محمد معيط وملف الاعتمادات المستندية: اعتراف متأخر ودلالات أعمق
عودة ملف قديم.. لكن بتوقيت جديد
أعاد الدكتور محمد معيط، وزير المالية السابق وممثل المجموعة العربية في صندوق النقد الدولي حاليًا، فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، عندما تحدث علنًا عن موقفه الرافض لقرار تطبيق الاعتمادات المستندية على الواردات. أهمية التصريح لا تتوقف عند كونه شهادة من مسؤول سابق كان في قلب إدارة الأزمة، بل تمتد إلى ما يكشفه من طبيعة العلاقة بين أدوات السياسة النقدية وأولويات السياسة المالية، وكيف يمكن لقرار فني أن يتحول سريعًا إلى عبء واسع على الإنتاج والاستيراد والأسعار داخل السوق المصرية.
المعروف رسميًا أن البنك المركزي المصري أصدر في 13 فبراير 2022 تعليمات تقضي بقصر تمويل العمليات الاستيرادية على الاعتمادات المستندية بدلًا من مستندات التحصيل، قبل أن يعلن في 27 أكتوبر 2022 بدء الإلغاء التدريجي لهذه التعليمات، ثم استكمال الإلغاء بالكامل في ديسمبر من العام نفسه. هذه المحطة وحدها تكشف أن القرار لم يعش طويلًا بصيغته الأصلية، وأن كلفته العملية كانت أكبر من قدرة السوق على التكيف السريع معها.
ماذا يعني أن يعترف معيط الآن؟
حين يقول معيط إنه لم يكن مقتنعًا بالقرار منذ البداية، فالمغزى السياسي والاقتصادي هنا أكبر من مجرد تسجيل موقف شخصي. الرجل شغل وزارة المالية من يونيو 2018 حتى التعديل الحكومي في 2024، وكان طوال الأزمة جزءًا من إدارة الملف الاقتصادي في لحظة شديدة الحساسية: ضغوط تمويل خارجي، قفزات في أسعار الغذاء والطاقة عالميًا، اضطراب في سلاسل الإمداد، وخروج جزء من استثمارات الأجانب في أدوات الدين من الأسواق الناشئة بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
في هذا السياق، يصبح الاعتراف مهمًا لأنه يوحي بأن داخل دوائر صنع القرار نفسها كانت هناك رؤية تعتبر أن الاعتمادات المستندية ليست العلاج الأنسب لأزمة نقص العملة الأجنبية. فالمشكلة، من وجهة نظر منتقدي القرار، لم تكن إجرائية فقط، بل هيكلية: شح في النقد الأجنبي، وضغوط على الاستيراد، وتوتر في السوق، بما يجعل التشدد البنكي يضيف طبقة جديدة من التعقيد بدلًا من حل أصل الأزمة.
لماذا أثار القرار كل هذا الجدل؟
الاعتماد المستندي في الأصل أداة مصرفية معروفة لتأمين عمليات التجارة الخارجية، لكنه في التطبيق العملي داخل مصر خلال 2022 بدا للكثير من المصنعين والمستوردين أكثر كلفة وأبطأ وأكثر تعقيدًا من مستندات التحصيل، خصوصًا للشركات التي تعتمد على استيراد خامات ومستلزمات إنتاج بوتيرة سريعة. ومع اتساع الاختناقات في الموانئ آنذاك، ارتبط القرار في الوعي العام بزيادة التأخير وارتفاع التكلفة وتفاقم أزمة الإفراجات.
وكانت التقديرات النقدية الدولية تنظر إلى الخطوة باعتبارها جزءًا من تشديد إدارة التجارة وتمويل الواردات في لحظة أزمة. كما أشار البنك الدولي إلى أن لوائح فبراير 2022 أوقفت العمل بمستندات التحصيل لمعظم عمليات الاستيراد قبل أن يبدأ التراجع عنها في أكتوبر من العام نفسه. هذا التراجع السريع نسبيًا يمنح المنتقدين حجة قوية: لو كان القرار ناجحًا وظيفيًا، لما احتاج إلى إلغاء تدريجي ثم كامل خلال أقل من عام.
بين «المركزي» و«المالية».. أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟
في العادة، يُنظر إلى البنك المركزي المصري باعتباره المسؤول عن السياسة النقدية وسوق الصرف، بينما تتولى وزارة المالية إدارة الموازنة والدين العام والإنفاق والإيرادات. لكن في الأزمات الكبرى، يذوب هذا الفصل النظري سريعًا. أي قرار يخص فتح الاعتمادات أو تدبير العملة أو أولوية الإفراج عن السلع ينعكس فورًا على الأسعار والتضخم والإنتاج، ثم على الموازنة نفسها عبر الدعم والإيرادات والاحتياجات التمويلية.
