Akhbar Cairo

محمود عصمت: كفاءة الطاقة أوفر من إنشاء قدرات كهرباء جديدة

تحرك حكومي لتقليل استهلاك الكهرباء عبر ضبط السوق ورفع الكفاءة

تسارع الحكومة المصرية خطواتها لخفض استهلاك الكهرباء عبر تشديد الرقابة على الأسواق، وإحكام تطبيق معايير كفاءة الطاقة على الأجهزة والمعدات الكهربائية المتداولة محليًا. وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، أن توفير ميجاوات واحد من خلال إجراءات الكفاءة وترشيد الاستهلاك أقل تكلفة بكثير من إنشاء ميجاوات جديد، موضحًا أن الفارق يصل إلى ما بين خمسة وسبعة أضعاف، من دون احتساب مصروفات التشغيل والصيانة المستمرة.

الرسالة التي تطرحها الوزارة لا تتعلق فقط بخفض فاتورة الاستهلاك لدى المواطن، بل تمتد إلى إدارة الموارد على مستوى الدولة، خاصة في ظل تزايد الأحمال خلال فترات الذروة الصيفية، وارتفاع الحاجة إلى استدامة إمدادات الكهرباء للقطاعات الإنتاجية والخدمية. وتتعامل وزارة الكهرباء مع كفاءة الطاقة باعتبارها أداة اقتصادية مباشرة، وليست مجرد بند فني أو بيئي.

اجتماع بالعاصمة الإدارية لمتابعة تنفيذ كتاب دوري لرئيس الوزراء

تصريحات الوزير جاءت خلال اجتماع بمقر وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في العاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة الموقف التنفيذي للكتاب الدوري لرئيس مجلس الوزراء رقم 3-10968 الصادر في 29 أبريل 2026، والخاص بضرورة الالتزام بالمواصفات القياسية المعتمدة ومعايير كفاءة الطاقة. ويؤكد هذا التحرك أن الملف لم يعد مقتصرًا على التوعية، بل انتقل إلى مرحلة المتابعة التنفيذية بين الجهات المختلفة.

وبحسب ما جرى استعراضه خلال الاجتماع، فإن الحكومة تستهدف منع تداول المنتجات غير المطابقة للمواصفات القياسية المصرية أو لاشتراطات كفاءة الطاقة، مع مراجعة المواصفات الحالية لعدد من السلع الرئيسية الأكثر استهلاكًا للكهرباء، وفي مقدمتها أجهزة التكييف والمصابيح ووحدات الإضاءة.

أدوات جديدة للرقابة: فحص قبل الشحن وملصقات إلزامية

المناقشات شملت كذلك تفعيل عدد من الآليات الرقابية والتنظيمية، من بينها دراسة تطبيق نظام الفحص المسبق قبل الشحن على بعض المنتجات، بما يساعد على الحد من دخول معدات غير مطابقة إلى السوق من الأساس. كما جرى بحث ضوابط شهادات المطابقة الخاصة بكفاءة الطاقة، وإلزام الموردين بإرفاق بطاقات أو ملصقات كفاءة الطاقة على الأجهزة المعروضة، بما يسهل على المستهلك المقارنة بين مستويات الاستهلاك قبل الشراء.

وتتجه الدولة أيضًا إلى تفعيل رقابة دورية على خطوط الإنتاج للتأكد من تطبيق المواصفات المحدثة، بدلًا من الاكتفاء بفحص نهائي للمنتج في السوق. هذا المسار يعكس رغبة حكومية في غلق الثغرات التي تسمح بتداول أجهزة ذات استهلاك مرتفع للطاقة أو بمواصفات غير منضبطة.

  • مراجعة المواصفات الخاصة بالتكييفات والمصابيح ووحدات الإضاءة.
  • بحث تطبيق الفحص قبل الشحن للحد من دخول منتجات غير مطابقة.
  • إلزام الموردين بوضع بطاقات كفاءة الطاقة على الأجهزة.
  • تكثيف التفتيش على خطوط الإنتاج والأسواق.
  • منح مهلة توفيق أوضاع للجهات والكيانات المخاطبة بالقرارات الجديدة.

المشتريات الحكومية ضمن خطة ترشيد الكهرباء

أحد الجوانب المهمة في الخطة يتمثل في إدراج اشتراطات كفاءة الطاقة داخل كراسات الشروط والمناقصات الحكومية، بحيث تصبح الأجهزة الأعلى كفاءة هي الأساس عند التوريد للجهات العامة. كما ستلتزم الجهات الحكومية بمراجعة المواصفات المحدثة عند شراء أي معدات أو أجهزة تعتمد على الكهرباء في تشغيلها.

هذا الاتجاه يحمل أهمية كبيرة، لأن القطاع الحكومي يعد من أكبر المشترين للأجهزة الكهربائية على مستوى الدولة. وبالتالي فإن ربط المشتريات العامة بمعايير الكفاءة يمكن أن يخلق طلبًا واسعًا على المنتجات المطابقة، ويدفع المصنعين والمستوردين إلى الالتزام بالمواصفات بصورة أسرع.

