Akhbar Cairo

محمد كمال: هرمز نقل الصراع مع إيران إلى ساحة الاقتصاد

مضيق هرمز يعيد تعريف طبيعة المواجهة

تتجه القراءة المصرية والإقليمية للتصعيد المرتبط بإيران إلى نقطة جوهرية: أن كلفة الصراع لم تعد تُقاس فقط بحجم الضربات العسكرية، بل بقدرة كل طرف على خنق حركة التجارة والطاقة. وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد مصطفى كمال، رئيس لجنة العلاقات الخارجية والعربية والأفريقية بمجلس الشيوخ وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن البعد الاقتصادي بات في صدارة المشهد، مع اعتماد واشنطن بصورة كبيرة على أدوات الضغط المالي والحصار والعقوبات، بينما يظل مضيق هرمز الورقة الأكثر حساسية في ميزان الردع والرد المضاد.

هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة من موقع مصر، ليس فقط بوصفها دولة تتابع توازنات الخليج، بل باعتبارها أيضًا معنية مباشرة بأمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، وحركة التجارة العابرة إلى قناة السويس. لذلك فإن أي حديث عن هرمز لا يخص الخليج وحده، بل يمتد أثره إلى البحر الأحمر، وأسعار الوقود، وكلفة الشحن، وتوقعات التضخم في المنطقة بأسرها.

من هو محمد كمال؟

يُعد محمد كمال من الأسماء المعروفة في حقل العلوم السياسية في مصر؛ فهو أستاذ بجامعة القاهرة، كما تشير بيانات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وتذكر مصادر مصرية أنه تولى رئاسة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في الفصل التشريعي الحالي. كما تضم سيرته العمل الأكاديمي والبحثي في ملفات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وهو ما يفسر حضوره المتكرر في النقاشات المرتبطة بأزمات الإقليم.

لماذا يبقى هرمز مركز الثقل في الأزمة؟

تكمن أهمية المضيق في أنه ليس مجرد ممر ملاحي ضيق بين إيران وسلطنة عُمان، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط، بما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، كما شكّل أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن الممر يظل حاسمًا أيضًا للغاز الطبيعي المسال، إذ يعبر عبره ما يقارب خمس التجارة العالمية للغاز المسال، خصوصًا الصادرات القادمة من قطر والإمارات.

هذه الأرقام تفسر لماذا يتحول مجرد التلويح بتعطيل الملاحة في هرمز إلى ضغط اقتصادي فوري على الأسواق. فحتى عندما لا يحدث إغلاق كامل، يكفي ارتفاع المخاطر التأمينية، أو بطء العبور، أو إعادة توجيه بعض الشحنات، كي تقفز تكاليف النقل والطاقة. ومن هنا تبدو ملاحظة محمد كمال منطقية: جوهر المواجهة أصبح اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي وأمني.

العقوبات والحصار مقابل ورقة الجغرافيا

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة تقليديًا على منظومة العقوبات، وتقييد الصادرات، والضغط على سلاسل التمويل والشحن، بهدف تقليص قدرة إيران على المناورة. لكن إيران بدورها تمتلك عنصرًا لا يمكن تجاهله، وهو الجغرافيا. فالمضيق يمنحها قدرة على التأثير غير المباشر في الأسواق، حتى لو لم تلجأ إلى إغلاق شامل. ولهذا يرتبط اسم هرمز دائمًا بأي جولة تصعيد، باعتباره أداة تفاوض وردع في آن واحد.

وبالنسبة إلى القارة الأفريقية ومحيطها البحري، فإن تداعيات هذا النوع من الصراع لا تتوقف عند الضفة الآسيوية للخليج. فشرق أفريقيا، والبحر الأحمر، وموانئ الترانزيت، والدول المستوردة للطاقة، جميعها تتأثر سريعًا بأي اضطراب في الشحنات أو الأسعار. وهنا يصبح الملف جزءًا من تغطية «أفريقيا» بامتياز، لأنه يمس شبكة التجارة والطاقة التي تربط شمال القارة وشرقها بالأسواق العالمية.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، السؤال الأهم ليس فقط ماذا يجري في هرمز، بل كيف ينعكس ذلك على الداخل. أولًا، ترتبط مصر بأسواق الطاقة العالمية، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار النفط أو الغاز ينعكس على كلفة الاستيراد والنقل والإنتاج. ثانيًا، تظل قناة السويس جزءًا من شبكة الممرات التي تعيد تشكيلها الأزمات البحرية في المنطقة.

