Akhbar Cairo

مدبولي: البنية الأساسية مفتاح الوظائف وتعميق الشراكة مع أفريقيا

مدبولي يربط بين البنية الأساسية وسوق العمل في مصر وأفريقيا

أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الهدف الجوهري من برامج التنمية يظل توفير فرص عمل للشباب، موضحًا أن التوسع في مشروعات البنية الأساسية لا يقتصر على تحسين الخدمات أو رفع كفاءة المرافق، بل يمتد إلى جذب الاستثمارات ورفع مستوى المعيشة وتهيئة الاقتصاد لفرص نمو أوسع. وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في سياق أفريقي أوسع، حيث تتجه القاهرة إلى تقديم خبرتها في النقل والطاقة واللوجستيات باعتبارها جزءًا من مسار التكامل داخل القارة.

ويأتي هذا الطرح في وقت تؤكد فيه الحكومة المصرية أن الاستثمار الحقيقي لا ينفصل عن تأهيل الإنسان ورفع مهاراته بما يتواكب مع سوق العمل الحديث، وهو ما شدد عليه مدبولي في مايو 2026 خلال حديثه عن بناء اقتصاد قائم على المعرفة وتنمية مهارات الشباب وريادة الأعمال والعمل عن بُعد، باعتبارهم القوة الدافعة للتنمية المستدامة.

لماذا أصبحت البنية الأساسية عنوانًا رئيسيًا للوظائف؟

الرهان على البنية الأساسية في مصر لم يعد مقصورًا على الطرق أو محطات الكهرباء فحسب، بل بات مرتبطًا بسلاسل إنتاج وصناعة وتصدير وخدمات لوجستية يمكن أن تستوعب أعدادًا كبيرة من العمالة. ومن هذا المنطلق، يرى صانعو القرار أن كل توسع في الموانئ، والمناطق الصناعية، وشبكات النقل، والطاقة، والمياه، يرفع تلقائيًا قدرة الاقتصاد على اجتذاب استثمارات جديدة وتوليد وظائف مباشرة وغير مباشرة.

وتعكس مؤشرات سوق العمل هذا التوجه؛ إذ انخفض معدل البطالة في مصر إلى 5.8% خلال الربع الثاني من عام 2026، بحسب البيانات الرسمية، مع وصول حجم قوة العمل إلى نحو 35.6 مليون فرد، وعدد المشتغلين إلى قرابة 33.5 مليون. وهذه الأرقام تمنح خلفية مهمة لفهم إصرار الحكومة على مواصلة الإنفاق الاستثماري الموجه إلى القطاعات كثيفة التشغيل.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا

من أكثر الأمثلة وضوحًا على الربط بين البنية الأساسية وفرص العمل ما يجري في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي أصبحت أحد أهم المنصات المصرية ذات الصلة بالسوق الأفريقية وحركة التجارة الإقليمية. فقد أعلنت الهيئة أن المنطقة نجحت في جذب استثمارات تُقدَّر بنحو 15 مليار دولار حتى فبراير 2026، بينها 70% استثمارات أجنبية و30% محلية، مع اعتماد متزايد على الموانئ والخدمات اللوجستية والتصنيع من أجل التصدير.

وخلال متابعة حكومية لمشروعات المنطقة في مارس 2026، جرى التأكيد على أن هذه المشروعات توفر 133.5 ألف فرصة عمل مباشرة، فيما أشارت بيانات أخرى مرتبطة بتطور المنطقة منذ يوليو 2022 حتى فبراير 2026 إلى تنفيذ مئات المشروعات الصناعية والخدمية واللوجستية بما أوجد أكثر من 138 ألف فرصة عمل. كما شدد مدبولي في سبتمبر 2026 على أن المنطقة باتت منصة مصرية متكاملة للصناعة واللوجستيات، وأن بعض المصانع يوجه ما يصل إلى 100% من إنتاجه للتصدير، بينما لا تقل صادرات مصانع أخرى عن 70% من الإنتاج.