من هنا، تبدو تصريحات معيط أقرب إلى شهادة على أن التنسيق بين المؤسستين لم يكن دائمًا متناغمًا بالقدر الكافي. وربما لهذا السبب ظل ملف الاعتمادات المستندية حاضرًا في ذاكرة السوق كرمز لمرحلة اتسمت بكثرة الضغوط وقلة البدائل، لا كحل مستقر طويل الأجل.
اللافت أيضًا أن معيط عاد في تصريحات حديثة أخرى خلال سبتمبر 2026 ليتحدث عن مبالغة بعض التقارير السلبية بشأن الاقتصاد المصري، وعن تتابع الصدمات التي حرمت الاقتصاد من فرصة «التقاط الأنفاس». هذا الخطاب ينسجم مع محاولته وضع قرار الاعتمادات المستندية داخل سياق أزمة أوسع، لا باعتباره خطأ منفصلًا عن بقية المشهد.
ما الذي حدث بعد إلغاء القرار؟
عمليًا، أعلن البنك المركزي في 27 أكتوبر 2022 أنه سيبدأ إلغاءً تدريجيًا لتعليمات فبراير، على أن يكتمل الإلغاء في ديسمبر 2022، وهو ما أعاد العمل بمستندات التحصيل كأداة رئيسية في نطاق أوسع. وقتها قُدم التغيير باعتباره استجابة لمقتضيات الواقع الاقتصادي وتخفيفًا للتحديات على مجتمع الأعمال، لا سيما في ما يتعلق بسرعة إنجاز الواردات وتسهيل حركة الإنتاج.
لكن الأهم أن الإلغاء لم يكن نهاية الأزمة. لأن جوهر المشكلة لم يكن مرتبطًا بورقة مصرفية بعينها، بل بقدرة الدولة والقطاع المصرفي على تدبير النقد الأجنبي في ظل ضغوط خارجية وداخلية متزامنة. لذلك فإن إنهاء الاعتمادات المستندية خفف الاحتكاك الإجرائي، لكنه لم يكن وحده كافيًا لإنهاء أزمة السوق أو كبح التضخم.
قراءة أوسع: هل كان القرار «سلبيًا» فعلًا؟
من زاوية تحليلية، يمكن القول إن وصف القرار بأنه «سلبي» يستند إلى ثلاثة اعتبارات رئيسية:
- أولًا: أنه رفع تكلفة الوقت والإجراءات على المستوردين والمصنعين في توقيت كانت فيه السوق أصلًا تعاني من نقص المعروض.
- ثانيًا: أنه لم يعالج السبب الجذري للأزمة، وهو شح العملة الأجنبية، بل أعاد توزيع الضغوط داخل الجهاز المصرفي وسلاسل الإمداد.
- ثالثًا: أن التراجع الرسمي عنه خلال أقل من عام أضعف الحجة القائلة بقدرته على الاستمرار كأداة فعالة ومنخفضة الكلفة اقتصاديًا.
ومع ذلك، هناك قراءة أخرى لا ينبغي تجاهلها: قد يكون صانع القرار النقدي وقتها رأى أن القيود المؤقتة ضرورية لإدارة ندرة حادة في الدولار ومنع الانفلات الكامل في الطلب على الواردات. بمعنى آخر، المشكلة ربما لم تكن في النية بقدر ما كانت في حدود الأداة نفسها عندما تُستخدم في اقتصاد يعتمد على الاستيراد بدرجة كبيرة، خاصة في مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة.
الدلالة الأهم للمشهد المصري
بالنسبة للقارئ المصري، لا تكمن أهمية هذه التصريحات في استعادة معركة قديمة بين مؤسسات الدولة، بل في درس أبسط وأكثر مباشرة: القرارات الاقتصادية الكبرى لا تُقاس بنواياها، بل بأثرها الفعلي على السوق والمواطن. وعندما يعترف مسؤول بحجم محمد معيط بأن لديه تحفظًا مبكرًا على قرار بهذه الحساسية، فإن ذلك يفتح الباب مجددًا لسؤال مشروع: هل كانت آليات النقاش المؤسسي كافية قبل تبني سياسات تمس التجارة والإنتاج والأسعار بهذا العمق؟
الاقتصاد المصري تجاوز منذ ذلك الوقت محطات أكثر صعوبة، من بينها أزمة 2024 وما تبعها من ترتيبات تمويلية وتغيرات في سوق الصرف. لكن ملف الاعتمادات المستندية سيبقى علامة فارقة، لأنه كشف كيف يمكن لسياسة تهدف إلى الانضباط أن تتحول، في ظروف معينة، إلى عامل ضغط إضافي. وربما لهذا السبب تحديدًا جاء اعتراف معيط متأخرًا، لكنه ليس بلا قيمة: فهو يذكّر بأن مراجعة القرارات ليست ترفًا، بل ضرورة في اقتصاد يتحمل فيه المواطن والمنتِج كلفة أي تقدير غير دقيق.