مدبولي من الأمم المتحدة: لا سلام دون دولة فلسطينية
مصر تجدد موقفها من نيويورك: الدولة الفلسطينية أولاً
حملت مشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، رسالة مصرية واضحة مفادها أن أي حديث جاد عن الاستقرار في الشرق الأوسط يظل ناقصاً ما لم يقترن بمسار سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وقد ترأس مدبولي وفد مصر نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماعات التي عُقدت يوم 24 سبتمبر 2026، وسط حراك دبلوماسي مكثف بشأن الحرب في غزة ومستقبل التسوية السياسية.
الموقف المصري الذي عرضه مدبولي في نيويورك لم يأتِ بمعزل عن التحركات الدولية الجارية داخل الأمم المتحدة، إذ شهدت الأيام الأخيرة اجتماعات رفيعة المستوى ركزت على إحياء حل الدولتين، بينما شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في 22 سبتمبر 2026 على أن الأساس المقبول دولياً ما زال هو حدود ما قبل 1967، مع بقاء غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وحدة سياسية وإدارية واقتصادية واحدة تحت حكومة فلسطينية شرعية.
رفض مصري للتهجير والضم وتوسيع الاستيطان
في صلب كلمة رئيس الوزراء برز التشديد على رفض مصر القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو فرض وقائع دائمة على الأرض عبر الضم أو التوسع الاستيطاني. هذا الطرح يتسق مع الخطاب المصري الرسمي المتكرر منذ اندلاع الحرب في غزة، والذي يربط بين وقف التصعيد الإنساني والعسكري وبين فتح أفق سياسي حقيقي، لا يكتفي بإجراءات مؤقتة أو تسويات أمنية محدودة. كما ينسجم مع الإطار الذي تتبناه الأمم المتحدة حالياً، والقائم على حماية وحدة الأراضي الفلسطينية ومنع أي تقليص لمساحة غزة أو فصلها عن الضفة الغربية.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية خاصة بالنسبة للمتابع المصري، لأن القاهرة تضع منذ أشهر ملفي وقف إطلاق النار والنفاذ الإنساني إلى غزة ضمن أولويات تحركها الخارجي، بالتوازي مع رفضها أي ترتيبات تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية أو تمس الأمن القومي المصري. وفي هذا السياق، يظل الحديث عن حل الدولتين بالنسبة لمصر ليس مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل جزءاً من تصور أوسع لأمن الإقليم ومنع انفجار دوائر جديدة من العنف.
إصلاح مجلس الأمن: أولوية أفريقية تتبناها القاهرة
إلى جانب الملف الفلسطيني، طرح مدبولي في نيويورك مسألة إصلاح مجلس الأمن الدولي، داعياً إلى توسيع العضوية الدائمة وغير الدائمة بما يضمن تمثيلاً أكثر عدالة للقارة الأفريقية. هذا المطلب ليس جديداً في الدبلوماسية المصرية أو الأفريقية، لكنه عاد بقوة إلى الواجهة في ظل تزايد الانتقادات لبطء المجلس وعجزه عن التعامل المتوازن مع أزمات كبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. الأمم المتحدة نفسها تؤكد أن المفاوضات الحكومية الدولية الخاصة بإصلاح المجلس مستمرة بقرارات متعاقبة من الجمعية العامة، ما يعكس أن الملف لا يزال مفتوحاً ولم يُحسم بعد.
ومن زاوية مصرية، فإن الدفع نحو تمثيل أفريقي أوسع داخل المجلس يعكس رؤية تعتبر أن القارة، رغم ثقلها السكاني والسياسي وتعرضها لنزاعات وأزمات ممتدة، ما زالت أقل من حيث التمثيل داخل أهم هيئة معنية بحفظ السلم والأمن الدوليين. لذلك بدا خطاب مدبولي في هذا الشق امتداداً لموقف مصري يدعو إلى تصحيح ما تصفه دول أفريقية بـ"الاختلال التاريخي" في بنية النظام الدولي.
لقاءات جانبية: الكويت في صدارة المشاورات
على هامش أعمال الجمعية العامة، عقد رئيس الوزراء سلسلة لقاءات ثنائية ومشاورات سياسية واقتصادية. ومن أبرز المحطات لقاءاته المرتبطة بالشق الكويتي، في وقت تؤكد فيه القاهرة باستمرار خصوصية العلاقات المصرية الخليجية، وارتباط أمن الخليج بالأمن القومي المصري. كما أظهرت أجندة نيويورك حضور ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد المبارك الصباح في اجتماعات الدورة الحالية للجمعية العامة، وهو ما يوضح أهمية التنسيق العربي والخليجي في هذا التوقيت الإقليمي الدقيق.
