Akhbar Cairo

مخلفات البناء والهدم في مصر.. كيف ينظمها القانون؟

ضوابط قانونية تحكم جمع ونقل وتدوير مخلفات البناء والهدم في مصر

تتعامل الدولة المصرية في السنوات الأخيرة مع ملف مخلفات البناء والهدم باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بجودة الحياة داخل المدن، وحماية الأراضي والطرق من الإشغالات العشوائية، إلى جانب ما يمثله من فرصة اقتصادية إذا جرى توجيه هذه المخلفات إلى المعالجة وإعادة التدوير بدلًا من الإلقاء غير المنظم. وفي هذا الإطار، وضع قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 أساسًا تشريعيًا ينظم دورة التعامل مع هذا النوع من المخلفات، بدءًا من إصدار التراخيص، ومرورًا بعمليات الجمع والنقل، وصولًا إلى المعالجة أو التخلص النهائي في الأماكن المخصصة لذلك.

ويأتي هذا التنظيم ضمن توجه أوسع تبنته الدولة لتعزيز الإدارة المتكاملة للمخلفات، من خلال جهاز تنظيم إدارة المخلفات التابع لوزارة البيئة، وهو الجهة المعنية بتنظيم ومتابعة ومراقبة وتقييم أنشطة الإدارة المتكاملة للمخلفات، فضلًا عن إدارة النظام الوطني للمعلومات والبيانات الخاصة بهذا القطاع. كما يتيح الجهاز حاليًا تقديم طلبات التراخيص والموافقات إلكترونيًا عبر منصته الرسمية، بما يشمل أنشطة المخلفات غير الخطرة مثل الجمع والنقل والمعالجة والمدافن الصحية الآمنة.

ماذا يقول القانون بشأن مخلفات الهدم والبناء؟

القانون الصادر في أكتوبر 2020، والمنشور في الجريدة الرسمية، لم يترك التعامل مع مخلفات الهدم والإنشاءات للاجتهادات المحلية أو الممارسات العشوائية، بل وضع مسؤوليات محددة على أطراف المنظومة. فالمبدأ الأساسي هو أن هذه المخلفات لا يجوز التخلص منها بصورة عشوائية، وإنما من خلال منظومة مرخصة تخضع لإشراف الجهات الإدارية المختصة وجهاز تنظيم إدارة المخلفات.

وبحسب الإطار التنفيذي المعمول به، تتولى الجهة الإدارية المختصة، سواء كانت المحافظة أو هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بحسب موقع المشروع، تحديد أو توفير الأماكن المخصصة لتجميع هذه المخلفات أو معالجتها أو التخلص النهائي منها. وفي المقابل، لا يفترض أن تتم أعمال النقل أو التداول إلا عبر جهات أو شركات مرخص لها بمزاولة النشاط، بما يضمن تتبع مسار المخلفات ومنع تسربها إلى الشوارع أو الأراضي الفضاء أو جوانب الطرق.

كما تؤكد اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم وإدارة المخلفات، التي وافق عليها مجلس الوزراء ونُشرت تفاصيلها مطلع عام 2022، أن أحكامها تشمل المخلفات غير الخطرة ومن بينها مخلفات الهدم والبناء، إلى جانب تنظيم اختصاصات الجهات المنفذة ودور جهاز تنظيم إدارة المخلفات في إصدار التراخيص والرقابة.

الترخيص شرط أساسي قبل الهدم أو البناء

من أبرز النقاط العملية في هذا الملف أن طالب الترخيص للهدم أو البناء لا يفترض أن يكتفي بالأعمال الهندسية أو الإدارية المعتادة فقط، بل يجب أن يكون هناك مسار واضح للتعامل مع المخلفات الناتجة. والهدف من ذلك هو ربط النشاط العمراني نفسه بمسؤولية بيئية وقانونية، حتى لا تتحول المخلفات إلى عبء على الأحياء السكنية أو الطرق العامة.

هذا الربط بين رخصة البناء أو الهدم وبين أسلوب التخلص من المخلفات يحد من ظاهرة الإلقاء العشوائي، وهي مشكلة عانت منها مناطق عديدة في مصر لسنوات، خصوصًا مع اتساع أعمال البناء والتطوير العمراني. وتشير تقارير صحفية مصرية استندت إلى بيانات بيئية سابقة إلى أن مخلفات الهدم والإنشاءات كانت تُقدّر بالملايين من الأطنان سنويًا، وهو ما يفسر أهمية وجود تنظيم قانوني ورقابي أكثر صرامة.

دور جهاز تنظيم إدارة المخلفات في المنظومة

يعرف جهاز تنظيم إدارة المخلفات نفسه، عبر منصته الرسمية، بأنه الجهة التي تهدف إلى تنظيم ومتابعة ومراقبة وتقييم وتطوير كل ما يتعلق بأنشطة الإدارة المتكاملة للمخلفات، مع تشجيع الاستثمارات والتنسيق مع مؤسسات الدولة والإدارات المحلية والقطاع الخاص. كما يتولى الجهاز إنشاء وإدارة النظام الوطني لإدارة المعلومات والبيانات الخاصة بالمخلفات، بما يسمح بتجميع البيانات وتبادلها ورصد التغيرات المرتبطة بالقطاع.

