مدبولي: محطة الضبعة النووية تنقل حلم مصر إلى مرحلة التنفيذ
مدبولي: مشروع الضبعة النووية يجسد تحولًا استراتيجيًا في ملف الطاقة
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن محطة الضبعة النووية تمثل حلمًا راود المصريين لعقود طويلة، قبل أن ينتقل من مرحلة التصورات المؤجلة إلى التنفيذ الفعلي خلال السنوات الأخيرة. وجاءت تصريحات مدبولي في سياق متابعته لمستجدات المشروع، باعتباره أحد أكبر مشروعات الطاقة في مصر والمنطقة، وركيزة أساسية ضمن توجه الدولة نحو تنويع مصادر الكهرباء والاعتماد بصورة أكبر على الطاقة النظيفة.
وتحظى محطة الضبعة، الواقعة على الساحل الشمالي الغربي لمصر بمنطقة الضبعة في محافظة مطروح، باهتمام رسمي واسع، ليس فقط لأنها أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء في البلاد، بل لأنها أيضًا ترتبط بتعاون استراتيجي ممتد بين القاهرة وموسكو في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
من اتفاق 2015 إلى مراحل التنفيذ الحالية
الأساس القانوني والسياسي للمشروع يعود إلى 19 نوفمبر 2015، حين وقعت مصر وروسيا الاتفاق الحكومي الخاص بإنشاء وتشغيل محطة الضبعة النووية. وتوضح بيانات رسمية صادرة عن الجهات المصرية المعنية أن هذا الاتفاق أعاد إحياء البرنامج النووي السلمي المصري بعد سنوات طويلة من التأجيل، ليصبح المشروع أحد أبرز عناوين البنية التحتية الاستراتيجية في مصر الحديثة.
المشروع يضم 4 وحدات نووية من طراز VVER-1200، بقدرة إجمالية تصل إلى 4800 ميجاوات، بواقع 1200 ميجاوات لكل وحدة. وتؤكد المصادر الرسمية المصرية والدولية أن المحطة تستهدف دعم استقرار الشبكة الكهربائية، وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتوفير مصدر مستدام للكهرباء على المدى الطويل.
متى يبدأ تشغيل أول مفاعل؟
بحسب ما أعلنه الدكتور مصطفى مدبولي خلال متابعة المشروع، فإن الجدول الزمني الحالي يستهدف بدء تشغيل أول مفاعل في النصف الثاني من عام 2028، على أن تتوالى الوحدات الأخرى بعد ذلك. ويعكس هذا الموعد حجم التقدم في الأعمال الإنشائية والفنية، خاصة مع استمرار تركيب المكونات الرئيسية والتجهيزات المرتبطة بالوحدة الأولى، إلى جانب استكمال الأعمال الخاصة بباقي الوحدات.
كما شهد المشروع خلال 19 نوفمبر 2025 محطة مهمة تمثلت في فعالية تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى، بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر تقنية الفيديو كونفرانس، بالتزامن مع ما تصفه الدولة المصرية بـالعيد المصري للطاقة النووية.
لماذا يمثل المشروع أهمية تتجاوز مصر؟
رغم أن المشروع مصري في موقعه واحتياجه الوطني، فإن أهميته تتجاوز الحدود المحلية إلى نطاق عربي وإقليمي أوسع. ففي وقت تواجه فيه دول المنطقة تحديات مرتبطة بأمن الطاقة، وتقلبات أسعار الوقود، وضغوط التحول إلى مصادر أقل انبعاثًا، تقدم تجربة الضبعة نموذجًا عربيًا لربط التنمية الاقتصادية بخيارات الطاقة طويلة الأجل.
هذا البعد الإقليمي يفسر الاهتمام بمتابعة المشروع عربيًا وأفريقيًا، خصوصًا أن مصر تمثل دولة محورية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، وأي تحول في هيكل إنتاج الكهرباء لديها يترك أثرًا على ملفات الصناعة والاستثمار والربط الكهربائي والتكامل الاقتصادي مع محيطها.
