Akhbar Cairo

مدبولي من الأمم المتحدة: مكافحة الفقر شرط للاستقرار

مدبولي يطرح رؤية مصر من نيويورك: لا استقرار حقيقي مع اتساع الفقر

جدد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال مشاركة مصر في أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التأكيد على أن الفقر واتساع فجوات عدم المساواة لم يعودا مجرد تحديين تنمويين، بل أصبحا من أخطر العوامل التي تقوض الاستقرار داخل الدول وعلى المستوى الدولي. وجاءت مشاركة مدبولي، الذي يترأس الوفد المصري نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات النامية بسبب أزمات التمويل والديون وارتفاع كلفة التنمية.

وتحمل الرسالة المصرية في الأمم المتحدة بعدًا واضحًا بالنسبة للقارئ المصري: فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بشعارات العدالة الاجتماعية، وإنما بكيفية حماية الدول النامية من دوائر الفقر المتوارث، وتقلبات الأسواق، والضغوط التمويلية التي تحد من قدرتها على الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية الأساسية وفرص العمل.

مصر في الدورة 81 للجمعية العامة

وبحسب ما أورده قطاع الإعلام الخارجي التابع للهيئة العامة للاستعلامات، فإن الدكتور مصطفى مدبولي يترأس الوفد المصري في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، ضمن أعمال الشق رفيع المستوى المنعقدة في نيويورك خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر 2026. كما أوضحت الأمم المتحدة أن المناقشات العامة للدورة الحالية تُعقد من 22 إلى 26 سبتمبر ثم 28 سبتمبر 2026، تحت رئاسة خليل الرحمن، رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة.

هذه المشاركة المصرية تأتي في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية، حيث تسعى القاهرة إلى طرح مواقفها بشأن قضايا الأمن والتنمية والتمويل الدولي من منبر أممي يشهد هذا الأسبوع حضور ممثلي الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة.

رسالة مصر: إصلاح التمويل الدولي لم يعد قابلًا للتأجيل

في صلب الموقف الذي عبّر عنه مدبولي، برزت دعوة مصر إلى إصلاح النظام المالي الدولي بصورة تجعله أكثر عدالة واستجابة لأولويات الدول النامية، خاصة دول الجنوب العالمي. هذا الطرح يتسق مع نقاشات أممية متصاعدة حول اختلالات هيكل التمويل العالمي، من حيث كلفة الاقتراض، وتفاوت فرص الوصول إلى التمويل الميسر، وشروط الديون، وأثرها على قدرة الحكومات على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.

ومن منظور مصري، فإن الحديث عن إصلاح الهيكل المالي الدولي لا ينفصل عن واقع تعيشه كثير من الدول النامية، حيث ترتفع الاحتياجات التنموية في وقت تتقلص فيه الموارد المتاحة، بينما تبقى كلفة الاقتراض التجاري مرتفعة مقارنة بالدول المتقدمة. لذلك شدد رئيس الوزراء على ضرورة تعزيز التعددية والتعاون الدولي بدلًا من ترك الدول الأضعف تواجه أزماتها منفردة.

لماذا يربط مدبولي بين الفقر والاستقرار؟

الربط بين الفقر والاستقرار لم يأتِ من فراغ. فالأمم المتحدة نفسها تؤكد في وثائقها الحديثة أن تباطؤ التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة يرتبط مباشرة بأزمات الديون، والصدمات المناخية، والنزاعات، واتساع التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. وفي فعالية SDG Moment التي عُقدت يوم 18 سبتمبر 2026 بمقر الأمم المتحدة، جرى التشديد على أن نقص التمويل والصدمات المتلاحقة وعدم المساواة ما زالت تعرقل التقدم نحو أجندة 2030.

كما أظهر تحديث سبتمبر 2026 لتقرير الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، أن الاقتصاد العالمي ما زال ينمو بوتيرة متواضعة، مع توقع نمو يبلغ 2.6% في عام 2026 و2.9% في 2027، في ظل مخاطر كبيرة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وتقلص الحيز المالي لدى كثير من الحكومات. وهذه المؤشرات تفسر لماذا تركز دول مثل مصر على أن التنمية والعدالة الاقتصادية ليستا ملفًا اجتماعيًا فقط، بل مسألة أمن واستقرار.

