Akhbar Cairo

مدبولي يتابع استراتيجية جذب الاستثمار الأجنبي المباشر حتى 2030

مدبولي يراجع مسار استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر حتى 2030

تتحرك الحكومة المصرية خلال الفترة الحالية نحو استكمال إطار وطني أكثر وضوحًا لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، في ضوء مراجعات يقودها رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، مع التركيز على رفع تنافسية الاقتصاد، تخفيف الأعباء على المستثمرين، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص في النمو. ويأتي هذا التوجه ضمن مسار ممتد يرتبط بأهداف رؤية مصر 2030 وبرنامج عمل الحكومة، وبما يتسق مع الإصلاحات الاقتصادية الجارية.

وبحسب ما أعلنته رئاسة الجمهورية في 1 يونيو 2025، اطّلع الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ضم الدكتور مصطفى مدبولي، ووزراء المجموعة الاقتصادية المعنيين، على الخطوات التنفيذية الرامية إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من خلال استراتيجية استثمار وطنية موحدة تشمل إصلاحات هيكلية، وسياسات مستقرة، وحوافز مالية، وسياسات تجارية منفتحة، مع مواصلة التحول الرقمي وتيسير إجراءات التراخيص عبر منصة موحدة للخدمات الإلكترونية للمستثمرين. كما شدد الاجتماع على أهمية تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي لجذب الاستثمارات وفق الأولويات الوطنية.

ما الذي تستهدفه الاستراتيجية الجديدة؟

المؤشرات الرسمية المتاحة تكشف أن الاستراتيجية المصرية الخاصة بالاستثمار الأجنبي المباشر تمتد للفترة 2025-2030، وليست مجرد معالجة قصيرة الأجل. ووفق وثائق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، يجري إعداد استراتيجية شاملة بدعم فني من مجموعة البنك الدولي، بهدف تحسين بيئة الأعمال وزيادة تنافسية الاقتصاد المصري، مع العمل على تنويع التدفقات الاستثمارية ورفع وزن القطاعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا. وتشير الوثيقة التنفيذية إلى أن الاستراتيجية تعتمد تصنيفًا منهجيًا للقطاعات ذات الأولوية، وتغطي 13 قطاعًا اقتصاديًا، من بينها 8 قطاعات جاهزة للترويج الفوري و5 قطاعات تحتاج إلى إصلاحات إضافية قبل جذب استثمارات واسعة.

وتقوم هذه الرؤية، وفق الوثائق الحكومية، على عدة مرتكزات رئيسية، أبرزها: الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتحسين قابلية التنبؤ بالسياسات، وتبسيط إجراءات التراخيص، وتطوير سلاسل التصدير والاستيراد، وتوفير الأراضي والمرافق، ورفع المهارات، وتوسيع أدوات التمويل طويل الأجل. كما تتضمن تعزيز دور الترويج الاستثماري القائم على الاستهداف القطاعي بدلًا من الاكتفاء بالترويج العام.

دور الهيئة العامة للاستثمار والبنك الدولي

في هذا السياق، لعبت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة دورًا محوريًا في صياغة الملامح التنفيذية للاستراتيجية. ففي 23 أكتوبر 2024، استضافت الهيئة ورشة عمل موسعة لمناقشة وثيقة التوجهات الاستراتيجية الخاصة بخارطة طريق إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر 2025-2030، وذلك بالتعاون مع البنك الدولي. وأوضحت الهيئة أن هذه الخطوة تأتي تنفيذًا لقرارات المجلس الأعلى للاستثمار، وضمن جهود الدولة لتحسين مناخ الاستثمار وتحديد القطاعات ذات الأولوية بما يخدم أهداف التنمية المستدامة.

كما استضافت الهيئة قبل ذلك اجتماعات مكثفة مع بعثة من البنك الدولي، بمشاركة وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، وممثلين عن القطاع الخاص وجهات حكومية معنية، في إطار إعداد استراتيجية وطنية شاملة للفترة نفسها. ويعكس ذلك أن الملف لا يُدار باعتباره مجرد خطة ترويجية، بل باعتباره برنامجًا مؤسسيًا يتداخل فيه الإصلاح التشريعي والإجرائي مع الترويج والاستهداف القطاعي.

تمكين القطاع الخاص في قلب الخطة

أحد أبرز العناوين في التحرك الحكومي الحالي هو تمكين القطاع الخاص. فالحكومة تربط بين جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وبين بناء شراكات أوسع مع المستثمر المحلي، خصوصًا في القطاعات الإنتاجية القابلة للتصدير. هذا التوجه ظهر بوضوح في عرض الحكومة للسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، التي تضع القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو والتشغيل، إلى جانب التركيز على التصنيع والتصدير والتطور الهيكلي للاقتصاد.

