مدبولي يراجع برنامج التحول الاقتصادي قبل مؤتمر مرتقب
الحكومة المصرية تسرّع الإعداد لبرنامج اقتصادي جديد
دخلت الحكومة المصرية مرحلة أكثر كثافة في مراجعة برنامج التحول الاقتصادي الوطني، مع اقتراب مؤتمر مرتقب خلال الشهر المقبل يُنتظر أن يشكل منصة لعرض أولويات المرحلة التالية من الإصلاح الاقتصادي. وفي هذا السياق، عقد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعًا موسعًا يوم الخميس 17 سبتمبر 2026 لمتابعة مستجدات إعداد البرنامج، بمشاركة عدد كبير من الوزراء والمسؤولين المعنيين بالملفات الاقتصادية والخدمية والإنتاجية.
الاجتماع عكس بوضوح أن الحكومة انتقلت من مرحلة وضع التصورات العامة إلى تدقيق الأرقام والمستهدفات، تمهيدًا للصياغة النهائية للبرنامج قبل عرضه على الرئيس عبد الفتاح السيسي، ثم إطلاقه رسميًا. وتؤكد هذه الخطوة أن القاهرة تريد تقديم إطار اقتصادي متكامل للسنوات المقبلة، لا يقتصر على الاستجابة للتحديات الداخلية فقط، بل يراعي أيضًا ما تشهده المنطقة العربية والاقتصاد العالمي من تقلبات في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
من حضر الاجتماع وما دلالته؟
بحسب البيانات الرسمية، ضم الاجتماع وزراء معنيين بقطاعات الصحة، والكهرباء، والمالية، والتضامن الاجتماعي، والزراعة، والتعليم، والبترول، والتعليم العالي، والعمل، والتخطيط، والصناعة، إلى جانب مسؤولي الوزارات والجهات المختصة. هذا التمثيل الواسع يشير إلى أن التحول الاقتصادي الذي تعمل عليه الحكومة لا يُنظر إليه باعتباره ملفًا ماليًا فقط، بل باعتباره برنامجًا عابرًا للقطاعات يربط بين التشغيل والإنتاج والاستثمار والحماية الاجتماعية.
ومن الناحية السياسية والاقتصادية، فإن هذا النوع من الاجتماعات يبعث برسالة مزدوجة: الأولى للداخل، ومفادها أن الحكومة تريد برنامجًا قابلًا للتنفيذ وله أثر مباشر على المواطن؛ والثانية للشركاء الإقليميين والدوليين، بأن مصر تتحرك نحو مرحلة جديدة من الإصلاحات الأكثر تنظيمًا بعد سنوات من الإجراءات الصعبة المرتبطة بالاستقرار المالي والنقدي.
ما الذي نعرفه عن برنامج التحول الاقتصادي الوطني؟
المعطيات الرسمية المتاحة حتى الآن تُظهر أن البرنامج يستهدف تكامل السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والقطاعية، بما يسمح بتحقيق نمو أكثر استدامة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز التنافسية، ودعم القطاعات القادرة على خلق فرص عمل وزيادة القيمة المضافة. كما أوضحت متابعة سابقة لرئيس الوزراء مع وزارة التخطيط في 10 سبتمبر 2026 أن البرنامج يركز على وضع إطار متكامل للمرحلة المقبلة في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية.
وفي نهاية يوليو 2026، كان مدبولي قد أعلن أن الحكومة تعمل على الانتهاء من إعداد البرنامج الوطني للاقتصاد المصري لما بعد برنامج صندوق النقد الدولي، متوقعًا استكماله بنهاية سبتمبر 2026. وهذا يمنح المؤتمر المتوقع الشهر المقبل أهمية إضافية، لأنه قد يمثل أول عرض سياسي واقتصادي واسع لمحتوى البرنامج وأدوات تنفيذه.
علاقة البرنامج بمسار الإصلاحات الجارية
لا يأتي هذا التحرك في فراغ. فخلال السنوات الأخيرة، دفعت مصر بحزمة من الإصلاحات المرتبطة بتحسين مناخ الاستثمار، وضبط المالية العامة، وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص. وأعلن رئيس الوزراء في يوليو الماضي أن الرئيس صدّق على 8 قوانين قدمتها الحكومة بهدف دعم بيئة الأعمال وتحسين الاستثمار، وهو ما يعطي خلفية تشريعية مهمة للبرنامج الجديد.
كذلك يرتبط هذا المسار بنتائج المراجعات الدورية مع صندوق النقد الدولي. ففي 30 يوليو 2026 أعلن الصندوق إتمام المراجعة السابعة لبرنامج مصر في إطار التسهيل الممدد، إلى جانب المراجعة الثانية ضمن آلية الصلابة والاستدامة، بما أتاح للسلطات المصرية سحب ما يعادل نحو 1.8 مليار دولار. هذا التطور لا يعني فقط استمرار التعاون مع المؤسسات الدولية، بل يوضح أيضًا أن القاهرة تسعى لبناء برنامجها الوطني التالي على قاعدة أكثر استقرارًا ماليًا.
