Akhbar Cairo

مدبولي يراهن على نمو 5.4%: هل ينجح الاقتصاد المصري؟

ماذا يعني إعلان الحكومة استهداف نمو 5.4%؟

عندما يتحدث الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عن استهداف نمو اقتصادي بنسبة 5.4% خلال العام المالي الحالي، فهو لا يطرح مجرد رقم في سياق دعائي، بل يضع الحكومة أمام اختبار اقتصادي وسياسي معًا. فبحسب ما أكدته الدولة في أكثر من مصدر رسمي، سجل الاقتصاد المصري نموًا قدره 5.1% في العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 4.4% في العام المالي السابق، وهو تحسن يعكس استعادة قدر من الزخم بعد فترة شديدة الضغوط محليًا وإقليميًا.

الرسالة الحكومية هنا واضحة: هناك محاولة لتثبيت انطباع بأن الاقتصاد المصري يتحرك في اتجاه صاعد، وأن ما تحقق في العام الماضي يمكن البناء عليه خلال 2026/2027. لكن في قسم تحليلات ورأي، لا يكفي ترديد المستهدفات؛ الأهم هو تفكيك ما وراءها: من أين سيأتي النمو؟ وما القطاعات القادرة على حمله؟ وهل يشعر المواطن المصري فعلًا بأثر هذا التحسن؟

الأرقام الرسمية: تحسن فعلي لكن بشروط

البيانات الرسمية المتاحة تشير إلى أن الحكومة تبني تفاؤلها على مؤشرات تحسن ظهرت بالفعل. فقد عرضت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، خلال اجتماع مجلس الوزراء في 24 يونيو 2026، أن الاقتصاد المصري حقق نموًا بنسبة 5% في الربع الثالث من العام المالي 2025/2026، مقارنة بـ4.8% في الفترة المناظرة من العام السابق. كما نقلت الهيئة العامة للاستعلامات في نسختها الإنجليزية خلال الأسبوع الماضي أن معدل النمو السنوي للعام المالي كله بلغ 5.1%، مدفوعًا بتعافٍ في قطاعات ذات قيمة مضافة، خصوصًا الصناعة التحويلية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

هذه النقطة مهمة للغاية، لأن نوعية النمو لا تقل أهمية عن حجمه. فالنمو المعتمد على قطاعات إنتاجية وتصديرية يختلف جذريًا عن نمو قائم على إنفاق استثنائي أو عوامل مؤقتة. وإذا كانت الصناعة والاتصالات بالفعل في صدارة التحسن، فهذا يمنح الحكومة مساحة أفضل للدفاع عن مستهدف 5.4%.

لماذا يبدو هدف 5.4% طموحًا لكنه ليس مستحيلًا؟

الهدف الحكومي ليس بعيدًا جدًا عن الرقم المحقق، وهذه ميزة مهمة. الانتقال من 5.1% إلى 5.4% لا يتطلب قفزة خارقة بقدر ما يحتاج إلى الحفاظ على وتيرة التعافي وتوسيعها. كما أن مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027 يتحدث عن نطاق نمو بين 5.2% و5.4%، ما يعني أن الرقم المعلن ليس مفاجئًا بل يدخل ضمن الإطار التخطيطي الرسمي.

لكن الطموح يظل مشروطًا. فمصر لا تتحرك في فراغ؛ المنطقة لا تزال تحت ضغط توترات جيوسياسية، وكلفة التمويل العالمية لم تعد منخفضة، والاقتصادات الناشئة عمومًا تواجه منافسة أشد على جذب الاستثمارات. حتى صندوق النقد الدولي، بحسب تغطيات اقتصادية منشورة في يوليو 2026، خفض توقعاته لنمو الاقتصاد المصري في 2026/2027 مع الإشارة إلى تأثير التوترات الإقليمية وضعف الاستثمار وارتفاع تكاليف التمويل. هذا لا يعني استحالة تحقيق الهدف الحكومي، لكنه يعني أن الطريق إليه لن يكون سهلًا.

الاختبار الحقيقي: هل يقود القطاع الخاص هذا النمو؟

أحد أبرز الأسئلة في أي نقاش جاد حول النمو الاقتصادي في مصر هو موقع القطاع الخاص. فالمؤشرات الإيجابية تصبح أكثر استدامة حين تقترن بتوسع استثماري حقيقي، وزيادة في الإنتاج، وخلق وظائف مستقرة. ومن هنا يمكن فهم تركيز الرئاسة والحكومة في اجتماعات الموازنة والسياسة المالية على تحفيز النشاط الاقتصادي والإنتاج والتصنيع والتصدير، إلى جانب التسهيلات الضريبية والجمركية.

