Akhbar Cairo

مدبولي يبحث الإصلاح والاستثمار وتحسن ميزان المدفوعات

مدبولي يضع أولويات الاقتصاد المصري على الطاولة

ترأس الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مساء الإثنين 7 سبتمبر 2026، اجتماع المجموعة الوزارية الاقتصادية بمقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة، لمناقشة حزمة من الملفات التي تمثل أولوية مباشرة للاقتصاد المصري خلال المرحلة الحالية، وفي مقدمتها برنامج الإصلاح الاقتصادي، وأداء ميزان المدفوعات، وتطورات الاستثمار، إلى جانب متابعة الجاهزية الحكومية للحفاظ على استقرار الأسواق وتوافر السلع الأساسية.

ويعكس الاجتماع استمرار الرهان الحكومي على إدارة الملفات الاقتصادية عبر تنسيق مؤسسي بين الوزارات المعنية والبنك المركزي، خصوصا في ظل بيئة إقليمية مضطربة تضغط على سلاسل الإمداد والتجارة وحركة رؤوس الأموال. وبحسب ما عُرض خلال الاجتماع، فإن الحكومة ماضية في تنفيذ برنامجها الوطني للإصلاح الاقتصادي مع الحرص على التوازن بين الاستقرار الكلي والحماية الاجتماعية، وهي المعادلة التي باتت محور الخطاب الرسمي الاقتصادي في مصر خلال الأشهر الأخيرة.

من حضر الاجتماع؟

ضم الاجتماع عددا من أبرز المسؤولين الاقتصاديين في الدولة، بينهم الدكتور حسين عيسى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وحسن عبد الله محافظ البنك المركزي المصري، وأحمد كجوك وزير المالية، والدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، والدكتور محمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والمهندس خالد هاشم وزير الصناعة، إلى جانب مسؤولي الرقابة المالية ووزارة الخارجية ووزارة المالية والبنك المركزي.

هذا الحضور يعكس طبيعة الملفات المطروحة، إذ تجمع بين السياسة النقدية، والانضباط المالي، وتيسير الاستثمار، وتأمين السلع، وهي كلها ملفات متشابكة بالنسبة للمواطن والسوق في آن واحد. فمناقشة ميزان المدفوعات مثلا لا تنفصل عن تحويلات المصريين بالخارج، والصادرات، والسياحة، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، كما أن استقرار الأسواق المحلية يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على إدارة الواردات والمخزون الاستراتيجي.

تحسن محدود في عجز ميزان المدفوعات

أبرز ما خرج به الاجتماع كان استعراض تقرير عن تطور أداء ميزان المدفوعات خلال الفترة من يوليو إلى مارس من العام المالي 2025/2026. ووفقا لما تم عرضه، تراجع العجز الكلي في ميزان المدفوعات إلى نحو 1.8 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، وهو تحسن محدود رقميا لكنه يحمل دلالة على قدرة بعض مصادر النقد الأجنبي على تعويض جزء من الضغوط الخارجية.

كما أشار العرض إلى ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو الثلث خلال أول تسعة أشهر من العام المالي 2025/2026، فضلا عن دعم قادم من نمو إيرادات السياحة وزيادة الصادرات البترولية وغير البترولية. وفي اجتماع سابق للمجموعة الاقتصادية خلال صيف 2026، جرى الإعلان عن قفزة تحويلات المصريين بالخارج إلى نحو 34.9 مليار دولار بزيادة 32%، إلى جانب ارتفاع الإيرادات السياحية إلى 14.4 مليار دولار، وهو ما يوضح الخلفية التي تستند إليها الحكومة في تقييم تحسن موارد النقد الأجنبي.

القطاع الخاص والطروحات في قلب النقاش

أكد مدبولي خلال الاجتماع أن الحكومة مستمرة في الدفع نحو نمو يقوده القطاع الخاص، مع تسريع برنامج الطروحات وتحسين بيئة الأعمال، بما يرفع جاذبية السوق المصرية أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية. وهذه النقطة تحديدا تحظى بمتابعة وثيقة من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، الذي شدد في أحدث مراجعاته على ضرورة تسريع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتقليص بصمة الدولة في النشاط الاقتصادي لفتح مساحة أكبر أمام المستثمرين.