وفي الإطار نفسه، أكد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب أن الدولة تتبنى نهجًا أكثر استباقية في جذب الاستثمارات، يعتمد على الاستهداف المباشر للمستثمرين والشركات العالمية وفق احتياجات الاقتصاد المصري والقطاعات ذات الأولوية. كما شدد على أهمية تحسين دقة بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر بما يرفع كفاءة صنع القرار الاقتصادي ويعزز الثقة لدى المستثمرين والمؤسسات الدولية.

أرقام تعكس أهمية الملف

من الناحية الكمية، تُظهر البيانات الرسمية استمرار أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر كأحد مصادر التمويل الخارجي للاقتصاد المصري. وتشير بوابة السلاسل الزمنية في البنك المركزي المصري إلى تحديث بيانات صافي الاستثمار الأجنبي المباشر حتى السنة المالية 2025/2026، بينما يعرض الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء على صفحته الرئيسية رقمًا قدره 3.8 مليار دولار كقيمة للاستثمارات الأجنبية خلال الربع الثالث من السنة المالية 2024/2025.

وفي وثيقة السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، تضع الحكومة هدفًا أوسع يتمثل في جذب استثمارات مباشرة بنحو 100 مليار دولار خلال الفترة 2024-2030، مع مضاعفة مساهمة هذه الاستثمارات في الناتج المحلي الإجمالي. ويعطي ذلك فكرة عن حجم الرهان الرسمي على أن تصبح مصر أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل، لا سيما في قطاعات الصناعة، والخدمات، والطاقة، والاقتصاد الأخضر، والأنشطة كثيفة التكنولوجيا.

لماذا تركز الحكومة الآن على تبسيط الإجراءات؟

الرسالة الحكومية الأساسية في هذا الملف تبدو واضحة: المستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز، بل عن سرعة الإجراءات واستقرار القواعد. لذلك حضرت بقوة في الاجتماعات الرسمية ملفات مثل توحيد جهة التحصيل، تخفيف الأعباء غير الضريبية، إطلاق منصة موحدة للتراخيص الإلكترونية، وتبسيط الموافقات المرتبطة ببدء النشاط والتوسع. كما جرى التأكيد رسميًا على توفير الطاقة اللازمة للاستثمار، وهو عنصر حاسم لعدد من القطاعات الصناعية والخدمية التي تستهدفها الدولة في مرحلة ما قبل 2030.

  • تبسيط التراخيص: عبر منصة رقمية موحدة لتقليل زمن الحصول على الموافقات.
  • خفض الأعباء: خاصة الرسوم والتكاليف غير الضريبية التي تؤثر على جدوى الاستثمار.
  • استهداف القطاعات: بدل الترويج العام، يجري التركيز على القطاعات الأعلى قدرة على توليد قيمة مضافة.
  • تعميق الشراكة: مع القطاع الخاص المحلي باعتباره شريكًا في التوسع والنمو والتشغيل.

ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد المصري؟

إذا اكتملت الاستراتيجية بالصورة التي تشير إليها الوثائق والاجتماعات الرسمية، فإن مصر ستكون أمام إطار أكثر تنظيمًا لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، يعتمد على تحديد أولويات واضحة، وربط الحوافز بالإصلاح، وتحويل الترويج الاستثماري إلى عملية انتقائية تستهدف المستثمر المناسب في القطاع المناسب. وهذا مهم بشكل خاص في ظل المنافسة الإقليمية الحادة على رؤوس الأموال، وتغير اتجاهات الاستثمار العالمية نحو الأسواق التي توفر بنية تحتية قوية، وإجراءات أسرع، وقدرة أعلى على التصدير.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا تقتصر على الأرقام وحدها، بل تمتد إلى تأثيره المحتمل على فرص العمل، وتوسيع القاعدة الصناعية، وزيادة الصادرات، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز موارد النقد الأجنبي. ولهذا يبدو تحرك الحكومة لمراجعة الاستراتيجية حتى عام 2030 جزءًا من محاولة أوسع لإعادة صياغة نموذج النمو، بحيث يصبح أكثر اعتمادًا على الاستثمار الإنتاجي والشراكة مع القطاع الخاص.

يُذكر أن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، يقود من مقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة عددًا من الاجتماعات المرتبطة بملفات الصناعة والاستثمار والتجارة، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الرسمية أن المرحلة المقبلة ستركز على التنفيذ العملي وربط الخطط بمؤشرات أداء واضحة ومواعيد زمنية محددة، بما يضمن انتقال الاستراتيجية من الأوراق إلى النتائج على الأرض. وإذا أعلنت الحكومة النسخة النهائية من الاستراتيجية خلال الفترة المقبلة، فستكون من بين الوثائق الاقتصادية الأكثر تأثيرًا في تحديد خريطة الاستثمار في مصر حتى نهاية العقد الحالي.