أجندة الجنوب العالمي في الواجهة

ما طرحه مدبولي يعكس أيضًا اتساع حضور مفهوم الجنوب العالمي في الخطاب السياسي والاقتصادي الدولي. فالدول النامية باتت تطالب بشكل أوضح بإعادة النظر في قواعد التمويل والتجارة والمؤسسات متعددة الأطراف، بما يضمن تمثيلًا أعدل لمصالحها ويمنحها قدرة أكبر على تمويل انتقالها التنموي.

وبالنسبة لمصر، فإن هذا الخطاب يتسق مع تحركاتها الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة، سواء في المحافل الأممية أو ضمن الأطر الإفريقية والعربية، للدفع نحو مقاربة تنموية تأخذ في الاعتبار خصوصية الاقتصادات الناشئة واحتياجاتها الفعلية، بدلًا من تطبيق وصفات موحدة لا تراعي فروق البنية الاقتصادية والاجتماعية بين الدول.

الشق المصري: التنمية العادلة أساس الأمن الوطني

في القراءة المصرية، فإن مواجهة الفقر وعدم المساواة لا تتعلق فقط بالعلاقات الدولية، بل تنعكس داخليًا على قدرة الدولة على تعزيز التماسك المجتمعي وتوسيع الحماية الاجتماعية وخلق بيئة اقتصادية أكثر توازنًا. ولهذا تحرص القاهرة، في خطابها الخارجي، على الربط بين أولوياتها الوطنية وبين إصلاحات أوسع على مستوى الاقتصاد الدولي.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة مع استمرار النقاشات العالمية حول تمويل التنمية قبل الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في عام 2030. فالأمم المتحدة تشير إلى أن التقدم ما زال بطيئًا وغير متكافئ، وأن عددًا معتبرًا من الأهداف لا يسير بالسرعة المطلوبة، وهو ما يجعل دعوات الدول النامية لإصلاح قواعد التمويل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

أبرز النقاط التي ركزت عليها الرسالة المصرية

  • الفقر وعدم المساواة يمثلان تهديدًا مباشرًا للاستقرار والسلم الاجتماعي.
  • إصلاح النظام المالي الدولي ضرورة لتوفير تمويل عادل ومتاح للدول النامية.
  • تعزيز التعددية والتعاون بين الدول والمؤسسات الدولية بدلًا من المعالجات المنفردة.
  • الاستجابة لاحتياجات الجنوب العالمي يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي إصلاح اقتصادي دولي.
  • التنمية المستدامة لا يمكن فصلها عن العدالة الاقتصادية وتقليص الفجوات الاجتماعية.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟

بالنسبة للمشهد المصري، فإن تصريحات مدبولي في الأمم المتحدة تحمل أكثر من رسالة. الأولى سياسية، وتؤكد استمرار انخراط القاهرة في النقاشات الدولية الكبرى من زاوية الدفاع عن مصالح الدول النامية. والثانية اقتصادية، وتتمثل في الدفع نحو بيئة تمويلية عالمية أكثر توازنًا تسمح للدول، ومنها مصر، بتنفيذ خطط التنمية دون الوقوع تحت ضغوط تمويلية خانقة. أما الرسالة الثالثة فهي اجتماعية، ومفادها أن معركة تقليص الفقر والفوارق ليست ترفًا سياسيًا، بل أساسًا من أسس الاستقرار.

ومع انطلاق المناقشات العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في 22 سبتمبر 2026، تبدو القاهرة حريصة على تثبيت هذا المنظور في المحافل الدولية: لا أمن بلا تنمية، ولا تنمية مستدامة بلا عدالة، ولا عدالة في ظل نظام مالي عالمي لا يمنح الدول النامية فرصًا متكافئة.

وفي ظل عالم يزداد اضطرابًا، فإن الرسالة التي حملها مدبولي من نيويورك تبدو شديدة الوضوح: إذا أراد المجتمع الدولي حماية الاستقرار، فعليه أن يبدأ من الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمات، وفي مقدمتها الفقر، وعدم المساواة، وعجز منظومة التمويل الدولية عن مواكبة احتياجات الواقع الجديد.