البعد الأفريقي في خطاب التنمية

اللافت أن خطاب مدبولي بشأن الوظائف والبنية الأساسية لا يتحرك داخل الحدود المصرية فقط، بل يتسع نحو زاوية أفريقية واضحة. ففي أكتوبر 2026، وخلال منتدى الأعمال الأفريقي في العلمين الجديدة، تحدث رئيس الوزراء عن التحول الاقتصادي في القارة، مشيرًا إلى أن أفريقيا تملك موارد ضخمة وسوقًا واسعة وكتلة شبابية كبيرة، لكنها لا تزال بحاجة إلى تمويل أقل تكلفة واستثمارات أكبر في البنية الأساسية.

وفي السياق نفسه، عرضت مصر رؤيتها لتحويل مسارات النقل الأفريقية إلى ممرات تنموية متكاملة تربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، وتشمل كذلك الطاقة، والخدمات اللوجستية، والبنية الرقمية، والتنمية العمرانية. وهذه المقاربة تحمل بعدًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد: فكل شبكة نقل عابرة للحدود، أو ميناء مطور، أو مركز لوجستي، يمكن أن يختصر تكلفة التجارة داخل القارة ويخلق وظائف جديدة للشباب في دول متعددة، لا في دولة واحدة فقط.

من الوظائف التقليدية إلى المهارات الجديدة

ورغم أن مشروعات البنية الأساسية تُنتج فرصًا مباشرة في التشييد والنقل والخدمات الهندسية، فإن الحكومة تتحدث أيضًا عن نوع مختلف من الوظائف يعتمد على التدريب والتكنولوجيا. مدبولي أوضح في أكثر من مناسبة أن الاستثمار الحقيقي يشمل تأهيل المواطنين لسوق العمل الحديث، عبر المهارات الرقمية، وتعليم اللغات، ودعم ثقافة ريادة الأعمال. وهذا الربط مهم خصوصًا في القارة الأفريقية، حيث تتزايد الحاجة إلى عمالة شابة قادرة على العمل في التصنيع الحديث، وإدارة الموانئ، والخدمات العابرة للحدود، والاقتصاد الرقمي.

ومن منظور مصري، فإن هذا التحول يساعد على جعل البنية الأساسية أكثر إنتاجية؛ فالطريق وحده لا يكفي إذا لم يرتبط بمنطقة صناعية، والميناء لا يحقق كامل جدواه إذا لم يجاوره نشاط تصديري، وشبكة الكهرباء لا تبلغ أقصى أثرها إن لم تُستخدم في جذب مصانع واستثمارات كثيفة العمالة.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، يحمل حديث مدبولي رسالتين أساسيتين. الأولى داخلية، مفادها أن استمرار الدولة في مشروعات البنية الأساسية يُقدَّم باعتباره وسيلة لتثبيت النشاط الاقتصادي وخفض البطالة ورفع تنافسية الصناعة. أما الرسالة الثانية فهي خارجية، وتتعلق بموقع مصر داخل أفريقيا؛ إذ تراهن القاهرة على أن خبرتها في تطوير الموانئ، والمناطق الصناعية، والربط اللوجستي، يمكن أن تتحول إلى رافعة لشراكات أوسع مع دول القارة.

  • اقتصاديًا: خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة عبر الصناعة والخدمات والإنشاءات.
  • استثماريًا: تحسين بيئة الأعمال وجذب رؤوس أموال جديدة محلية وأجنبية.
  • أفريقيًا: دعم الربط التجاري والتكامل الإقليمي بين مصر وأسواق القارة.
  • اجتماعيًا: رفع مستوى المعيشة عبر زيادة التشغيل وتوسيع الأنشطة الإنتاجية.

خلاصة المشهد

في المحصلة، يقدّم مصطفى مدبولي صورة متكاملة يعتبر فيها أن مشروعات البنية الأساسية ليست عبئًا ماليًا معزولًا، بل قاعدة لبناء فرص عمل وتحفيز الاستثمار وربط الاقتصاد المصري بمحيطه الأفريقي. وبينما تُظهر الأرقام الرسمية تراجع البطالة واستمرار التوسع في المناطق الصناعية واللوجستية، يبقى التحدي الأهم في تحويل هذا الزخم إلى وظائف مستدامة وعالية القيمة، خاصة للشباب، بما يضمن أن تصبح التنمية أكثر اتصالًا بحياة المواطنين وأكثر قدرة على خدمة اندماج مصر داخل أفريقيا.