لماذا ترى الدولة أن كفاءة الطاقة «أوفر» من التوسع في التوليد؟

من الناحية الاقتصادية، تعني كفاءة الطاقة الحصول على الخدمة نفسها أو مستوى الراحة نفسه مع استهلاك كهرباء أقل. فعندما يستهلك جهاز التكييف أو الإضاءة طاقة أقل، فإن ذلك يقلل الحاجة إلى إضافة محطات جديدة أو حرق وقود إضافي لتلبية الطلب. ومن هنا جاء تأكيد وزير الكهرباء أن الوفر المتحقق من خفض الاستهلاك المناظر لميجاوات واحد أقل تكلفة بكثير من إنتاج ميجاوات جديد.

هذا الطرح يتسق مع توجهات رسمية أوسع داخل قطاع الكهرباء في مصر، حيث تكرر الوزارة في بياناتها خلال 2025 و2026 أن أمن الطاقة واستدامتها يتطلبان مزيجًا من التوسع في الشبكات والطاقة المتجددة من جهة، ورفع كفاءة الاستخدام وترشيد الاستهلاك من جهة أخرى. كما تؤكد الدولة بشكل متكرر أن تحسين الكفاءة يخفف الضغط على الشبكة الموحدة، خصوصًا في أوقات الذروة، ويدعم استقرار التغذية الكهربائية.

صلة الخطة باستراتيجية مصر للطاقة حتى 2040

يربط الوزير بين هذه الإجراءات وبين الاستراتيجية المتكاملة والمستدامة للطاقة، التي تعد كفاءة الطاقة أحد محاورها الرئيسية. ووفق التصريحات الرسمية الصادرة عن وزارة الكهرباء والجهات الحكومية المعنية خلال العامين الماضيين، تستهدف مصر زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء، إلى جانب خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الإمدادات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفي مايو 2026، أشارت وزارة الكهرباء في مناقشاتها مع مؤسسات دولية إلى مستهدفات متقدمة لزيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة، بما ينسجم مع إعادة ترتيب أولويات القطاع نحو كفاءة الاستخدام، وتحسين التخطيط للأحمال المستقبلية، وتحديث الشبكة لاستيعاب مزيد من القدرات النظيفة. ومن ثم فإن ملف كفاءة الطاقة لا ينفصل عن ملف الطاقة المتجددة، بل يكمله من زاوية تقليل الهدر وتحسين الاستفادة من كل ميجاوات متاح.

تنسيق بين جهات رقابية وصناعية وتجارية

الاجتماع ضم مجموعة واسعة من الجهات ذات الصلة، بما يعكس الطبيعة المتشابكة للملف. وشارك فيه المهندس جابر دسوقي، رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر، والدكتور أحمد مهينة، رئيس قطاع التخطيط الاستراتيجي ومتابعة الأداء بوزارة الكهرباء، والمهندس خالد صوفي، رئيس الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة، واللواء عصام النجار، رئيس الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، والمهندس إبراهيم السجيني، رئيس جهاز حماية المستهلك، والمهندس إيهاب أمين، رئيس مصلحة الرقابة الصناعية.

كما حضر ممثلون عن وزارات الصناعة، والداخلية، والتنمية المحلية، والبيئة، والمالية، والتموين والتجارة الداخلية، والاستثمار والتجارة الخارجية، إلى جانب الاتحاد العام للغرف التجارية، وغرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات، ومصلحة الجمارك. ويشير هذا التمثيل الواسع إلى أن ضبط سوق الأجهزة الكهربائية لن يعتمد على وزارة واحدة، بل على شبكة من الجهات المسؤولة عن المواصفات، والتفتيش، والجمارك، وحماية المستهلك، والتوريد الحكومي.

ما الذي يعنيه ذلك للمستهلك المصري؟

بالنسبة للمستهلك، من المرجح أن ينعكس تشديد الرقابة في صورة حضور أكبر لبطاقات كفاءة الطاقة على الأجهزة المعروضة، وتشديد على مواصفات التكييفات واللمبات ومنتجات الإضاءة. وعلى المدى المتوسط، قد يساعد ذلك في تقليل استهلاك الكهرباء داخل المنازل والمنشآت، خاصة مع ارتفاع أهمية اختيار الأجهزة الأكثر كفاءة عند الشراء، وليس فقط الأقل سعرًا عند البداية.

وفي الوقت نفسه، تراهن الحكومة على أن ضبط السوق ومنع تداول الأجهزة غير المطابقة سيسهمان في حماية المستهلك من منتجات أقل جودة أو أعلى استهلاكًا، مع تقليل العبء على الشبكة القومية للكهرباء وخفض الحاجة إلى استثمارات أعلى تكلفة في توليد جديد يمكن تجنب جزء منها عبر الإدارة الأذكى للطلب.

وبينما تستعد الجهات المعنية لتطبيق الإجراءات الجديدة، فإن منح مهلة لتوفيق الأوضاع للجهات المخاطبة يهدف إلى تسهيل الانتقال إلى المنظومة المحدثة، من دون تعطيل حركة السوق. لكن الرسالة الأساسية تبدو واضحة: في معركة تأمين الكهرباء لمصر، لم تعد المحطات الجديدة وحدها هي الحل، بل أصبح ترشيد الاستهلاك ورفع الكفاءة جزءًا حاسمًا من معادلة الطاقة الوطنية.