ووفقاً للمعطيات الرسمية المصرية، ركزت هذه اللقاءات على توسيع الاستثمار المباشر، وزيادة معدلات التبادل التجاري، وفتح مجالات أكبر أمام الشركات المصرية في الأسواق الخليجية، وهي ملفات تحظى باهتمام واسع في الداخل المصري مع سعي الحكومة إلى جذب تدفقات استثمارية جديدة ودعم نشاط القطاع الخاص في الخارج.
العلاقة مع بلغاريا: اقتصاد وطيران وطاقة
التحرك المصري في نيويورك لم يقتصر على الملفات العربية، بل شمل أيضاً لقاءات أوروبية، من بينها مباحثات مع نائبة الرئيس البلغاري إيلِيانا يوتوفا. وبحسب ما أوردته البيانات المتداولة حول اللقاء، تناول الجانبان سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، مع الإشارة إلى بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.5 مليار دولار خلال 2025، فضلاً عن مناقشة فرص التعاون في مجال الطاقة ومقترح تسيير رحلات طيران مباشرة بين القاهرة وصوفيا. كما كانت بلغاريا تستعد لدخول منطقة اليورو في يناير 2026، وهو تطور اقتصادي أوروبي مهم حضر في المناقشات.
هذا النوع من اللقاءات يعكس اتجاهاً مصرياً لتوظيف المشاركة في المحافل متعددة الأطراف من أجل دفع ملفات اقتصادية عملية، وليس فقط الاكتفاء بالمواقف السياسية. بالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا البعد مهم لأنه يربط بين نشاط الدبلوماسية المصرية في الخارج وبين فرص التجارة والاستثمار والنقل والطاقة.
تحرك مصري داخل أسبوع أممي مزدحم
تأتي كلمة مدبولي وتحركاته في وقت تشهد فيه الأمم المتحدة أسبوعاً مزدحماً بالنقاشات حول فلسطين ومستقبل المنظومة الدولية. فالدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة افتُتحت رسمياً في 8 سبتمبر 2026، فيما عُقد الاجتماع رفيع المستوى بشأن حل الدولتين في 22 سبتمبر 2026، وسط محاولات دولية لإعادة تثبيت المرجعيات السياسية للتسوية بعد شهور من الحرب والضغوط الإنسانية. كما أن تقارير الأمم المتحدة الأخيرة الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة شددت على أن غزة يجب أن تبقى جزءاً لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية، وأن أي ترتيب طويل الأمد يحتاج إلى أفق سياسي واضح ومؤسسات فلسطينية قادرة على الإدارة.
وفي الإطار نفسه، تواصل الأمم المتحدة متابعة تنفيذ القرارات ذات الصلة؛ إذ تُظهر وثائق مجلس الأمن أن القرار 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025 لا يزال ضمن المرجعيات الخاصة بالوضع في الشرق الأوسط، مع استمرار النقاش الأممي الأوسع بشأن الممرات الإنسانية والترتيبات المدنية والأمنية الدولية.
ما الذي تعنيه هذه المشاركة لمصر؟
يمكن قراءة مشاركة مصطفى مدبولي بوصفها تأكيداً مزدوجاً: أولاً، أن القاهرة متمسكة بخطها التقليدي في الدفاع عن إقامة الدولة الفلسطينية ورفض التهجير والتصفية السياسية للقضية؛ وثانياً، أن مصر تسعى في الوقت نفسه إلى استثمار حضورها الدولي في بناء شراكات اقتصادية أوسع ودعم مطالب الجنوب العالمي، خصوصاً أفريقيا، في إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية. وبين هذين المسارين، تحاول الدبلوماسية المصرية الحفاظ على دورها كطرف إقليمي مركزي يجمع بين الوساطة السياسية والدفع نحو الاستقرار والتنمية.
- سياسياً: تجديد مصري واضح للتمسك بحل الدولتين ورفض الضم والتهجير.
- أممياً: دعم إصلاح مجلس الأمن وتوسيع تمثيل أفريقيا داخل المنظومة الدولية.
- اقتصادياً: توظيف اللقاءات الثنائية لبحث الاستثمار والتجارة والطاقة والنقل.
- إقليمياً: التأكيد على ترابط أمن الخليج مع الأمن القومي المصري.
وبهذا، خرجت مشاركة رئيس الوزراء المصري في نيويورك برسالة متماسكة: لا استقرار حقيقياً في المنطقة من دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، ولا مصداقية كاملة للنظام الدولي من دون إصلاح مؤسساته بما يعكس موازين العالم الحالية، لا خرائطه القديمة.