Akhbar Cairo

محمد كمال: الهوية الوطنية قوة للدولة والمصريين أكثر تمسكًا بها

محمد كمال يربط بين الهوية الوطنية وقوة الدولة

عاد ملف الهوية الوطنية في مصر إلى صدارة النقاش العام مع التصريحات التي أدلى بها الدكتور محمد كمال، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مؤكدًا أن الهوية الوطنية ليست مجرد عنوان ثقافي أو شعار معنوي، بل تمثل أحد مصادر القوة الشاملة للدولة، بما يرتبط بها من تماسك اجتماعي وقدرة على مواجهة الضغوط والتحديات. وجاءت تصريحاته في سياق متابعة أعمال مؤتمر الهوية الوطنية: جذور راسخة ورؤية متجددة الذي استضافته مكتبة الإسكندرية خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026.

وبحسب ما جرى الإعلان عنه خلال المؤتمر، فإن النقاش لم يتوقف عند الجانب النظري لمفهوم الهوية، بل اتجه إلى البحث في كيفية تحويلها إلى سياسات وممارسات تعزز التوافق بين أبناء المجتمع، وتدعم الإحساس بالانتماء، خصوصًا بين الأجيال الشابة، في ظل متغيرات اجتماعية وثقافية ورقمية متسارعة.

مؤتمر مكتبة الإسكندرية.. مناقشة واسعة لوضع الهوية المصرية

نُظم المؤتمر في مكتبة الإسكندرية تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة وزارات وهيئات ومؤسسات أكاديمية وثقافية وشبابية، إلى جانب مسؤولين وخبراء وباحثين. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن المكتبة والهيئة العامة للاستعلامات، تناولت الجلسات عددًا كبيرًا من المحاور، من بينها توصيف الوضع الحالي لعناصر الهوية في مصر، والخطاب الثقافي، والمخاطر التي تتعرض لها الهوية الوطنية، فضلًا عن تأثير الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، ودور التعليم والأسرة والإعلام ومؤسسات الدولة في تشكيل الوعي الوطني.

هذا الاتساع في جدول الأعمال عكس إدراكًا رسميًا وثقافيًا بأن قضية الهوية لم تعد مسألة تراثية أو أكاديمية فقط، بل صارت مرتبطة مباشرة بأسئلة التنمية والاستقرار والقدرة على حماية الخصوصية المصرية في عالم شديد الانفتاح والتأثير المتبادل.

لماذا اكتسب المؤتمر أهمية خاصة؟

تبدو أهمية المؤتمر في أنه جاء في لحظة تتزايد فيها المناقشات حول أثر الفضاء الرقمي على تشكيل الوعي العام، وحول قدرة المجتمعات على الحفاظ على شخصيتها التاريخية والثقافية وسط سيل من المعلومات والمحتوى العابر للحدود. ولهذا ركزت الجلسات، وفق ما نشرته الجهات المنظمة، على الربط بين الهوية المصرية من جهة، ومتطلبات التحديث والانفتاح من جهة أخرى، من دون السقوط في ثنائية تعارض الأصالة مع المعاصرة.

وفي هذا السياق، برزت تصريحات متعددة من المشاركين حول أن المجتمع المصري يمتلك رصيدًا تاريخيًا وحضاريًا طويلًا ساعده على الحفاظ على تماسكه عبر مراحل مختلفة، وهو ما يفسر تكرار الإشارة إلى أن المصريين لديهم إحساس قوي بالوطنية والانتماء، باعتبار ذلك أحد المكونات المركزية في الشخصية الوطنية.

محمد كمال: الانتماء ليس مجرد عاطفة

قراءة تصريحات الدكتور محمد كمال تكشف تركيزًا واضحًا على البعد السياسي والاستراتيجي لفكرة الهوية. فحين يصف الهوية بأنها ركيزة من ركائز القوة، فهو يضعها في إطار يتجاوز الانطباعات العامة إلى مفهوم أوسع يتعلق بالأمن القومي والقدرة على الحفاظ على التماسك الداخلي. وفي هذا الإطار، يصبح الانتماء الوطني عنصرًا عمليًا ينعكس على الثقة العامة، وعلى قابلية المجتمع للتوافق حول المصالح الأساسية للدولة.

هذا الطرح يلتقي مع ما ناقشته جلسات المؤتمر بشأن الحاجة إلى رؤية متجددة للهوية، لا تكتفي بالحديث عن الماضي، بل تربط بين التاريخ المصري ومقتضيات الحاضر، سواء في التعليم أو الإعلام أو الثقافة أو المجال الرقمي.

