يفتح باب التشاور

أكد السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن العلاقات التاريخية بين مصر والصين تمنح البلدين قدرة خاصة على التشاور حول آليات التعامل مع الاضطرابات الإقليمية والدولية الجارية، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة لم تعد تقتصر على الاتصالات الدبلوماسية التقليدية، بل تقوم على قاعدة أوسع من التفاهم السياسي والمصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي.

وجاءت تصريحات حجازي خلال مداخلة هاتفية في برنامج «مساء جديد» المذاع عبر قناة المحور، حيث شدد على أن نموذج الشراكة بين القاهرة وبكين يرتبط بفكرة المنفعة المتبادلة وتحقيق كل طرف لأهدافه، وهي صيغة يراها كثير من المتابعين انعكاسًا لطبيعة العلاقة التي تطورت بقوة خلال العقد الأخير.

لماذا تكتسب تصريحات حجازي أهمية الآن؟

حديث حجازي يأتي في توقيت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية على أكثر من جبهة، من الحرب في غزة وتداعياتها على الأمن الإقليمي، إلى اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، مرورًا بحالة الاستقطاب الدولي بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، تبدو الإشارة إلى التشاور المصري الصيني ذات دلالة سياسية، لأن القاهرة تتحرك دبلوماسيًا باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط، بينما تملك بكين وزنًا متصاعدًا في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

كما أن الرؤية التي طرحها حجازي تنسجم مع ما أعلنته الرئاسة المصرية في 29 مايو 2024 في البيان المشترك بين مصر والصين، والذي أكد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينغ تبادلا الآراء بشأن قضايا إقليمية ودولية محل اهتمام مشترك، إلى جانب الاتفاق على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

جذور العلاقة المصرية الصينية

العلاقات بين القاهرة وبكين تستند إلى تاريخ طويل؛ إذ تؤكد الهيئة العامة للاستعلامات أن مصر كانت أول دولة عربية تعترف بجمهورية الصين الشعبية عام 1956، وهو ما وضع أساسًا مبكرًا لعلاقة سياسية استمرت في التوسع عبر العقود. هذا البعد التاريخي هو ما استند إليه حجازي عندما تحدث عن أهلية البلدين للتشاور في ملفات الاضطراب الإقليمي والدولي.

ولا ينفصل هذا الإرث السياسي عن صورة أوسع ترى في مصر والصين دولتين صاحبتَي حضارة وثقل إقليمي، وهو توصيف تكرر في بيانات رسمية مصرية حديثة تناولت تطور العلاقات الثنائية، خصوصًا مع اتساع دوائر التنسيق السياسي والاقتصادي والإعلامي بين الجانبين.

من الشراكة السياسية إلى المصالح الاقتصادية

الشق الاقتصادي الذي ركز عليه السفير محمد حجازي يجد ما يدعمه في الأرقام الرسمية. فبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين في عام 2023 نحو 15.7 مليار دولار، فيما سجلت الصادرات المصرية إلى الصين 881 مليون دولار. كما أشارت البيانات الرسمية إلى وجود استثمارات بقيمة 8 مليارات دولار عبر أكثر من 2600 شركة ذات مساهمة صينية في مصر.

وفي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تبرز منطقة تيدا المصرية الصينية كواحدة من أهم النماذج العملية لهذا التعاون. ووفق البيانات الرسمية، تضم المنطقة أكثر من 140 شركة في قطاعات صناعية ولوجستية وخدمية، باستثمارات تتجاوز 3.3 مليار دولار وتوفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل. هذه المؤشرات تفسر لماذا يربط حجازي بين الشراكة السياسية والتعاون الاقتصادي بوصفهما مسارين متكاملين، لا منفصلين.

مشروعات حاضرة في خطاب الشراكة

البيان المصري الصيني المشترك الصادر خلال زيارة الرئيس السيسي إلى بكين في الفترة من 28 إلى 31 مايو 2024 استعرض قائمة مشروعات اعتبرها ثمرة مباشرة للشراكة الاستراتيجية، من بينها المشاركة الصينية في حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي للعاشر من رمضان، والاستثمارات داخل منطقة تيدا، إضافة إلى إطلاق القمر الصناعي المصري مصر سات-2. كما أشار البيان إلى تمديد اتفاقية مبادلة العملات المحلية ونجاح مصر في إصدار سندات الباندا في الصين.

