مدبولي يراجع هيكلة الشركات القابضة: ما الذي يتغير؟
مدبولي يفتح ملف الشركات القابضة مجددًا
عاد ملف الشركات المملوكة للدولة إلى صدارة النقاش الاقتصادي في مصر، بعدما ترأس رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعًا مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 بمقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة لمراجعة مستهدفات برنامج إعادة هيكلة الشركات القابضة. ووفق ما أعلنته الجهات الرسمية، فإن الاجتماع لم يكن مجرد متابعة إدارية دورية، بل جاء في سياق أوسع يتعلق بكيفية تنظيم ملكية الدولة لأصولها الاقتصادية، ورفع كفاءة إدارتها، وتحسين العائد منها في مرحلة تزداد فيها الضغوط على المالية العامة وتتعاظم الحاجة إلى استثمارات أكثر كفاءة.
الاجتماع ركز على آليات إعادة تنظيم تبعية عدد من الكيانات الكبرى، بينها الشركة القابضة للتشييد والتعمير، والشركة القابضة للسياحة والفنادق، والشركة القابضة للصناعات المعدنية، والشركة القابضة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، والشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج، والشركة القابضة للصناعات الكيماوية. هذه القائمة وحدها تكشف أن الحكومة تتعامل مع قطاعات تمس الصناعة والعقار والسياحة والدواء والنسيج، أي مع ملفات لها تأثير مباشر على التشغيل والإنتاج والصادرات.
لماذا الآن؟
التحرك الحالي لا يمكن فصله عن المسار الذي تبنته الدولة منذ إطلاق وثيقة سياسة ملكية الدولة. فالوثيقة، التي طُرحت لأول مرة في 2022 ثم صدر لها إصدار ثانٍ محدث يغطي الفترة 2026-2030، تقوم على فكرة أساسية: إعادة تعريف دور الدولة في النشاط الاقتصادي، بحيث تنتقل من التواجد الواسع في بعض الأنشطة إلى نموذج يركز أكثر على التنظيم، والحَوْكمة، وتعبئة الاستثمار، وفتح المجال أمام مشاركة أكبر للقطاع الخاص حيثما كان ذلك ممكنًا ومجديًا اقتصاديًا.
ومن هذه الزاوية، يبدو اجتماع مدبولي جزءًا من عملية تنفيذية أوسع، لا سيما أن منصة متابعة الوثيقة التابعة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار تؤكد أن الهدف هو رصد خطوات التنفيذ وتعزيز مشاركة القطاع الخاص وتحسين مناخ الاستثمار. المعنى السياسي والاقتصادي هنا واضح: الحكومة تريد أن تُظهر أن وثيقة الملكية لم تعد مجرد إعلان مبادئ، بل تتحول تدريجيًا إلى ترتيبات مؤسسية وقرارات تخص تبعية الشركات وأسلوب إدارتها وآليات تقييم أدائها.
من حضر الاجتماع وما دلالة ذلك؟
حضور عدد من المسؤولين يعكس طبيعة الملف المركبة. فقد شارك في الاجتماع حسين عيسى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وأحمد كجوك وزير المالية، ومحمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، وبهاء الغنام رئيس جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، إلى جانب مسؤولين آخرين من الجهات المعنية. وجود وزارة المالية ووزارة الاستثمار في قلب النقاش مهم للغاية؛ لأن إعادة الهيكلة هنا لا تبدو مسألة إدارية داخلية فحسب، بل قضية ترتبط بالموازنة العامة، والعائد على الأصول، والجاذبية الاستثمارية، ومدى قدرة الشركات التابعة للدولة على العمل وفق قواعد تنافسية أكثر انضباطًا.
سياسيًا، يبعث ذلك برسالة مزدوجة: الأولى إلى المؤسسات الدولية وشركاء التنمية بأن مصر تمضي في تنفيذ التزاماتها ضمن برنامج الإصلاح الهيكلي، والثانية إلى المستثمر المحلي والأجنبي بأن ملف الشركات العامة يدخل مرحلة أكثر تنظيمًا ووضوحًا. هذه النقطة تحديدًا تتكرر في أكثر من بيان رسمي أخير، سواء في حديث الحكومة عن تطوير وحوكمة الشركات المملوكة للدولة، أو في تأكيد وزارة المالية أن نمو الاقتصاد في المرحلة المقبلة يعتمد بدرجة أكبر على قيادة القطاع الخاص للاستثمار.
ما الذي تعنيه «إعادة تنظيم التبعية»؟
المصطلح قد يبدو بيروقراطيًا، لكنه في الواقع يحمل أثرًا كبيرًا. إعادة تنظيم تبعية الشركات القابضة تعني، في جانب منها، حسم الجهة المشرفة على الشركة، وتحديد خطوط القرار والمحاسبة، وتقليل التداخل بين الاختصاصات، وربط الإدارة بأهداف مالية وتشغيلية قابلة للقياس. وهذا مهم بصورة خاصة بعد التحولات المؤسسية التي شهدها ملف الشركات المملوكة للدولة خلال العامين الماضيين، مع الاتجاه إلى بناء إطار مركزي أكثر وضوحًا لمتابعة هذه الشركات وحصرها وتنظيمها.