إعلان «وثيقة الإسكندرية» كأبرز مخرجات المؤتمر

من أبرز النتائج التي خرج بها المؤتمر الإعلان عن وثيقة الإسكندرية لتعزيز الهوية المصرية. ووفق ما نشرته مكتبة الإسكندرية وبوابة الأهرام ومصادر محلية أخرى، تهدف الوثيقة إلى تقديم إطار متكامل يدعم التماسك الاجتماعي والمواطنة، ويحافظ على التراث الثقافي المادي وغير المادي، ويعزز حضور اللغة العربية في التعليم والعلم والإعلام والفضاء الرقمي، إلى جانب دعم الإبداع والابتكار وتمكين الشباب.

كما دعت الوثيقة إلى استمرار العمل على هذا الملف من خلال عقد مؤتمر دوري سنوي في سبتمبر، مع توسيع دوائر النقاش لتشمل المحافظات والجامعات ومراكز الشباب والمؤسسات الإعلامية والمصريين في الخارج. وهذه النقطة تحديدًا تعكس محاولة نقل الحوار من النخب والمؤسسات المركزية إلى المجال المجتمعي الأوسع.

أبرز ما ركزت عليه الوثيقة

  • تعزيز معرفة المصريين بتاريخهم الوطني بوصفه مسارًا حضاريًا متصلًا.
  • حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي وصونه للأجيال المقبلة.
  • دعم اللغة العربية في التعليم والإعلام والبيئة الرقمية.
  • تمكين الشباب ورعاية الابتكار باعتباره جزءًا من بناء الهوية المعاصرة.
  • ترسيخ قيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز والثقة العامة.

مشاركة رسمية ومجتمعية واسعة

شهدت الجلسة الافتتاحية والفعاليات اللاحقة حضور عدد من المسؤولين والشخصيات العامة، من بينهم الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، واللواء الدكتور خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية ورئيس المؤتمر، إلى جانب وزراء ومسؤولين وأكاديميين وممثلين للشباب. كما أشارت تقارير محلية إلى مشاركة 450 شابًا في أعمال المؤتمر، وهو رقم يعكس رغبة المنظمين في جعل الشباب طرفًا أصيلًا في النقاش، لا مجرد جمهور متلقٍ.

وبرز خلال الجلسات تأكيد متكرر على أن تشكيل الهوية الوطنية لا يتم من خلال مؤسسة واحدة، بل عبر شبكة متداخلة تضم الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ودور العبادة، والإعلام، والثقافة، والمجتمع المدني، فضلًا عن التأثير المتزايد للمنصات الرقمية.

الهوية الوطنية في مصر.. بين الجذور والتحولات الجديدة

اللافت في النقاش المصري الحالي حول الهوية الوطنية أنه لا يطرح المسألة بوصفها دفاعًا جامدًا عن الماضي، بل باعتبارها عملية مستمرة من الموازنة بين الجذور الراسخة والرؤية المتجددة. وهذا ما يفسر إدراج محاور مثل الذكاء الاصطناعي، والشائعات، والخطاب المتطرف، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها عوامل تؤثر مباشرة في طريقة إدراك الأفراد لأنفسهم ولمجتمعهم.

ومن هنا يمكن فهم تصريحات محمد كمال على أنها جزء من مقاربة أوسع تقول إن الحفاظ على الدولة الحديثة لا يعتمد فقط على الأدوات المؤسسية والاقتصادية، بل يحتاج أيضًا إلى سردية وطنية جامعة، يشعر المواطن في إطارها بأن مصالحه الشخصية مرتبطة بمصير الدولة والمجتمع.

خلاصة المشهد

ما بين تصريحات رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، ومداولات مؤتمر مكتبة الإسكندرية، وإطلاق وثيقة جديدة لتعزيز الهوية المصرية، يتضح أن الهوية الوطنية أصبحت بندًا متقدمًا في النقاش العام المصري خلال سبتمبر 2026. الرسالة الأساسية التي خرجت من هذه الفعاليات هي أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بالمؤشرات الصلبة، بل أيضًا بقدرتها على صون شخصيتها الحضارية، وترسيخ قيم المواطنة، وبناء توافق مجتمعي واسع يحميها من التفكك والاستقطاب.

وفي هذا الإطار، تبدو الإشارة إلى أن المصريين يمتلكون إحساسًا قويًا بالوطنية أكثر من مجرد توصيف عام؛ فهي تعبير عن رهان سياسي وثقافي على أن هذا الرصيد التاريخي يمكن البناء عليه في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة، شريطة أن يتحول من خطاب نظري إلى برامج عمل مستدامة في التعليم والثقافة والإعلام والعمل المجتمعي.