مدبولي: لا خفض لقيمة الدعم ولا تقليص للأسر المستحقة
مدبولي يوضح موقف الحكومة من الدعم وسط نقاشات الإصلاح والحماية الاجتماعية
حسم رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي الجدل الدائر حول مستقبل الدعم في مصر، مؤكداً خلال مشاركته في فعاليات اليوم الثالث من منتدى مصر 2026 أن الحكومة لا تستهدف خفض قيمة الدعم، ولا تقليص عدد الأسر المستحقة، وإنما تعمل على تطوير آليات التوزيع بما يضمن وصول المساندة إلى الفئات التي تحتاجها فعلاً. وجاءت تصريحاته خلال جلسة حملت عنوان "ضبط الأسواق ومنظومة حماية اجتماعية أكثر فاعلية"، ضمن المنتدى المنعقد في العاصمة الإدارية الجديدة تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي.
هذا التوضيح اكتسب أهمية خاصة في ظل اتساع النقاش العام حول التحول من بعض أشكال الدعم العيني إلى صيغ أكثر مرونة، وفي وقت تواصل فيه الدولة مراجعة سياسات الحماية الاجتماعية لمواجهة آثار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. ووفق التصريحات الرسمية الصادرة الأربعاء 21 أكتوبر 2026، شدد مدبولي على أن جوهر التغيير المقترح لا يتعلق بالانتقاص من حقوق المستحقين، بل بتحسين كفاءة المنظومة وتوسيع قدرتها على الاستجابة لاختلاف احتياجات الأسر.
ما الذي قاله رئيس الوزراء تحديداً؟
بحسب ما عرضه مدبولي، فإن الدولة تنظر إلى برامج الحماية الاجتماعية باعتبارها جزءاً أساسياً من إدارة الإصلاح الاقتصادي، خاصة مع إدراكها أن بعض الشرائح تتحمل أعباء مباشرة من موجات الغلاء وتقلبات الأسواق. لذلك، أكد أن أي تطوير في منظومة الدعم النقدي السلعي يستند إلى مبدأ رئيسي: وصول الدعم لمستحقيه دون خفض في القيمة أو استبعاد جماعي للأسر.
وأوضح رئيس الوزراء أن الحكومة أجرت خلال الفترة الماضية مراجعات موسعة لتحديد حجم الأسر المستحقة بصورة أدق، بما يساعد على توجيه الموارد بكفاءة أعلى. كما أشار إلى أن نسبة كبيرة من الأسر المصرية ما زالت تستفيد من برامج الدعم، قائلاً إن المستفيدين يمثلون نحو 60% من إجمالي الأسر، وهو رقم يعكس اتساع شبكة الحماية الاجتماعية مقارنة بعدد كبير من الدول النامية.
وأضاف أن التصور الجاري مناقشته يقوم على منح الأسرة قيمة دعم تتيح لها اختيار السلع الأساسية التي تحتاجها، بدلاً من الاقتصار على قائمة محدودة من السلع، مع مراعاة المتغيرات السعرية ومعدلات التضخم عند تحديد القيمة المالية المخصصة لكل أسرة.
أرقام الدعم: من 32.8 مليار إلى 178 مليار جنيه
ومن بين أبرز ما كشفه مدبولي في كلمته، الأرقام الخاصة بتطور مخصصات الدعم التمويني ودعم الخبز خلال السنوات الماضية. ووفق ما أعلنه، ارتفع إجمالي المبلغ من نحو 32.8 مليار جنيه في عامي 2013 و2014 إلى 127 مليار جنيه في 2023، ثم 134 مليار جنيه في العام التالي، وصولاً إلى 160 مليار جنيه، قبل أن يبلغ نحو 178 مليار جنيه في 2026. هذه الأرقام تعزز رواية الحكومة بأن الاتجاه العام هو زيادة الإنفاق الاجتماعي، لا تقليصه.
كما ربط رئيس الوزراء بين هذا المسار وبين أولوية الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر منخفضة ومتوسطة الدخل، خصوصاً مع استمرار الضغوط العالمية على أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، وهي عوامل تنعكس بدرجات متفاوتة على اقتصادات القارة الأفريقية بأكملها، وليس على مصر وحدها.