تنويع مزيج الطاقة
تربط الحكومة المصرية بين الضبعة وخطة أوسع لإعادة تشكيل مزيج الطاقة، بحيث ترتفع مساهمة الطاقات النظيفة والمتجددة والبديلة في منظومة الكهرباء. وفي هذا السياق، تحدثت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في 2026 عن استهداف وصول نسبة الطاقات المتجددة والنظيفة إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول 2028، وهو ما يضع المشروع النووي ضمن حزمة أوسع تشمل أيضًا التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
التعاون المصري الروسي في قلب المشروع
تتولى هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء إدارة الجانب المصري من المشروع، بينما تشارك مؤسسة روساتوم الروسية وشركاتها التابعة في التنفيذ والتجهيزات الفنية الرئيسية. وشهدت الشهور الأخيرة عدة اجتماعات ومراسم رسمية لمتابعة تقدم الأعمال، من بينها توقيع أمر شراء الوقود النووي للوحدة الأولى، واتفاقات تعاون فني مرتبطة بالمراحل المقبلة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن التعاون لا يقتصر على البناء فقط، بل يشمل أيضًا تأهيل الكوادر البشرية المصرية والتدريب الفني، بما يسمح بتطوير خبرات محلية قادرة على تشغيل المشروع ومتابعته وفق معايير الأمان والجودة النووية.
مؤشرات تقدم في 2026
خلال مايو 2026، أعلنت الجهات الرسمية المصرية وصول وعاء ضغط المفاعل الخاص بالوحدة النووية الثانية إلى الميناء التخصصي في الضبعة تمهيدًا لتركيبه لاحقًا خلال العام نفسه، وهو ما اعتُبر دليلًا إضافيًا على استمرار التنفيذ وفق الجداول المحددة. كما شهد فبراير 2026 اجتماعات متابعة موسعة بين مسؤولي هيئة المحطات النووية وممثلي الجانب الروسي للتأكيد على الالتزام بالمواعيد ومعايير الأمان النووي.
رسالة سياسية واقتصادية أوسع
تصريحات مدبولي حول أن الرئيس عبد الفتاح السيسي حقق حلم المصريين بإنشاء محطة الضبعة النووية تعكس قراءة سياسية للمشروع بوصفه قرارًا سياديًا طويل الأمد، وليس مجرد مشروع كهرباء تقليدي. فالمحطة ترتبط بفكرة استعادة مسار بدأ منذ منتصف القرن الماضي، ثم تعثر مرارًا، قبل أن يعود إلى الواجهة في إطار رؤية تعتبر التكنولوجيا النووية السلمية جزءًا من بناء الدولة الحديثة.
اقتصاديًا، تراهن مصر على أن يسهم المشروع في توفير كهرباء مستقرة لسنوات طويلة، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتخفيف الضغط الناتج عن الاعتماد المفرط على مصادر الوقود التقليدية. كما أن المشروع يبعث برسالة ثقة للمستثمرين بشأن قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات معقدة وعابرة للسنوات بالشراكة مع مؤسسات دولية كبرى.
ماذا يعني ذلك للمصريين والمنطقة العربية؟
بالنسبة للمواطن المصري، يظل العنوان الأبرز هو أن الضبعة النووية لم تعد فكرة مؤجلة، بل مشروعًا قائمًا يتقدم ميدانيًا. أما عربيًا، فإن المشروع يطرح نموذجًا مهمًا في كيفية تعامل دول المنطقة مع تحديات الطاقة والتنمية الصناعية والتحول المناخي في آن واحد.
- أولًا: يفتح الباب أمام نقاش عربي أوسع حول مستقبل الطاقة النووية السلمية.
- ثانيًا: يعزز موقع مصر كدولة تقود مشروعات بنية تحتية استراتيجية ذات أثر إقليمي.
- ثالثًا: يربط بين أمن الطاقة وأهداف التنمية المستدامة في سياق عربي يحتاج إلى حلول طويلة المدى.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية في أسواق الطاقة، تبدو محطة الضبعة أكثر من مجرد مشروع وطني؛ إنها عنوان لمرحلة جديدة تحاول فيها مصر تثبيت موقعها ضمن الدول التي تبني سياسات طاقة متنوعة، وتوازن بين الاحتياجات الاقتصادية والاعتبارات البيئية والاستراتيجية.