وعمليًا، يتيح النظام الإلكتروني التابع للجهاز التقدم للحصول على تراخيص مزاولة أنشطة المخلفات غير الخطرة، ومنها أنشطة الجمع والنقل ومحطات المعالجة والمدافن الصحية الآمنة. وهذه النقطة مهمة بالنسبة لملف مخلفات البناء والهدم، لأنها تنقل جزءًا كبيرًا من دورة الترخيص والمتابعة إلى مسار رقمي يمكن مراجعته وتدقيقه بسهولة أكبر.

قرارات أحدث في 2025 لتشديد التنظيم

اللافت أن الملف لم يتوقف عند حدود نصوص قانون 2020، بل شهد خلال عام 2025 تحركات تنظيمية جديدة. ففي 19 أغسطس 2025، ناقش مجلس إدارة جهاز تنظيم إدارة المخلفات، برئاسة الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، وبحضور الأستاذ ياسر عبد الله رئيس الجهاز، حزمة قرارات وإجراءات تخص المنظومة. ومن بين أبرز ما أُعلن في هذا الاجتماع الموافقة على إصدار تراخيص مستقلة للشركات العاملة في مجال مخلفات الهدم والبناء، مع ربطها بمنظومة متابعة مستمرة.

كما شمل التنسيق مع وزارة الإسكان وهيئة التنمية الصناعية تخصيص مواقع لتجميع مخلفات الهدم والبناء في المدن الجديدة والمناطق الصناعية، وهي خطوة تعكس انتقال الدولة من مجرد وضع قواعد عامة إلى بناء بنية تشغيلية أكثر وضوحًا على الأرض، خصوصًا في المناطق التي تشهد توسعًا عمرانيًا وصناعيًا سريعًا.

لماذا يمثل التدوير فرصة وليس مجرد عبء؟

في النقاش العام، يُنظر إلى مخلفات البناء والهدم غالبًا باعتبارها مشكلة نظافة أو إشغال طريق، لكن الاتجاه الأحدث في الإدارة البيئية يتعامل معها أيضًا بوصفها موردًا قابلًا للاستفادة إذا جرت فرزها ومعالجتها بصورة سليمة. فبعض مكونات هذه المخلفات، مثل الخرسانة والطوب ومخلفات الحفر، يمكن أن تدخل في تطبيقات إعادة الاستخدام أو التدوير في مشروعات محددة، بما يقلل الضغط على المدافن ومواقع التخلص النهائي.

ولهذا يركز الخطاب الرسمي المصري في ملف المخلفات على مفهوم الاقتصاد الدوار، وهو المفهوم الذي أُشير إليه أيضًا في تقارير رسمية حديثة رصدت جهود الدولة في السنوات الماضية لتأسيس الإطار المؤسسي والقانوني للمنظومة، ودمج القطاع الخاص والقطاع غير الرسمي، وإطلاق نظم رقمية للتراخيص والبيانات.

ما الذي يعنيه ذلك للمواطنين والمقاولين؟

بالنسبة للمواطن أو صاحب العقار أو المقاول، فإن الرسالة الأساسية هي أن التخلص من مخلفات الهدم لم يعد مسألة فرعية يمكن تركها بعد انتهاء الأعمال. فالقانون والقرارات التنفيذية يفرضان أن يتم التعامل مع هذه المخلفات عبر قنوات مرخصة، وفي مواقع محددة، وتحت رقابة الجهات المختصة. أما بالنسبة للشركات، فإن الاتجاه الحالي يسير نحو تنظيم أكثر تفصيلًا، مع تراخيص مستقلة ومتابعة مستمرة وتنسيق بين جهات الدولة المختلفة.

  • أولًا: عدم إلقاء المخلفات في الشوارع أو الأراضي الفضاء أو على الطرق العامة.
  • ثانيًا: الالتزام بالتعامل مع جهات أو شركات حاصلة على التراخيص اللازمة.
  • ثالثًا: نقل المخلفات إلى المواقع المخصصة للتجميع أو المعالجة أو التخلص النهائي.
  • رابعًا: اعتبار التدوير جزءًا من الحل، وليس فقط التخلص التقليدي.

في المحصلة، تكشف التطورات التشريعية والتنظيمية في مصر أن مخلفات البناء والهدم لم تعد ملفًا هامشيًا، بل أصبحت جزءًا من سياسة أوسع لإدارة العمران والبيئة بصورة أكثر انضباطًا. وبين قانون 202 لسنة 2020، واللائحة التنفيذية، والقرارات التنظيمية الأحدث في 2025، تتجه المنظومة إلى تشديد الرقابة من جهة، وفتح المجال أمام إدارة أكثر كفاءة واستثمارًا من جهة أخرى، بما ينعكس في النهاية على المشهد الحضري وجودة البيئة داخل المدن المصرية.