تكافل وكرامة في صلب المشهد الاجتماعي
في عرضه لملف الحماية الاجتماعية، استشهد مدبولي ببرنامج تكافل وكرامة بوصفه أحد أبرز أدوات الاستهداف الاجتماعي في مصر. وأوضح أن البرنامج استفادت منه على مدار سنوات تطبيقه نحو 8.2 مليون أسرة، فيما يبلغ عدد الأسر المستفيدة حالياً حوالي 4.7 مليون أسرة. كما أشار إلى أن فلسفة البرنامج تقوم على المساندة مع التقييم الدوري، بما يساعد بعض الأسر على الخروج من دائرة الاحتياج حين تتحسن قدرتها على الكسب.
وتنسجم هذه التصريحات مع ما أعلنته الحكومة في فبراير 2026 عن حزمة حماية اجتماعية تتجاوز 40 مليار جنيه لدعم نحو 15 مليون أسرة حتى نهاية العام المالي 2025-2026، في إطار إجراءات موسعة لتخفيف أعباء المعيشة قبل رمضان وبعده. ويشير هذا إلى أن ملف الحماية الاجتماعية لا يُدار كإجراء موسمي فقط، بل كمسار مالي وإداري ممتد ضمن أولويات الموازنة العامة.
لماذا يهم هذا الملف في السياق الأفريقي؟
رغم أن التصريحات صدرت في مناسبة مصرية داخلية، فإن زاويتها الأفريقية واضحة؛ فجدل إصلاح الدعم لم يعد ملفاً محلياً فحسب، بل أصبح من أكثر القضايا حضوراً في اقتصادات القارة. دول أفريقية عديدة تواجه معضلة مزدوجة: الحفاظ على التوازن المالي من جهة، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تسعى القاهرة إلى تقديم نموذج يربط بين التحول الرقمي في إدارة الاستحقاق، وضبط الأسواق، وزيادة مرونة الدعم بدلاً من إلغائه.
وتشير البيانات الرسمية المصرية في 2026 إلى أن الدولة تتحرك أيضاً باتجاه دمج قواعد البيانات وتوسيع الرقمنة في الخدمات المرتبطة بالدعم، بما في ذلك منظومة البطاقة الموحدة وتحديث بيانات المستفيدين عبر المنصات الرقمية. هذا التوجه، إذا اكتمل، قد يصبح موضع متابعة من عواصم أفريقية أخرى تبحث عن أدوات أكثر دقة لاستهداف الفئات الأولى بالرعاية.
منتدى مصر 2026: منصة لشرح الأولويات الحكومية
يحظى منتدى مصر 2026 بأهمية خاصة لأنه قُدم رسمياً باعتباره مساحة لعرض أولويات الدولة ومناقشة السياسات العامة مع جمهور أوسع من المعنيين. ووفق البيانات الرسمية، انطلقت أعمال المنتدى في 19 أكتوبر 2026 وتستمر حتى 24 أكتوبر 2026 في العاصمة الإدارية الجديدة، مع جلسات تتناول الاقتصاد، والطاقة، والأسواق، والحماية الاجتماعية، وغيرها من الملفات المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
وكان مدبولي قد أكد قبل انطلاق المنتدى أن الحكومة تسعى من خلاله إلى مناقشة الأسئلة المطروحة في الشارع وشرح دوافع السياسات العامة، لا الاكتفاء بعرض منجزات تنفيذية. ومن هذه الزاوية، جاءت رسالته بشأن الدعم محاولة مباشرة لطمأنة المواطنين بأن الإصلاح الإداري للمنظومة لن يكون على حساب المستحقين.
ما الذي يمكن توقعه خلال الفترة المقبلة؟
المؤشرات الصادرة عن الحكومة توحي بأن المرحلة القادمة ستشهد استمرار العمل على ثلاثة مسارات متوازية:
- أولاً: تنقية قواعد البيانات وتحديثها لضمان توجيه الدعم للفئات الأحق.
- ثانياً: زيادة مرونة الدعم بما يسمح للأسرة باختيار احتياجاتها الأساسية وفق قيمة مالية محددة.
- ثالثاً: ربط الحماية الاجتماعية بإصلاحات أوسع تشمل الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والإسكان.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي على أن ملف الحماية الاجتماعية سيظل أولوية قصوى للحكومة خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع العمل على تدبير موارد إضافية للإنفاق الاجتماعي وتحسين مستوى معيشة المواطنين. وهذه الرسالة، وإن وُجهت إلى الداخل المصري، تحمل أيضاً بعداً أفريقياً مهماً: أن إدارة الدعم في زمن الأزمات لم تعد تقاس فقط بحجم الإنفاق، بل بقدرة الدولة على الوصول الدقيق والعادل إلى من يحتاجون المساندة فعلاً.