هذه التفاصيل تمنح مضمون تصريحات حجازي بعدًا عمليًا؛ فحين يتحدث عن تفاهم مشترك ومصالح متبادلة، فإن ذلك لا يظهر فقط في اللغة الدبلوماسية، بل في مشروعات بعينها تمس البنية التحتية والصناعة والنقل والتمويل والتكنولوجيا.

عام الشراكة المصرية الصينية وخارطة الطريق المقبلة

من أبرز المحطات الحديثة في مسار العلاقات الثنائية إعلان عام 2024 «عام الشراكة المصرية الصينية» بمناسبة مرور عشر سنوات على تدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة منذ عام 2014. كما نص البيان المشترك على برنامج تنفيذي للأعوام 2024-2028 باعتباره خارطة طريق لتوسيع التعاون في ملفات تشمل توطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، والسيارات الكهربائية، والأجهزة الإلكترونية، والألواح الشمسية، فضلًا عن مجالات الذكاء الاصطناعي والإعلام والثقافة والسياحة.

ومن الناحية السياسية، فإن هذا المسار يوضح أن العلاقة بين البلدين لا تُدار برد الفعل فقط، بل وفق إطار مؤسسي ممتد لسنوات، وهو ما يجعل فكرة التشاور بشأن أزمات الإقليم أكثر قابلية للتطبيق والاستمرار.

دلالات المشهد بالنسبة لمصر

بالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية تصريحات حجازي لا تكمن في توصيف العلاقات المصرية الصينية فحسب، بل في ما تعكسه من توجه أوسع في السياسة الخارجية المصرية يقوم على تنويع الشراكات الدولية مع الحفاظ على ثوابت الأمن القومي. فالقاهرة تتعامل مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وتحتاج إلى قنوات اتصال فاعلة مع القوى الدولية المؤثرة، بما يتيح دعم مواقفها في ملفات الاستقرار والتنمية وإعادة التوازن للنظام الدولي.

ومن هذه الزاوية، تبدو الصين شريكًا مهمًا لمصر، ليس فقط باعتبارها قوة اقتصادية كبرى، بل أيضًا لأنها شريك حاضر في مشروعات تنموية ملموسة داخل البلاد. كما أن توسع التشاور بين البلدين في القضايا الدولية يتسق مع ما تضمنه البيان المشترك من تأكيد على التنسيق داخل الأطر متعددة الأطراف، بما في ذلك البريكس والمؤسسات الاقتصادية الدولية.

خلاصة المشهد

ما قاله السفير محمد حجازي يختصر مرحلة تشهد فيها العلاقات المصرية الصينية انتقالًا من الصياغات التقليدية إلى شراكة أكثر تشعبًا، تجمع بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والتنسيق الدولي. وبينما تتسارع اضطرابات الإقليم وتزداد تعقيدات النظام العالمي، تبرز القاهرة وبكين بوصفهما طرفين يملكان تاريخًا ممتدًا ومصالح متنامية وأدوات تعاون عملية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح التشاور بين مصر والصين بشأن أزمات المنطقة ليس مجرد طرح نظري، بل امتدادًا لمسار رسمي موثق شهد دفعة قوية خلال 2024 وما بعدها، مدعومًا باتفاقات ومشروعات وأرقام تؤكد أن الشراكة بين البلدين باتت أحد الملفات الثابتة في السياسة الخارجية المصرية.

  • تاريخ دبلوماسي ممتد: مصر اعترفت بالصين الشعبية عام 1956.
  • شراكة استراتيجية شاملة: قائمة منذ 2014 ودُعمت ببرنامج تنفيذي 2024-2028.
  • تعاون اقتصادي واسع: تبادل تجاري بلغ 15.7 مليار دولار في 2023.
  • حضور استثماري واضح: منطقة تيدا تضم أكثر من 140 شركة وتوفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل.