مدبولي يراجع الإصدار الثاني لوثيقة ملكية الدولة
مدبولي يتابع النسخة الثانية.. لكن الأهم هو ما وراء الصياغة
تأتي متابعة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لملف الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية، لا باعتبارها مجرد وثيقة حكومية جديدة، بل كإشارة إلى أن الدولة تريد الانتقال من منطق الإعلان عن المبادئ إلى منطق القياس والتنفيذ والمساءلة. ووفق ما أعلنته الجهات الرسمية، فإن الحكومة ناقشت النسخة المحدثة بعد عرضها على الوزارات والجهات المعنية ومؤسسات دولية، مع إدخال تعديلات استجابة لملاحظات الحوار المجتمعي، قبل الاستقرار على خطتها التنفيذية التفصيلية للمرحلة 2026-2030.
اللافت هنا أن القضية لم تعد مقتصرة على سؤال: هل ستتخارج الدولة من بعض الأنشطة أم لا؟ بل اتسعت إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف تعيد الدولة تعريف دورها الاقتصادي في ظل ضغوط الدين، والحاجة إلى استثمارات خاصة أكبر، ومطالب السوق بقدر أعلى من الشفافية وتكافؤ الفرص.
ما الذي نعرفه رسمياً عن الإصدار الثاني؟
الوثيقة الجديدة صدرت تحت عنوان "تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر" وتغطي الفترة من 2026 إلى 2030. ووفق النسخة المنشورة عبر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، فإنها تتضمن محاور تمتد من فلسفة الملكية نفسها، إلى برنامج الطروحات الحكومية، ودور صندوق مصر السيادي، وآليات الحوكمة، وإصلاح الهيئات الاقتصادية، ومنظومة للمتابعة والتقييم وقياس الأثر.
كما أن مجلس الوزراء وافق في اجتماعه الأسبوعي يوم 16 سبتمبر 2026 على مقترح الخطة التنفيذية التفصيلية للوثيقة في إصدارها الثاني، مع الإشارة إلى ملاحظات وزارية سيجري إدماجها في النسخة النهائية. وقبل ذلك، كان مدبولي قد ترأس في 17 مارس 2026 اجتماعاً لاستعراض الإصدارة المحدثة، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين، بينهم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزراء المالية والاستثمار والتخطيط، ورئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.
أما على المستوى السياسي الأوسع، فقد جرى إطلاق الإصدار الثاني في يونيو 2026 بمقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور مدبولي، في تأكيد واضح أن الوثيقة لم تعد ملفاً فنياً يخص الاقتصاديين وحدهم، بل أصبحت جزءاً من سردية الدولة عن شكل الاقتصاد المصري في النصف الثاني من العقد الحالي.
من النسخة الأولى إلى الثانية: ما الذي تغيّر؟
الإصدار الأول من وثيقة سياسة ملكية الدولة ظهر في نهاية 2022 بوصفه إطاراً يحدد أين تبقى الدولة وأين تنسحب وأين تشارك القطاع الخاص. لكن النسخة الثانية تبدو أكثر تحديداً من ناحية الأدوات والمؤسسات والجداول الزمنية، وأكثر ارتباطاً بفكرة إدارة الدور لا مجرد إدارة الأصول.
هذه النقلة مهمة. فالوثيقة الجديدة، بحسب نصها الرسمي، لا تنظر إلى الملكية العامة باعتبارها وضعاً ثابتاً، بل باعتبارها أداة مرتبطة بأولويات الاستقرار المالي والتنمية ورفع كفاءة تخصيص الموارد. وهنا يصبح معيار البقاء أو التخارج أو الشراكة قائماً على تقييم كل شركة وأصل على حدة، لا على الانطباعات العامة عن القطاع.
ومن منظور تحليلي، فإن هذا التحول يعكس اعترافاً ضمنياً بأن الجدل القديم بين "الدولة" و"السوق" لم يعد مفيداً بصيغته المبسطة. المطلوب الآن، كما توحي الوثيقة، هو دولة أكثر انضباطاً كمُلّاك، لا أقل حضوراً بالضرورة في كل الملفات.
القطاع الخاص في قلب المعادلة
الوثيقة تضع هدفاً مركزياً يتمثل في رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والناتج والتشغيل بحلول 2030، مع خفض البصمة الاقتصادية للدولة في الأنشطة القابلة للمنافسة، وتوجيه الموارد العامة إلى القطاعات ذات الأولوية والعائد التنموي الأعلى.
لكن ترجمة هذا الهدف على الأرض ليست تلقائية. فالمستثمر المحلي والأجنبي لا يقرأ الوثائق فقط؛ بل يراقب قدرة الحكومة على تنفيذها، وسرعة اتخاذ القرار، ووضوح قواعد المنافسة، وإمكانية الخروج والدخول إلى الأسواق من دون تمييز. لذلك فإن أكثر ما سيُحاكم عليه الإصدار الثاني ليس الصياغة، وإنما اختبار الثقة.
ومن هنا تبدو البنود الخاصة بالحياد التنافسي ودعم المنافسة بالغة الأهمية. فالوثيقة تشدد على إخضاع الشركات المملوكة للدولة لقواعد السوق نفسها، وتفعيل أدوار الجهات الرقابية والمؤسسية بما يضمن تكافؤ الفرص. وإذا نُفذت هذه النقطة تحديداً بجدية، فقد تكون من أكثر عناصر الوثيقة تأثيراً على مناخ الاستثمار.
