محمد معيط يوضح: متى يمكن أن تتوقف مصر عن الاقتراض؟
محمد معيط: الحسم في ملف الاقتراض يبدأ من الإيرادات لا من انتهاء البرنامج
عاد ملف الاقتراض في مصر إلى واجهة النقاش العام بعد تصريحات الدكتور محمد معيط، وزير المالية السابق ورئيس المجموعة العربية في صندوق النقد الدولي، بشأن ما إذا كانت القاهرة يمكن أن تتوقف عن الاستدانة بعد انتهاء برنامجها الحالي مع الصندوق. الرسالة الأساسية التي طرحها معيط كانت واضحة: المعيار الحقيقي ليس مجرد انتهاء البرنامج، بل قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها من مواردها الذاتية، وفي مقدمتها الإيرادات العامة، إلى جانب خفض الضغوط التمويلية وتحسين معدلات النمو.
وفي ظهوره الإعلامي الأخير، شدد محمد معيط على أن الدولة المصرية تركز حاليًا على استكمال البرنامج القائم مع صندوق النقد الدولي بنجاح، بما يشمل المراجعات المتبقية قبل إغلاقه خلال عام 2026، موضحًا أن قرار الدخول في برنامج جديد من عدمه يظل قرارًا سياديًا مصريًا مرتبطًا باحتياجات الاقتصاد في ذلك التوقيت، وليس التزامًا تلقائيًا بعد انتهاء الترتيب الحالي.
ماذا قال محمد معيط تحديدًا؟
جوهر تصريحات معيط أن وقف الاقتراض ممكن نظريًا إذا تحققت معادلة اقتصادية محددة: زيادة الإيرادات العامة، والسيطرة على المصروفات، وتقليل الحاجة إلى تمويل جديد، مع توجيه أي اقتراض - إذا تم - إلى أنشطة أو مشروعات ترفع القدرة على السداد مستقبلاً. هذا الطرح يتسق مع ما قاله أيضًا في أكثر من مقابلة خلال صيف 2026، حين أوضح أن الاقتصاد يمكنه مواصلة برنامج إصلاحي حتى دون تمويل جديد إذا رأت الدولة ذلك مناسبًا.
ويستند هذا التصور إلى فكرة أساسية في المالية العامة: كلما ارتفعت الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، وتحسن النشاط الاقتصادي، وارتفع الناتج المحلي الإجمالي، تقل الحاجة إلى الاستدانة لتغطية العجز أو لسداد التزامات قائمة. لذلك ربط معيط بين ملف الدين وبين الإيرادات والنمو والقدرة على السداد، وليس فقط بينه وبين وجود برنامج مع صندوق النقد الدولي.
أين تقف مصر الآن مع صندوق النقد الدولي؟
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، فإن برنامج مصر الحالي يتم في إطار تسهيل الصندوق الممدد، وقد شهد خلال 2024 و2025 و2026 عدة مراجعات متتابعة. وفي 30 يوليو 2026 أعلن الصندوق إتمام المراجعة السابعة للبرنامج، إلى جانب المراجعة الثانية ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، وهو ما أتاح لمصر سحب تمويل جديد بنحو 1.8 مليار دولار. كما أشار الصندوق إلى أن نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي يُنتظر أن ترتفع، وأن الفائض الأولي مرشح للزيادة من 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/2026 إلى 5% في 2026/2027.
وكان الصندوق قد وافق أيضًا في مارس 2025 على ترتيب لمصر ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة بقيمة تقارب 1.3 مليار دولار، وهو تمويل مخصص لدعم إصلاحات مرتبطة بالمرونة الاقتصادية والمناخية. أما برنامج التسهيل الممدد نفسه فقد جرى تعزيزه في 2024 ليصل إجمالي حجمه إلى 8 مليارات دولار، وفق وثائق الصندوق.
هل انتهاء البرنامج يعني تلقائيًا توقف الاستدانة؟
الإجابة الأقرب لما طرحه معيط هي: لا. فالدول لا تتوقف عن الاقتراض بقرار سياسي منفصل عن الواقع المالي، بل عندما تصبح احتياجاتها التمويلية أقل، أو عندما تتمكن من تغطية التزاماتها عبر الإيرادات المحلية، والاستثمار، والصادرات، وتدفقات النقد الأجنبي المستقرة. كما أن الاقتراض في حد ذاته ليس المؤشر الوحيد على الأزمة؛ الأهم هو تكلفته، وأسبابه، واستخداماته، وقدرة الاقتصاد على خدمته.
