مدبولي: الوراق كانت ضمن بدائل العاصمة الإدارية
مدبولي يعيد شرح خلفية اختيار موقع العاصمة الإدارية
أعاد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، طرح واحدة من أكثر القضايا التي أثارت نقاشاً في ملف التخطيط العمراني خلال السنوات الأخيرة، بعدما قال في جلسة "التنمية الحضرية والعمرانية" ضمن فعاليات منتدى مصر 2026 إن جزيرة الوراق كانت ضمن خمسة بدائل رئيسية جرى تقييمها عند دراسة نقل الوزارات ومقرات الحكم خارج قلب القاهرة. وجاءت تصريحات مدبولي في 20 أكتوبر 2026، خلال المنتدى المنعقد بالعاصمة الجديدة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفق ما نشرته رئاسة الجمهورية ومصادر صحفية مصرية رسمية ومحلية.
وبحسب ما عرضه رئيس الوزراء، فإن مسار التفكير في نقل الحي الحكومي لم يبدأ مع إطلاق مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، بل يعود إلى عامي 2007 و2008 خلال حكومة الدكتور أحمد نظيف، حين طُلب من هيئة التخطيط العمراني بوزارة الإسكان إعداد بدائل علمية لموقع مناسب لنقل الوزارات، في ظل التكدس المروري والعمراني الذي تعانيه القاهرة منذ عقود.
خمسة بدائل.. والوراق واحد منها
التفاصيل التي كشفها مدبولي توضح أن مجموعة من الخبراء والمخططين والجغرافيين درست خمسة مواقع رئيسية، ثم رتبتها وفقاً لمدى ملاءمتها على المدى الطويل. وضمت القائمة:
- الموقع الحالي للعاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة.
- منطقة في نطاق الطريق الدائري حول مسجد المشير طنطاوي والمناطق المحيطة به.
- جزيرة الوراق.
- منطقة شمال طريق القاهرة - الإسكندرية الصحراوي قرب نطاق القرية الذكية.
- بديل آخر داخل الامتدادات العمرانية القائمة آنذاك، شمل مدينة 6 أكتوبر وفق روايات سابقة متطابقة لمدبولي عن الملف نفسه.
ووفقاً لشرح رئيس الوزراء، فإن الخبراء الذين أجروا المفاضلة انتهوا إلى أن الموقع الحالي للعاصمة الجديدة هو الأكثر ملاءمة من ناحية التخطيط المستقبلي، لأنه يتيح امتداداً عمرانياً واسعاً ويخدم توجه الدولة إلى التوسع شرق القاهرة، وهو اتجاه وصفه مدبولي بأنه امتداد تاريخي لنمو العاصمة المصرية.
لماذا اتجهت الدولة إلى شرق القاهرة؟
الرسالة الأساسية في حديث مدبولي كانت أن اختيار العاصمة الإدارية لم يكن قراراً عشوائياً أو مجرد استجابة لاعتبارات استثمارية، بل قرار مبني على رؤية عمرانية طويلة الأجل. فقد أشار إلى أن القاهرة أصبحت مدينة شديدة الاختناق، وأن متوسط حركة السيارات في بعض المناطق كان يهبط إلى ما بين 8 و10 كيلومترات في الساعة، وهو ما يعكس حدود قدرة الكتلة العمرانية القديمة على استيعاب المزيد من الوزارات والموظفين وحركة الجمهور.
من هذا المنطلق، رأت الدولة أن إنشاء مقر حكومي جديد خارج القلب التقليدي للعاصمة يمكن أن يؤدي دوراً مزدوجاً: تخفيف الضغط عن القاهرة التاريخية، وفتح محور نمو جديد يساند التوسع العمراني والخدمي شرقا. هذا التفسير كرره مدبولي في أكثر من مناسبة سابقة، لكنه اكتسب زخماً جديداً بعد إدراج جزيرة الوراق صراحة ضمن البدائل التي خضعت للدراسة.
ما الذي نعرفه اليوم عن انتقال الحكومة؟
عملياً، لم يعد الحديث عن العاصمة الإدارية الجديدة مجرد تصور على الورق. فبحسب بيانات صادرة سابقاً عن الهيئة العامة للاستعلامات والرئاسة المصرية، انتقلت بالفعل أكثر من 100 جهة حكومية، بينها 30 وزارة، إلى ممارسة أعمالها من العاصمة الجديدة، مع وصول أعداد العاملين المنتقلين إلى نحو 40 ألف موظف. كما تواصل الحكومة اجتماعاتها الدورية من مقرها في الحي الحكومي بالعاصمة الجديدة.
