Akhbar Cairo

مدبولي يحسم الجدل: قناة السويس أصل سيادي لا يقبل المقايضة

مدبولي يرفض مقترحات مقايضة الأصول السيادية ويؤكد: قناة السويس ليست محل تفاوض

حسم الدكتور مصطفى مدبولي الجدل المثار في مصر خلال الأيام الأخيرة حول ما تردد عن أفكار تتعلق بمقايضة بعض أصول الدولة بالديون، مؤكدًا أن قناة السويس تمثل أصلًا سياديًا مملوكًا للشعب المصري ولا يجوز المساس بها أو حتى طرح فكرة رهنها أو مقايضتها. وجاءت تصريحات رئيس مجلس الوزراء، الخميس 3 سبتمبر 2026، لتغلق الباب أمام أي تأويلات بشأن موقف الحكومة من هذا الملف، مع التشديد على أن ما طُرح في هذا السياق لا يعبر عن سياسة رسمية للدولة.

وأوضح مدبولي أن رجل الأعمال حسن هيكل ليس مستشارًا لرئيس الوزراء، كما جرى تداوله في بعض المناقشات، بل هو عضو في اللجنة الاستشارية الاقتصادية التي تضم عددًا من الأعضاء والخبراء من توجهات مختلفة، وتُطرح داخلها رؤى واجتهادات متعددة من دون أن يعني ذلك تبني الحكومة لها. وأضاف أن من حق أي شخصية عامة أو خبير اقتصادي أن يطرح تصورًا أو اجتهادًا، لكن يجب التفرقة بوضوح بين الرأي الشخصي وبين الموقف الرسمي للدولة المصرية.

ما الذي قالته الحكومة رسميًا؟

اللافت أن موقف الحكومة لم يقتصر على التصريحات الشفوية فقط، بل سبقه أيضًا توضيح رسمي صدر عن مجلس الوزراء يوم 30 أغسطس 2026، أكد أن ما جرى تداوله بشأن نقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي المصري مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية، لا يعدو كونه رؤية شخصية لصاحبها ولا يمثل بأي حال من الأحوال توجهًا تتبناه الحكومة. وشدد البيان على أن القناة ليست محلًا لأي طرح من هذا النوع، وأنه لا توجد توجهات حكومية لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات.

وفي هذا السياق، وصفت الحكومة قناة السويس بأنها مرفق عام استراتيجي ذو طبيعة خاصة، يرتبط بصورة مباشرة بالسيادة المصرية والأمن القومي، فضلًا عن كونها عنصرًا محوريًا في الاقتصاد الوطني وفي حركة التجارة العالمية. وهذه الصياغة الرسمية تكشف أن المسألة لا تُقرأ فقط من زاوية مالية أو محاسبية، بل من زاوية أوسع تتعلق بمكانة المجرى الملاحي في بنية الدولة المصرية ودورها الإقليمي والدولي.

قناة السويس: لماذا تظل الملف الأكثر حساسية؟

تحتل قناة السويس موقعًا استثنائيًا في الاقتصاد المصري وفي شبكة التجارة البحرية الدولية، لذلك فإن أي نقاش يتعلق بملكيتها أو إدارتها يثير حساسية سياسية وشعبية واسعة داخل مصر وخارجها. ووفق بيانات رسمية نقلها موقع الهيئة العامة للاستعلامات، حققت القناة إيرادات مجمعة بلغت نحو 39.919 مليار دولار خلال الفترة من 2019 إلى 2024، مع عبور أكثر من 121.9 ألف سفينة بإجمالي حمولات صافية تجاوزت 7.154 مليار طن خلال الفترة نفسها.

لكن أهمية القناة لا تُقاس فقط بحجم الإيرادات. فالتطورات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب ألقت بظلالها على الملاحة خلال عام 2024، وأعلنت الرئاسة المصرية في 26 ديسمبر 2024 أن إيرادات القناة خلال ذلك العام انخفضت بأكثر من 60% مقارنة بعام 2023، بما يعني خسائر قاربت 7 مليارات دولار نتيجة الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها على حركة السفن العالمية. هذه الأرقام أعادت التذكير بأن القناة ليست مجرد أصل اقتصادي، بل ورقة استراتيجية ترتبط باستقرار الإقليم وسلاسل الإمداد الدولية.