ماذا تقول المؤشرات الاقتصادية الأحدث؟
المؤشرات الرسمية تعطي صورة مختلطة لكنها تميل إلى التحسن التدريجي. فالهيئة العامة للاستثمار نقلت عن الجهات الرسمية أن الاقتصاد المصري حقق نموًا بنحو 4.4% في العام المالي 2024/2025، مقارنة مع 2.4% في العام المالي السابق، مع توقعات بأن يتراوح النمو بين 4.9% و5.1% في العام المالي 2025/2026. كما أشارت بيانات وزارة التخطيط إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سجل نموًا قويًا في بعض الفصول الأخيرة، مدفوعًا بتحسن أنشطة مثل الصناعة غير البترولية والتجارة والخدمات.
وفي ما يتعلق بالأسعار، تظهر بيانات حديثة منشورة عبر قنوات رسمية أن التضخم في مصر سجل نحو 12.2% في يونيو 2026 مقارنة بـ14.4% في يونيو 2025، وهو ما يعكس مسارًا أفضل نسبيًا على صعيد الاستقرار السعري، رغم أن صندوق النقد يتوقع ضغوطًا تضخمية خلال النصف الثاني من 2026 بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرات سعر الصرف. لذلك تبدو مهمة البرنامج الجديد مزدوجة: الحفاظ على زخم النمو من جهة، وتخفيف أثر الضغوط المعيشية من جهة أخرى.
البعد العربي والإقليمي للملف الاقتصادي المصري
بالنسبة لقراء قسم العالم العربي، فإن أهمية هذا الملف تتجاوز الداخل المصري. فمصر تظل إحدى أكبر الاقتصادات العربية من حيث الحجم والتأثير، وأي تحول في سياساتها الاقتصادية ينعكس على ملفات التجارة البينية، وجذب الاستثمارات الخليجية، والتعاون في الطاقة، وسلاسل الإمداد الإقليمية. كما أن تحركات القاهرة الاقتصادية ترتبط بشكل متزايد بشبكات تعاون مع شركاء عرب، خاصة في مجالات التمويل، والخدمات اللوجستية، والمدفوعات، وريادة الأعمال.
وفي هذا الإطار، برزت خلال سبتمبر 2026 متابعة حكومية لنتائج زيارة وزير التخطيط إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بما شمل مباحثات لتعزيز التعاون التنموي ودعم أجندة ريادة الأعمال، وهو ما يوضح أن البرنامج الاقتصادي المصري لا يُصاغ فقط من منظور محلي، بل يراهن أيضًا على الامتداد العربي والإقليمي كأحد محركات النمو.
من مؤتمر منظمة التعاون الاقتصادي إلى المؤتمر المرتقب
المشهد الحالي يتصل أيضًا بمسار أوسع من الحوار مع المؤسسات الدولية. ففي 4 مايو 2026 شارك مدبولي في المؤتمر رفيع المستوى لختام المرحلة الأولى من البرنامج القطري بين مصر ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي استعرض ما تحقق في مجالات الإصلاحات الهيكلية، والابتكار، والإنتاجية، والسياسات الرقمية، والاقتصاد الأخضر. هذا النوع من التعاون وفر للحكومة المصرية خبرات فنية ومراجعات متخصصة قد تنعكس على مضمون برنامج التحول الجاري إعداده الآن.
ومن ثم، فإن المؤتمر المنتظر الشهر المقبل قد يكون محطة لربط ثلاث دوائر معًا: الإصلاح الداخلي، والشراكات العربية، والخبرات الدولية. وإذا نجحت الحكومة في تقديم مستهدفات واضحة قابلة للقياس، فقد يشكل ذلك نقطة تحول مهمة في السردية الاقتصادية المصرية خلال المرحلة المقبلة.
ما الذي ينتظره الشارع والأسواق؟
السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعنوان البرنامج، بل بما إذا كان سيترجم إلى نتائج محسوسة. الشارع المصري ينتظر أثرًا مباشرًا على الأسعار وفرص العمل ومستوى الخدمات، بينما تترقب الأسواق والمستثمرون إشارات أوضح بشأن دور القطاع الخاص، وسرعة تنفيذ الإصلاحات، وحوكمة الاستثمارات العامة، وأولويات القطاعات المنتجة.
حتى الآن، يبدو أن الحكومة تريد أن تخرج بوثيقة نهائية أكثر إحكامًا، تستند إلى بيانات دقيقة وتوازن بين متطلبات الاستقرار المالي وضرورات النمو الشامل. وإذا جاء المؤتمر المقبل محملًا بخارطة طريق واضحة، فقد يصبح برنامج التحول الاقتصادي الوطني أحد أهم العناوين السياسية والاقتصادية في مصر والعالم العربي خلال ما تبقى من عام 2026.
- تاريخ الاجتماع الأحدث: 17 سبتمبر 2026
- الهدف المعلن: الانتهاء من الصياغة النهائية لبرنامج التحول الاقتصادي الوطني
- الإطار الزمني المتوقع: استكمال البرنامج بنهاية سبتمبر 2026
- دعم دولي حديث: إتمام المراجعة السابعة مع صندوق النقد في 30 يوليو 2026
- مؤشر نمو رسمي: 4.4% في العام المالي 2024/2025 وفق البيانات الرسمية المتاحة