في مارس 2026، وخلال استعراض أولويات موازنة 2026/2027، شددت الدولة على دعم مجتمع الأعمال وتحسين وضوح الرؤية للمستثمرين. كما أُعلن عند إقرار الموازنة الجديدة أن الإنفاق العام يستهدف في الوقت نفسه دعم المواطن وتعزيز النشاط الاقتصادي، مع إعطاء أولوية للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ومساندة الإنتاج والتصدير.

من زاوية تحليلية، هذا التوازن بالغ الحساسية. فالحكومة مطالبة بأن تموّل شبكات الأمان الاجتماعي في بلد كبير يتجاوز سكانه 110 ملايين نسمة، وفي الوقت نفسه تحافظ على جاذبية الاستثمار. وإذا اختل هذا التوازن، قد يتحول النمو إلى رقم محسوب على الورق أكثر منه تحولًا اقتصاديًا واسع الأثر.

ما الذي يدعم الرواية الحكومية؟

1) تعافي بعض القطاعات الإنتاجية

استعادة الصناعة التحويلية وقطاع الاتصالات زخمًا أفضل من السابق تمنح الاقتصاد قاعدة أكثر صلابة. هذه القطاعات عادة ما ترتبط بسلاسل قيمة أطول وتأثير أوسع على التشغيل.

2) وجود خطة مالية أكثر وضوحًا

الموازنة الجديدة التي وافق عليها مجلس الوزراء في 26 مارس 2026 تستهدف زيادة الإيرادات العامة بنسبة 27.6% إلى 4 تريليونات جنيه، مع ارتفاع المصروفات بنسبة 13.2% إلى 5.1 تريليون جنيه، وتخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية. هذه الأرقام تعني أن الحكومة تحاول الجمع بين الانضباط المالي والبعد الاجتماعي.

3) السعي لمرحلة ما بعد برنامج صندوق النقد

تعمل الحكومة أيضًا على إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، وهي إشارة سياسية مهمة. فالقضية لم تعد فقط تنفيذ اشتراطات قصيرة الأجل، بل صياغة أولويات اقتصادية محلية أكثر استقرارًا على المدى المتوسط.

وما الذي يهدد الوصول إلى 5.4%؟

  • التوترات الإقليمية: أي اضطراب جديد في المنطقة قد يضغط على التجارة والنقل والطاقة وثقة المستثمرين.
  • تكلفة التمويل: ارتفاع الفائدة عالميًا ومحليًا يضعف شهية الاستثمار الخاص ويزيد كلفة التوسع.
  • استدامة الإصلاحات: المستثمر لا يكتفي بالتصريحات؛ ما يهمه هو سرعة التنفيذ، واستقرار القواعد، وتقليل البيروقراطية.
  • انعكاس النمو على المعيشة: إذا لم يترجم النمو إلى وظائف ودخل أفضل، فستبقى الفجوة قائمة بين المؤشرات الكلية وشعور الأسر المصرية.

قراءة مصرية للرقم: النجاح ليس في إعلان الهدف بل في نوعية أثره

من السهل سياسيًا وإعلاميًا الاحتفاء برقم 5.4%، لكن من الأصعب اقتصاديًا تحويله إلى واقع ملموس. في الحالة المصرية، لا يُقاس النجاح فقط بسرعة النمو، بل أيضًا بقدرته على تخفيف الضغوط عن الموازنة، وتحسين مناخ الأعمال، ورفع تنافسية الصناعة، ودعم الصادرات، وخلق وظائف أكثر جودة.

الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، يطرح بذلك هدفًا يمكن الدفاع عنه حسابيًا، لكنه يحتاج إلى ما هو أكبر من الحسابات: يحتاج إلى ثقة السوق، واستقرار إقليمي نسبي، وتعاون فعلي بين الحكومة والقطاع الخاص. ومن دون ذلك، سيظل الرقم هدفًا معقولًا على الورق، لكنه شاق في التطبيق.

الخلاصة أن الاقتصاد المصري قطع خطوة مهمة حين انتقل من 4.4% إلى 5.1% في عام واحد، لكن الحفاظ على هذا المسار ورفعه إلى 5.4% يتطلب أكثر من استمرار الأداء نفسه. المطلوب الآن هو نمو أكثر عمقًا وعدالة واستدامة، لأن الرأي العام في مصر لم يعد يكتفي بسماع الأرقام، بل يريد أن يلمس أثرها في الاستثمار والعمل والأسعار والخدمات. وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي للحكومة، لا عند منصة الإعلان، بل في الاقتصاد اليومي الذي يعيشه المواطن.