الأصول السيادية بين الاستثمار والحماية

الموقف الذي عبّر عنه مدبولي لا يعني، بحسب ما تؤكده الدولة، تجميد الاستفادة من الأصول العامة أو وقف تعظيم عوائدها، بل التمييز بين الاستثمار في هذه الأصول وبين التفريط في ملكيتها. فالحكومة تقول إنها تعمل عبر مسارات تشمل سياسة ملكية الدولة، وبرامج الطروحات، والشراكات مع القطاع الخاص، مع الحفاظ على حقوق الدولة والأجيال المقبلة ضمن أطر وصفتها بأنها واضحة وشفافة.

وفي الإطار نفسه، أشار بيان حكومي سابق إلى أن معالجة بعض الالتزامات المالية بين جهات عامة، مثل ما حدث في ملف المديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي، لا يجوز القياس عليها باعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام أو التعامل مع الأصول الاستراتيجية. والرسالة هنا واضحة: هناك فرق بين تسويات مؤسسية محددة بحكم طبيعتها القانونية والمالية، وبين أصول سيادية من وزن قناة السويس.

البعد الدولي للقضية

رغم أن الجدل بدأ محليًا، فإن ملف قناة السويس بطبيعته يتجاوز الحدود المصرية، لأن الممر الملاحي يعد أحد أهم الشرايين التي تربط آسيا بأوروبا. ومن ثم، فإن أي إشارة إلى تغيير وضعه القانوني أو المالي تحمل أصداء تتصل بالتجارة العالمية، وشركات الشحن، وأسعار النقل البحري، واستقرار الإمداد، خاصة في وقت لا تزال فيه الأسواق الدولية تراقب تداعيات التوترات الجيوسياسية على طرق الملاحة.

كما أن الدولة المصرية تمضي، بالتوازي، في خطط تطوير مرتبطة بالقناة ومحيطها الاقتصادي. فقد وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي في مارس 2026 باستكمال المشروعات الخاصة بتطوير قناة السويس، بحسب ما أوردته الهيئة العامة للاستعلامات، في خطوة تعكس تمسك الدولة بتعزيز كفاءة المجرى الملاحي وتوسيع قدرته التنافسية عالميًا، بدلًا من أي مقاربات تمس طبيعته السيادية.

رسائل مدبولي: الداخل المصري والخارج يقرآنها معًا

تحمل تصريحات رئيس الوزراء أكثر من رسالة في توقيت واحد. الرسالة الأولى موجهة للرأي العام المصري، ومفادها أن الأصول السيادية ملك للشعب، وأن الحكومة لا تتعامل معها باعتبارها أدوات قابلة للمساومة عند الضغوط الاقتصادية. والرسالة الثانية موجهة إلى الدوائر الاقتصادية والاستثمارية في الخارج، وتتمثل في أن مصر تميز بين الانفتاح على الشراكات والاستثمارات وبين الحفاظ على ركائز السيادة الوطنية.

كما أن الإشارة الصريحة إلى صفة حسن هيكل جاءت لتصحيح ما اعتبرته الحكومة خلطًا بين المناقشات الاستشارية وبين صناعة القرار التنفيذي. وهذه نقطة مهمة في مناخ عام تتسارع فيه المناقشات الاقتصادية، وتتحول فيه بعض الآراء الفردية سريعًا إلى مادة جدل سياسي وشعبي عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام.

خلاصة المشهد

الموقف الرسمي المصري بات واضحًا: لا مقايضة لقناة السويس، ولا رهن، ولا نقل ملكية. وما يُطرح خارج هذا الإطار هو اجتهادات شخصية لا تعبر عن سياسة الدولة. وفي لحظة إقليمية مضطربة، حيث تتداخل حسابات الاقتصاد مع اعتبارات الأمن القومي والتجارة الدولية، تبدو هذه الرسالة موجهة بوضوح إلى الداخل والخارج معًا: قناة السويس ستظل أصلًا سياديًا مصريًا غير قابل للمساومة.

  • التاريخ الأبرز: الخميس 3 سبتمبر 2026.
  • توضيح الحكومة الرسمي: 30 أغسطس 2026.
  • صفة حسن هيكل: عضو في اللجنة الاستشارية الاقتصادية، وليس مستشارًا لرئيس الوزراء.
  • وضع قناة السويس: أصل سيادي ومرفق استراتيجي مرتبط بالأمن القومي والسيادة المصرية.