وكان المجلس التنفيذي للصندوق قد أعلن في 30 يوليو 2026 استكمال المراجعة السابعة لبرنامج مصر ضمن تسهيل الصندوق الممدد، مع الإشارة إلى أن الإصلاحات المرتبطة بمناخ الأعمال وتيسير التجارة والمنافسة تظل ضرورية لجذب الاستثمار ورفع الإنتاجية. وفي الوقت نفسه، لفت الصندوق إلى أن التقدم في بعض بنود التخارج والطروحات ما زال أبطأ من المستهدف، وهي ملاحظة تتقاطع مباشرة مع ما تتابعه المجموعة الوزارية الاقتصادية داخليا.

اتفاق تيسير الاستثمار مع الاتحاد الأوروبي

ملف آخر حاز مساحة مهمة في الاجتماع تمثل في اتفاقات تيسير الاستثمار المستدام مع الاتحاد الأوروبي. وناقش الاجتماع تطورات هذا المسار في ضوء سعي مصر إلى جعل بيئة الاستثمار أكثر شفافية وسرعة ووضوحا بالنسبة للمستثمرين، سواء عبر إتاحة المعلومات أو تبسيط الإجراءات أو تحسين التنسيق بين الجهات الحكومية.

ووفقا لما عرضه وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، فإن موافقة مصر على الانضمام إلى اتفاق تيسير الاستثمار في أكتوبر 2025 جاءت كإشارة موجهة للأسواق الدولية بأن القاهرة تتحرك نحو بيئة أعمال أكثر تنافسية. هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في توقيت تسعى فيه مصر إلى جذب تدفقات استثمارية جديدة في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة، مع الاستفادة من موقعها الجغرافي واتفاقاتها التجارية الواسعة.

استقرار الأسواق والمخزون الاستراتيجي

في الشق المرتبط بالحياة اليومية للمواطنين، شدد الاجتماع على استمرار التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق والحفاظ على المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية عند مستويات آمنة. وتأتي هذه الرسالة في توقيت حساس، مع استمرار تداعيات التوترات الإقليمية على سلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتجارة العالمية، وهي عوامل تنعكس سريعا على تكلفة الاستيراد وتوافر بعض السلع في الأسواق الناشئة.

ومن الناحية السياسية والاقتصادية، يحمل هذا التأكيد بعدين متوازيين: الأول طمأنة السوق المحلية بأن الحكومة تتابع ملف الإمدادات بشكل استباقي، والثاني توجيه إشارة إلى المستثمرين بأن إدارة المخاطر اللوجستية والسلعية جزء من أولويات الدولة في المرحلة الراهنة. وفي مصر، يظل هذا الملف شديد الحساسية لأنه يتصل مباشرة بأسعار الغذاء والقدرة الشرائية ومستويات التضخم.

ماذا يعني الاجتماع للاقتصاد المصري؟

أهمية هذا الاجتماع لا تكمن فقط في القرارات الفورية، بل في كونه يعكس اتجاه الحكومة نحو متابعة أسبوعية أو دورية للملفات الاقتصادية الكبرى من خلال مجموعة وزارية مشكلة رسميا برئاسة رئيس الوزراء. وكان مدبولي قد أصدر في أبريل 2026 قرارا بإعادة تشكيل المجموعة الوزارية الاقتصادية برئاسته، على أن تجتمع بصفة منتظمة وكلما دعت الحاجة.

وفي القراءة الأوسع، فإن ما ناقشته المجموعة الاقتصادية يوضح أن الأولوية المصرية حاليا تتمحور حول أربعة مسارات متوازية:

  • تحسين المؤشرات الخارجية عبر دعم تحويلات العاملين بالخارج، والسياحة، والصادرات، والاستثمار الأجنبي المباشر.
  • استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتنسيق مع البنك المركزي وصندوق النقد الدولي.
  • تهيئة بيئة الأعمال وتسريع التيسيرات والإجراءات لجذب القطاع الخاص.
  • حماية السوق المحلية عبر تأمين المخزون الاستراتيجي والحفاظ على تدفق السلع.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن انعكاس هذه الملفات سيظهر في مؤشرات أساسية يراقبها الجميع يوميا: سعر السلع، وفرص الاستثمار والتشغيل، قدرة الدولة على جذب العملة الأجنبية، ومستوى الاستقرار الاقتصادي العام. لذلك، فإن اجتماع 7 سبتمبر 2026 ليس مجرد لقاء حكومي روتيني، بل محطة مهمة في متابعة كيفية إدارة مصر لتوازن دقيق بين الإصلاح، والنمو، والحماية الاجتماعية، وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب.