Akhbar Cairo

مدبولي في الأمم المتحدة: تحرك مصري مكثف ورسالة للسيسي

مدبولي يقود وفد مصر في نيويورك وسط جدول مزدحم بالقضايا الإقليمية

تصدرت مشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، المشهد السياسي المصري خلال الأيام الماضية، بعدما حملت الزيارة أكثر من مسار في وقت واحد: حضور الاجتماعات الدولية رفيعة المستوى، عرض مواقف القاهرة من أزمات الإقليم، وتكثيف اللقاءات الثنائية مع مسؤولين دوليين وشركاء سياسيين واقتصاديين. وتأتي هذه المشاركة بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي، في إطار حرص مصر على تثبيت حضورها داخل منظومة العمل متعدد الأطراف، خاصة مع تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط وتزايد الضغوط على النظام الدولي.

وبحسب ما أعلنته الهيئة العامة للاستعلامات، توجه مدبولي إلى نيويورك لترؤس وفد مصر في اجتماعات الدورة 81 للجمعية العامة، نيابة عن الرئيس السيسي، مع التأكيد على أن أجندة الوفد لا تقتصر على الكلمات الرسمية، بل تشمل أيضاً لقاءات سياسية ودبلوماسية واقتصادية مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين. كما أوضحت الأمم المتحدة أن الدورة الحالية افتُتحت في 8 سبتمبر 2026، فيما يُعقد أسبوعها رفيع المستوى خلال سبتمبر، تحت شعار يركز على استعادة الثقة وإدارة التحول داخل المنظمة الدولية.

رسالة من السيسي إلى جوتيريش وتأكيد على دور مصر

أحد أبرز محطات الزيارة كان لقاء مدبولي مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، حيث نقل إليه رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي تتعلق بأولوية دعم السلم والأمن الدوليين، وتعزيز التنسيق بين مصر والأمم المتحدة في الملفات الإقليمية والدولية. وخلال اللقاء، شدد رئيس الوزراء على تقدير القاهرة لمواقف جوتيريش إزاء الحرب في قطاع غزة، وعلى أهمية استمرار الدور الأممي في مواجهة الانتهاكات التي تهدد الاستقرار الإقليمي.

اللقاء حضره أيضاً الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، والسفير إيهاب عوض، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، وهو ما يعكس أن التحرك المصري في نيويورك جرى بصورة مؤسسية منسقة بين رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية والبعثة الدائمة. ومن جانبه، عبّر جوتيريش عن تقديره للرئيس السيسي ولدور مصر داخل الأمم المتحدة، مؤكداً مكانة القاهرة باعتبارها أحد الأطراف الرئيسية الداعمة للاستقرار والعمل متعدد الأطراف.

غزة في قلب التحرك المصري

الملف الفلسطيني ظل حاضراً بقوة في تحركات الوفد المصري. فالقاهرة تربط بين أي حديث عن الأمن الإقليمي وبين ضرورة وقف الحرب في قطاع غزة، وضمان النفاذ الكامل للمساعدات الإنسانية، والتمسك بمسار سياسي يؤدي إلى تسوية عادلة ودائمة. وفي هذا السياق، شاركت مصر في اجتماعات ولقاءات متعددة على هامش الدورة الأممية، أعادت خلالها التأكيد على أن القضية الفلسطينية تبقى جوهر الاستقرار في الشرق الأوسط.

كما جاء هذا التوجه متسقاً مع البيان المشترك الصادر عن الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا في نيويورك يوم 21 سبتمبر 2026، والذي شدد على مركزية القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. هذا التناغم بين المسارين المصري والعربي يعكس محاولة القاهرة توسيع دائرة الضغط الدبلوماسي من داخل الأمم المتحدة وخارجها.

منع اتساع الصراع مع إيران أولوية مصرية

إلى جانب غزة، برزت مسألة خفض التصعيد مع إيران كأحد العناوين البارزة في التحرك المصري. فوزارة الخارجية المصرية كثفت خلال الأسابيع الأخيرة اتصالاتها مع طهران وشركاء إقليميين ودوليين، في محاولة لدعم المسار الدبلوماسي ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. وأكدت القاهرة أكثر من مرة أن الحوار هو الطريق الوحيد لمعالجة التوترات، مع رفض أي اعتداءات تمس سيادة الدول العربية أو أمن الخليج.

وفي هذا الإطار، دعمت مصر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ورحبت بالدور العماني في استضافة جولات التفاوض، كما شددت في اتصالات وزير الخارجية بدر عبد العاطي على أهمية البناء على مذكرة التفاهم الموقعة في 18 يونيو 2026، وصولاً إلى اتفاق شامل ومستدام يعزز الاستقرار الإقليمي. لذلك، فإن الحديث عن “وقف الحرب مع إيران” في التغطية السياسية المصرية لا ينفصل عن رؤية أوسع تتبناها القاهرة قوامها منع التوسع العسكري للأزمات وفتح المجال أمام التسويات السياسية.

التنمية والحق فيها.. رسالة مصر من على منبر الأمم المتحدة

لم يقتصر الحضور المصري على الملفات الأمنية والسياسية فقط، بل امتد أيضاً إلى ملف التنمية بوصفه جزءاً من رؤية القاهرة لدور الأمم المتحدة. فقد ألقى مدبولي كلمة مصر خلال الاجتماع رفيع المستوى للاحتفال بالذكرى الأربعين للإعلان الخاص بالحق في التنمية يوم 23 سبتمبر 2026، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل استمرار النزاعات والاحتلال والتهجير وتدمير البنية الأساسية.

وفي عرضه للتجربة المصرية، ركز رئيس الوزراء على أن الدولة وضعت المواطن في قلب العملية التنموية، مستشهداً بمشروعات البنية التحتية، والاستثمار في الصحة والتعليم، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، إلى جانب مبادرات تستهدف القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، وفي مقدمتها مبادرة “حياة كريمة”. هذا الخطاب يعكس رغبة مصر في الربط بين أجندتها الداخلية وبين النقاش الدولي بشأن العدالة التنموية، خاصة في وقت تواجه فيه الاقتصادات النامية ضغوطاً متزايدة بسبب الديون والتضخم والاضطرابات الجيوسياسية.

لقاءات ثنائية ورسائل إلى الشركاء

التحرك المصري في نيويورك لم يقتصر على قاعات الأمم المتحدة. فقد عقد مدبولي سلسلة لقاءات ثنائية، من بينها لقاء مع ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، جرى خلاله بحث العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك، مع تأكيد مصري واضح على أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. هذه الرسالة تحمل دلالة مهمة في ضوء التوترات الإقليمية الراهنة، وتوضح أن القاهرة تسعى إلى تثبيت موقعها كطرف داعم للاستقرار العربي الجماعي.

كما أن طبيعة المشاركة المصرية، التي جمعت بين الملفات السياسية والأمنية والتنموية، تعكس توجهاً عملياً يهدف إلى استخدام المنصة الأممية ليس فقط لعرض المواقف، بل أيضاً لتعزيز شبكة التحالفات والتحركات مع الشركاء الدوليين والإقليميين. وفي مثل هذه المحافل، تراهن مصر على وزنها السياسي التقليدي، وعلى دورها الجغرافي والدبلوماسي في أزمات غزة والسودان وأمن البحر الأحمر والخليج.

لماذا تكتسب مشاركة مصر أهمية خاصة هذه المرة؟

تأتي أهمية المشاركة المصرية في الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة من تزامنها مع لحظة إقليمية حساسة: حرب مستمرة في غزة، توترات مرتبطة بإيران وأمن الملاحة، وضغوط اقتصادية عالمية تؤثر مباشرة في الدول النامية، ومنها مصر. ولهذا بدا واضحاً أن القاهرة تريد توظيف وجودها في نيويورك لتوجيه عدة رسائل متوازية:

  • أولاً: التأكيد على أن وقف النزاعات شرط أساسي لأي حديث جاد عن التنمية.
  • ثانياً: الدفاع عن الحقوق الفلسطينية بوصفها قضية مركزية لا يمكن تجاوزها.
  • ثالثاً: دعم المسارات الدبلوماسية لاحتواء التوتر مع إيران ومنع اتساع الحرب في المنطقة.
  • رابعاً: الحفاظ على زخم العلاقات المصرية مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين.

في المحصلة، تكشف تحركات مصطفى مدبولي في الأمم المتحدة عن دبلوماسية مصرية تحاول الجمع بين إدارة الأزمات الإقليمية والدفاع عن أولويات الداخل المصري على الساحة الدولية. وبين رسالة السيسي إلى جوتيريش، ومواقف القاهرة من غزة وإيران، وخطابها حول الحق في التنمية، تبدو مشاركة مصر هذا العام محاولة واضحة لترسيخ صورة الدولة التي تتحرك سياسياً من أجل التهدئة، وتدافع في الوقت نفسه عن مصالحها القومية ورؤيتها للاستقرار في المنطقة.