وفي الأشهر الأخيرة، استمرت التحركات المرتبطة بتوسيع وظائف العاصمة الجديدة، بما في ذلك متابعة نقل البعثات والسفارات الأجنبية إلى الحي الدبلوماسي. وكانت وزارة الخارجية قد أعلنت في ديسمبر 2025 عقد اجتماع بين الوزير بدر عبد العاطي والمهندس خالد عباس، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، لمتابعة ترتيبات انتقال السفارات، كما نظمت الوزارة في سبتمبر 2026 جولة لسفراء أفارقة داخل العاصمة الجديدة للاطلاع على جاهزية الحي الدبلوماسي والمنشآت الرئيسية هناك.
ماذا يعني ذكر جزيرة الوراق الآن؟
إثارة اسم جزيرة الوراق مجدداً في هذا التوقيت لافتة سياسياً وعمرانياً، لأن الجزيرة ظلت طوال السنوات الماضية حاضرة في النقاش العام باعتبارها إحدى أكثر المناطق حساسية في ملف التطوير داخل القاهرة الكبرى. لكن حديث مدبولي لم يطرح الوراق باعتبارها خياراً قائماً اليوم، بل بوصفها أحد البدائل التي فُحصت تاريخياً قبل الاستقرار على موقع العاصمة الحالية.
وهنا تبدو أهمية التصريح في أنه يقدّم رواية أوضح عن منهج اتخاذ القرار داخل الدولة في ملف نقل الوزارات: دراسة بدائل، ثم ترتيبها، ثم اختيار البديل الأكثر قدرة على خدمة احتياجات مصر لعقود مقبلة. وبعبارة أخرى، فإن ذكر الوراق لا يغير خريطة المشروعات الحالية، لكنه يضيء جانباً من الكواليس التخطيطية التي سبقت إطلاق واحد من أكبر مشروعات العمران في مصر.
منتدى مصر 2026 وسياق التصريحات
تصريحات مدبولي جاءت ضمن منتدى مصر 2026 الذي انطلقت أعماله في 19 أكتوبر 2026 ويستمر حتى 24 أكتوبر 2026، بحسب الموقع الرسمي للمنتدى، فيما أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتح أعماله في العاصمة الجديدة يوم 19 أكتوبر 2026. ويقدم المنتدى نفسه باعتباره منصة لعرض منجزات الدولة والرد على أسئلة الرأي العام، مع تخصيص جلسات لقضايا الاقتصاد، والحماية الاجتماعية، والتنمية الحضرية، وغيرها.
وفي هذا السياق، بدا حديث رئيس الوزراء جزءاً من محاولة أوسع لشرح المنطق الذي حكم عدداً من القرارات الكبرى خلال العقد الماضي، وعلى رأسها قرار بناء العاصمة الإدارية الجديدة ونقل مؤسسات الحكم إليها. كما أن استدعاء الخلفية التاريخية للقرار، بدءاً من 2007، يمنح الحكومة مساحة للدفاع عن المشروع باعتباره امتداداً لتفكير تخطيطي سابق، وليس قراراً طارئاً مرتبطاً بلحظة سياسية بعينها.
مدبولي بين الدفاع عن المشروع وشرح منطقه
يراهن الخطاب الحكومي هنا على فكرة أن العاصمة الإدارية الجديدة ليست فقط مدينة حديثة، بل أداة لإعادة تنظيم المجال الإداري والعمراني للدولة. ومن هذا المنظور، يحرص مدبولي على التأكيد أن نقل مقر الحكم سبقته دراسات مستقلة ومفاضلة بين بدائل، وأن الموقع الحالي حاز الأفضلية لأنه يمنح القاهرة متنفساً ويخلق مجالاً للنمو المؤسسي والسكاني مستقبلاً.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية التصريح لا تتوقف عند جزيرة الوراق نفسها، بل تمتد إلى السؤال الأوسع: كيف تُصاغ قرارات التخطيط الكبرى في مصر؟ حديث رئيس الوزراء يقدم إجابة مفادها أن الملف مر بمراحل دراسة طويلة، وأن اختيار العاصمة الإدارية الجديدة تم على أساس تخطيطي يربط بين حل أزمات القاهرة الحالية وبناء مركز إداري جديد قادر على استيعاب احتياجات الدولة لعقود مقبلة.
في المحصلة، فإن ما قاله الدكتور مصطفى مدبولي لا يعيد فقط فتح ملف بدائل العاصمة، بل يعيد أيضاً وضع مشروع العاصمة الإدارية الجديدة داخل سياقه الأصلي: مشروع لنقل الإدارة، وتخفيف الضغط عن القاهرة، وتوجيه التوسع العمراني نحو الشرق، بعد مسار دراسة بدأ قبل قرابة عقدين وانتهى إلى الخيار الذي أصبحت الدولة تعمل منه بالفعل اليوم.