وتوضح تقارير رسمية مصرية أن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، تُعد عاملًا ضاغطًا على حركة الملاحة الإقليمية. كما تُظهر البيانات السنوية لهيئة قناة السويس أن القناة حققت في 2023 أرقامًا قياسية تاريخية، قبل أن تتأثر الحركة لاحقًا بالاضطرابات الأمنية في المنطقة. لذلك فإن استقرار الخليج والبحر الأحمر ليس قضية بعيدة عن الاقتصاد المصري، بل عنصر مباشر في حسابات الإيرادات اللوجستية وحركة التجارة.

أسعار النفط بين القفزات والتهدئة

الأسواق عادة ما تستجيب سريعًا لأي إشارات من هرمز. وقد أظهرت تغطيات اقتصادية مصرية خلال صيف 2026 أن أسعار النفط تحركت صعودًا وهبوطًا تبعًا لتطورات الملاحة والتهدئة في الخليج، وهو ما يعكس حساسية السوق الشديدة تجاه هذا الممر. وعندما ترتفع الأسعار، لا يكون الأثر مقتصرًا على الدول الصناعية الكبرى؛ فالدول الأفريقية المستوردة للطاقة تتحمل هي الأخرى فاتورة أعلى، بما في ذلك ضغوط على العملات، والنقل، وأسعار الغذاء المرتبطة بالطاقة والشحن.

هل تحولت الحرب فعلًا إلى مواجهة اقتصادية؟

الواقع يشير إلى أن توصيف محمد كمال يقترب من طبيعة المرحلة الحالية. فالحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالتأمين البحري، والعقوبات، والموانئ، وأسعار الفائدة، وسلاسل الإمداد، ومسارات الطاقة. وعندما يصبح الممر البحري نفسه ساحة صراع، فإن الاقتصاد يتحول تلقائيًا إلى خط المواجهة الأول.

هذا لا يعني اختفاء العامل العسكري، لكنه يعني أن أثر الاقتصاد صار أسرع انتشارًا وأوسع نطاقًا. فطلقة واحدة قد تبقى ضمن حدود جغرافية ضيقة، أما اضطراب الشحن والطاقة فيصيب القارات كلها، من آسيا إلى أفريقيا، مرورًا بالأسواق العربية. لذلك تبدو معركة المضائق اليوم جزءًا من معادلة الأمن القومي الاقتصادي لدول المنطقة، وليس مجرد ملف جيوسياسي نظري.

الزاوية الأفريقية في القصة

من منظور أفريقي، تبرز ثلاث دوائر رئيسية للتأثر:

  • دول الاستيراد الطاقوي: أي زيادة في أسعار الخام أو الغاز ترفع الضغوط على الموازنات والتضخم.
  • موانئ البحر الأحمر وشرق أفريقيا: تتأثر بحركة إعادة توجيه السفن وكلفة التأمين البحري.
  • دول العبور والخدمات اللوجستية: ومنها مصر، التي يرتبط جزء مهم من موقعها الاقتصادي باستقرار خطوط التجارة الدولية.

لهذا فإن متابعة التصريحات الصادرة من القاهرة بشأن هرمز لا تأتي فقط من باب التحليل السياسي، بل لأنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن الممرات البحرية أصبح مسألة معيشية واقتصادية تمس أفريقيا والعالم العربي معًا.

خلاصة المشهد

ما قاله الدكتور محمد كمال يضع اليد على جوهر التحول في الأزمة: النفط والغاز والملاحة والعقوبات باتت عناصر لا تقل وزنًا عن العمليات العسكرية نفسها. ومضيق هرمز، بحكم موقعه وحجم التدفقات التي تمر عبره، يظل نقطة الاختبار الأهم لأي تصعيد أو تهدئة.

بالنسبة لمصر، تبقى المتابعة الدقيقة لهذا الملف ضرورية، لأن أي اهتزاز في هرمز قد يمتد صداه إلى قناة السويس، وأسعار الطاقة، وكلفة التجارة، واستقرار الأسواق. ومن هنا فإن الحديث عن «مواجهة اقتصادية» ليس توصيفًا إعلاميًا فقط، بل قراءة واقعية لمرحلة تتقدم فيها الجغرافيا البحرية إلى قلب السياسة الدولية.