القانون 170 لسنة 2025 ولماذا يعد فاصلاً؟
من أبرز ما يميز المرحلة الجديدة أن الحكومة لم تعد تتحرك فقط عبر إعلان توجهات، بل تستند أيضاً إلى إطار قانوني ومؤسسي. فالوثيقة تشير صراحة إلى القانون رقم 170 لسنة 2025 بشأن تنظيم بعض الأحكام الخاصة بملكية الدولة في الشركات المملوكة لها أو التي تساهم فيها، باعتباره جزءاً من البنية الحاكمة للتنفيذ.
الأثر الحقيقي لأي وثيقة سياسة عامة يبدأ عندما تتحول من نص استرشادي إلى قواعد تشغيل. وهذا ما تحاول الحكومة البناء عليه من خلال وحدة الشركات المملوكة للدولة، ومن خلال إسناد أدوار محددة لوزارة المالية، وصندوق مصر السيادي، وجهاز حماية المنافسة، ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.
لماذا تُعد الحوكمة جوهر الملف لا هامشه؟
النسخة الثانية لا تكتفي بالكلام عن التخارج والطروحات، بل تمنح حوكمة الأصول والشركات مساحة واسعة. وهذه نقطة مهمة في السياق المصري، لأن المشكلة تاريخياً لم تكن في حجم الملكية العامة فقط، بل في تشتت الإشراف، وضعف الإفصاح، وتباين معايير تقييم الأداء بين جهة وأخرى.
وتقترح الوثيقة معالجة ذلك عبر إعادة تنظيم ملكية الدولة وإدارة محفظة الشركات بصورة أكثر مركزية، مع دراسة نقل بعض المشروعات الاقتصادية إلى جهات متخصصة، وفي مقدمتها صندوق مصر السيادي، بما يرفع كفاءة الإشراف ويحد من التشتت المؤسسي، مع استثناء الكيانات ذات الطبيعة القومية والاستراتيجية الخاصة.
تحليلياً، هذا يعني أن الحكومة تحاول بناء بنية مالك محترف داخل الدولة، بدلاً من نموذج تتداخل فيه أدوار التنظيم والملكية والتشغيل. وإذا تحقق هذا الفصل المؤسسي فعلياً، فسيكون أحد أهم التطورات في الإدارة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
برنامج الطروحات: هل يصبح أداة إصلاح لا مجرد تمويل؟
لطالما ارتبط الحديث عن الطروحات الحكومية في الوعي العام بفكرة توفير سيولة سريعة أو سد فجوات تمويلية. لكن الإصدار الثاني يحاول وضع هذا البرنامج في إطار أوسع، باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل المحفظة العامة وتوجيه حصيلة التخارج نحو دعم استدامة المالية العامة والاستثمارات ذات الأولوية الوطنية.
هذا فارق جوهري؛ لأن نجاح الطروحات لا يُقاس فقط بعدد الصفقات، بل بنوعية الأصول المطروحة، وتوقيت الطرح، وقيمة الشراكة، وقدرة الدولة على الاحتفاظ بالأصول التي تمثل أهمية استراتيجية، مع تحسين إدارة ما تبقى لديها من شركات.
ما الذي يعنيه ذلك للمواطن المصري؟
قد يبدو ملف وثيقة سياسة ملكية الدولة بعيداً عن الاهتمامات اليومية للمواطن، لكنه في الحقيقة يرتبط بأسئلة مباشرة: كيف تُدار أصول الدولة؟ هل تُستخدم الموارد العامة بكفاءة؟ هل يخلق الاقتصاد فرص عمل كافية؟ وهل يمكن أن يؤدي توسيع دور القطاع الخاص إلى خدمات أفضل واستثمارات أكبر من دون الإضرار بالمصلحة العامة؟
إذا نجحت الحكومة في تنفيذ ما تعلنه الآن، فقد ينعكس ذلك على تحسين بيئة الاستثمار، وخفض الضغوط على الموازنة، ورفع كفاءة الشركات العامة، وزيادة النمو المدفوع بالقطاع الخاص. أما إذا بقيت الوثيقة في حدود الخطاب الرسمي، فستضاف ببساطة إلى أرشيف السياسات الحسنة الصياغة محدودة الأثر.
خلاصة الرأي
متابعة مصطفى مدبولي لهذا الملف لا ينبغي قراءتها كخبر إداري عابر، بل كمؤشر على أن الدولة المصرية دخلت مرحلة أكثر حساسية في إدارة علاقتها بالاقتصاد. التحدي لم يعد في إصدار وثيقة جديدة، بل في تحويلها إلى سلوك مؤسسي قابل للقياس. ومن هذه الزاوية، فإن الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة قد يكون أحد أهم الاختبارات الفعلية لجدية الإصلاح الاقتصادي في مصر حتى عام 2030.
- الرسالة الأولى: الدولة تريد دوراً اقتصادياً أكثر انتقائية وانضباطاً.
- الرسالة الثانية: القطاع الخاص لم يعد مكملاً فقط، بل محركاً رئيسياً مستهدفاً للنمو.
- الرسالة الثالثة: الحوكمة والحياد التنافسي سيحددان مصداقية الوثيقة أكثر من أي عبارات سياسية.
- الرسالة الرابعة: النجاح سيتوقف على التنفيذ الدوري والشفافية والإفصاح، لا على الإعلان وحده.