وبحسب تقارير المتابعة الرسمية، كانت قاعدة بيانات الشركات المملوكة للدولة تضم نحو 709 شركات حتى أغسطس 2024 موزعة على 18 قطاعًا وتتبع 33 جهة. هذا الرقم يشرح وحده سبب تعقيد الملف: فإدارة هذا العدد من الكيانات دون نظام حوكمة صارم وتحديد واضح للمسؤوليات قد تؤدي إلى بطء القرار، وضعف الاستغلال، وتفاوت كبير في الأداء بين شركة وأخرى. لذلك فإن إعادة الهيكلة ليست هدفًا نظريًا، بل محاولة لمعالجة عبء تراكمي في بنية القطاع العام الاقتصادي.
القطاع الخاص ليس تفصيلًا ثانويًا
من أبرز ما خرج به الاجتماع التشديد على تعزيز مشاركة القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات، وتحسين تخصيص الموارد، مع استمرار المتابعة وتقييم الأداء. وهذه النقاط ليست منفصلة عن النقاش الدائر في مصر منذ سنوات حول كيفية تحقيق توازن بين ملكية الدولة لبعض الأصول الاستراتيجية، وبين ضرورة توسيع مساحة المنافسة أمام المستثمرين.
في القراءة التحليلية، يبدو أن الحكومة تحاول الانتقال من منطق «الاحتفاظ بالشركة لأنها مملوكة للدولة» إلى منطق «ما القيمة الاقتصادية التي تحققها الشركة؟ وكيف يمكن رفعها؟». وإذا لم تكن الشركة قادرة على تحقيق عائد مناسب أو تحتاج إلى شريك استراتيجي أو إدارة مختلفة، فإن باب إعادة الهيكلة أو الشراكة أو الطرح يصبح مطروحًا بصورة أكبر. هذا الاتجاه ظهر بوضوح أيضًا في متابعات سابقة لرئيس الوزراء خلال سبتمبر 2026، حين جدد التأكيد على استمرار تطوير وحوكمة الشركات المملوكة للدولة لتحسين أدائها التشغيلي والمالي وتعظيم الاستفادة من أصولها.
بين الإصلاح الاقتصادي والحساسية الاجتماعية
لكن أي حديث عن إعادة هيكلة شركات عامة في مصر يظل حساسًا اجتماعيًا. فهذه الشركات ليست أرقامًا فقط؛ بعضها مرتبط بتاريخ صناعي طويل، وبعضها يعمل في قطاعات كثيفة العمالة مثل الغزل والنسيج والأدوية. ومن ثم، فإن نجاح البرنامج لن يُقاس فقط بعدد القرارات التنظيمية، بل بمدى قدرة الحكومة على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. فإصلاح الإدارة والتمويل والحوكمة مطلوب، لكن من دون الإضرار بطاقة الإنتاج أو بحقوق العاملين أو استمرار الخدمات في القطاعات الحيوية.
هنا تحديدًا تظهر أهمية الحوكمة الحديثة: مجالس إدارة أكثر احترافية، مؤشرات أداء معلنة، مراجعة دورية للعائد على الأصول، وفصل أوضح بين الدور التنظيمي للدولة ودورها كمالك. وثيقة سياسة ملكية الدولة نفسها تشدد على معاملة متكافئة للمساهمين، ومنافسة عادلة في السوق، وشفافية أعلى عندما تمارس الشركات المملوكة للدولة أنشطة اقتصادية. وإذا طُبقت هذه المبادئ بجدية، فإنها قد تقلل من تشوهات مزمنة في السوق وتمنح المستثمرين رؤية أوضح.
ما الذي يمكن مراقبته في المرحلة المقبلة؟
المؤشرات الأهم لن تكون في العناوين العامة، بل في التفاصيل التنفيذية: هل ستتغير تبعية بعض الشركات فعليًا خلال الشهور المقبلة؟ هل ستُعلَن خطط محددة لتحسين الكفاءة التشغيلية أو خفض الخسائر أو إعادة توظيف الأصول غير المستغلة؟ وهل ستنعكس هذه المراجعات على صفقات شراكة أو طروحات أو اندماجات داخل بعض القطاعات؟ هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان الملف يتحرك بسرعة كافية أم يظل أسير الاجتماعات والتقارير.
الأكيد أن اجتماع 15 سبتمبر 2026 يضيف لبنة جديدة إلى مسار أوسع تعمل عليه الحكومة منذ سنوات: تقليص التشابك المؤسسي، حوكمة الشركات العامة، وتوجيه دور الدولة نحو ما تعتبره أكثر كفاءة وجدوى. وبينما يبقى التنفيذ هو الاختبار الحقيقي، فإن الرسالة التي أرادت الحكومة تثبيتها هذه المرة واضحة: إدارة الأصول العامة لم تعد ملفًا هامشيًا، بل جزء من معركة أوسع لتحسين كفاءة الاقتصاد المصري، وتعزيز الاستثمار، ورفع العائد من كل أصل تملكه الدولة.