ومن هنا جاء حديث معيط عن أن الإيرادات هي “الفيصل”. فإذا نجحت الدولة في توسيع القاعدة الضريبية دون إرهاق النشاط الاقتصادي، ورفعت كفاءة التحصيل، وواصلت ترشيد الإنفاق، وزادت مساهمة القطاع الخاص والإنتاج والتصدير، فإن الحاجة إلى الاقتراض يمكن أن تتراجع تدريجيًا. أما إذا ظلت الفجوات التمويلية كبيرة، فسيبقى الاقتراض أحد الأدوات المطروحة، سواء من الأسواق أو المؤسسات الدولية.
مؤشرات تدعم الرؤية.. لكن التحدي مستمر
هناك مؤشرات رسمية تعطي صورة أكثر توازنًا عن الوضع الحالي. فصندوق النقد الدولي قال في مراجعته الأخيرة إن النمو الحقيقي للناتج المحلي في مصر بلغ 4.4% في السنة المالية 2024/2025، مع تراجع ملحوظ في التضخم خلال 2026 نتيجة السياسات النقدية والمالية المتشددة نسبيًا. كما أعلن البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطيات الدولية وصل إلى 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، وهو مستوى يعكس تحسنًا في قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية وتلبية الاحتياجات الأساسية من النقد الأجنبي.
لكن في المقابل، لا تزال تحديات خدمة الدين، والاحتياجات التمويلية الخارجية، وتأثيرات التقلبات الإقليمية والعالمية، عوامل ضاغطة على الاقتصاد المصري. لهذا تبدو تصريحات معيط أقرب إلى رسم شرط اقتصادي لخفض الاقتراض، لا إلى إعلان وشيك بأن مصر ستتوقف عنه تمامًا بعد نهاية البرنامج الحالي.
كيف يمكن لمصر تقليل الاعتماد على الاقتراض؟
إذا أخذنا كلام معيط كخريطة طريق، فإن تقليل الاعتماد على الديون يحتاج إلى حزمة مترابطة من السياسات، أبرزها:
- زيادة الإيرادات العامة عبر توسيع النشاط الاقتصادي وتحسين كفاءة التحصيل.
- رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج والتشغيل.
- زيادة الصادرات وتعظيم موارد النقد الأجنبي من السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، وقناة السويس، والاستثمار المباشر.
- استمرار تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة للمساعدة في احتواء الدين.
- توجيه أي اقتراض جديد إلى استخدامات تولد عائدًا اقتصاديًا وقدرة أعلى على السداد.
وهذه النقاط ليست بعيدة عن التوجه الرسمي الذي تكرر في أكثر من مناسبة خلال 2026، حيث جرى التأكيد على أن المرحلة التالية بعد برنامج الصندوق يجب أن ترتكز على الإنتاج، والتصدير، والقطاع الخاص، بما يقلل تدريجيًا من الاعتماد على التمويل الخارجي.
لماذا تحظى تصريحات معيط باهتمام واسع؟
السبب أن محمد معيط ليس مجرد وزير مالية سابق؛ فهو شغل المنصب بين 2018 و2024، ثم انتقل إلى موقعه الحالي داخل صندوق النقد الدولي ممثلًا للمجموعة العربية، ما يمنح تصريحاته وزنًا خاصًا في النقاش المصري حول الدين، والإصلاح الاقتصادي، والعلاقة مع الصندوق. لذلك يقرأ كثيرون حديثه باعتباره محاولة لشرح ما بعد 2026: هل تدخل مصر برنامجًا جديدًا؟ أم تكتفي بإصلاحات مستمرة دون تمويل جديد؟
حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي بأن مصر طلبت برنامجًا بديلًا جديدًا بعد نهاية الترتيب الحالي. والأقرب، وفق التصريحات المعلنة، أن الدولة تركز أولًا على استكمال المراجعة الأخيرة وإغلاق البرنامج القائم، ثم تقييم الوضع الاقتصادي والتمويلي في ضوء المستجدات.
الخلاصة
تصريح محمد معيط لا يعني أن مصر على وشك إعلان التوقف الكامل عن الاقتراض، لكنه يضع شرطًا اقتصاديًا واضحًا: عندما تصبح الإيرادات أقوى، والاحتياجات التمويلية أقل، والنمو أكثر قدرة على توليد موارد مستدامة، يمكن حينها تقليص الاعتماد على الديون وربما الاستغناء عن برامج تمويلية جديدة. وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال في الاقتصاد المصري ليس: هل نقترض أم لا؟ بل: كم نقترض، ولماذا، وكيف نضمن القدرة على السداد دون ضغوط أكبر على المواطن والمالية العامة؟