مدبولي يسرّع إعادة هيكلة شركات الدولة لتعظيم العائد
تحرك حكومي لإعادة توزيع تبعية شركات الدولة بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال
يتجه ملف الشركات المملوكة للدولة في مصر إلى مرحلة جديدة من إعادة التنظيم، بعدما ناقش رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي نقل تبعية عدد من شركات قطاع الأعمال العام إلى جهات أخرى داخل هيكل الدولة، بما يضمن رفع كفاءة إدارة الأصول وتعظيم العائد الاقتصادي منها، إلى جانب توسيع نطاق مشاركة القطاع الخاص في الإدارة والاستثمار.
التحرك الحالي لا يأتي بمعزل عن التغييرات الحكومية التي شهدتها القاهرة في 12 فبراير 2026، حين أكدت رئاسة الجمهورية إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، مع تكليف رئيس الوزراء بإصدار القرارات اللازمة لمعالجة الآثار المترتبة على هذا الإلغاء. ومنذ ذلك التاريخ، باتت مسألة تحديد الجهة الأنسب لإدارة الشركات التابعة للوزارة السابقة واحدة من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية داخل الحكومة، خصوصًا مع ارتباطها المباشر ببرنامج الإصلاح الهيكلي، ووثيقة سياسة ملكية الدولة، وخطة الطروحات.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
المعطيات الرسمية تشير إلى أن الحكومة لا تتحدث عن تصفية الشركات أو التخارج العشوائي منها، بل عن إعادة حوكمة طريقة إدارتها. وفي تصريحات سابقة عقب أول اجتماع للحكومة بتشكيلها الجديد، أوضح مدبولي أن السيناريوهات المطروحة تشمل نقل بعض الشركات إلى صندوق مصر السيادي، أو إلحاق بعضها الآخر بالوزارات المتخصصة وفق طبيعة النشاط، بما يسمح بإدارة أكثر تخصصًا وكفاءة.
هذا التوجه عاد للظهور بصورة أوضح في 21 مايو 2026، عندما استعرض رئيس الوزراء التقرير ربع السنوي الأول لوحدة الشركات المملوكة للدولة التابعة لمجلس الوزراء، ووجّه بإعداد خطة تنفيذية دقيقة لوثيقة سياسة ملكية الدولة خلال السنوات الثلاث المقبلة، كما كلف بسرعة إعداد قرارات نقل تبعية الشركات التي كانت تتبع وزارة قطاع الأعمال العام بعد إلغائها.
لماذا تنقل الحكومة تبعية الشركات؟
الهدف المعلن من هذه الخطوة هو تحسين الأداء الاقتصادي للأصول العامة، وهي قضية حاضرة بقوة في النقاش الاقتصادي داخل مصر والمنطقة. فالإبقاء على شركات ضخمة تحت إدارة مركزية واحدة لم يعد، من وجهة نظر الحكومة، الصيغة الأمثل في كل القطاعات، خاصة أن أنشطة هذه الشركات تتوزع بين الصناعة، والسياحة، والعقارات، والأدوية، والتعدين، والغزل والنسيج، وغيرها.
ومن هذا المنطلق، فإن نقل التبعية قد يسمح لكل وزارة أو جهة مالكة بأن تتعامل مع الشركات الأقرب إلى اختصاصها الفني، بدلًا من إدارة موحدة لا تراعي دائمًا الفروق القطاعية. كما يفتح ذلك الباب أمام صيغ متنوعة للشراكة مع المستثمرين، سواء عبر الطرح في البورصة، أو عقود الإدارة والتشغيل، أو الشراكات الاستثمارية المباشرة، أو نقل بعض الأصول إلى الصندوق السيادي لإعادة هيكلتها واستثمارها.
- رفع كفاءة التشغيل عبر إسناد الإدارة لجهات أكثر تخصصًا.
- تعظيم العائد من الأصول غير المستغلة أو منخفضة العائد.
- توسيع مشاركة القطاع الخاص في الأنشطة الاقتصادية.
- تسريع برنامج الطروحات وزيادة عمق سوق المال.
- تحسين الحوكمة والرقابة على الشركات المملوكة للدولة.
ماذا تقول الأرقام الرسمية؟
بحسب ما نُشر في تقارير رسمية وإعلامية مصرية خلال 2026، فإن الشركات التي كانت تدخل ضمن نطاق وزارة قطاع الأعمال العام تضم 6 شركات قابضة يتبعها نحو 60 شركة تابعة. كما أوضحت وحدة الشركات المملوكة للدولة أن العمل مستمر على إعداد قوائم بالشركات المستهدف نقلها إلى صندوق مصر السيادي وبعض الصناديق والجهات الأخرى، بالتوازي مع تحديد شركات مرشحة للقيد في البورصة المصرية.
وأظهرت البيانات الحكومية أن ملف القيد في البورصة شهد خلال عام 2026 تقدمًا ملحوظًا؛ إذ جرى قيد 6 شركات بشكل مؤقت في مارس 2026، ثم ارتفع الإجمالي إلى 10 شركات حتى نهاية أبريل 2026، مع إضافة 4 شركات أخرى خلال النصف الأول من يونيو 2026. وتعكس هذه الأرقام أن الدولة تتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه: إعادة ترتيب الملكية، وتحسين الإدارة، وتهيئة بعض الشركات لدخول سوق المال.
أين يقف صندوق مصر السيادي في هذه المعادلة؟
يُنظر إلى صندوق مصر السيادي باعتباره أحد الأذرع الرئيسية التي يمكن أن تتولى إدارة بعض الأصول أو الشركات التي تحتاج إلى إعادة هيكلة استثمارية، خصوصًا تلك التي تمتلك أصولًا عقارية أو فندقية أو صناعية قابلة لتعظيم القيمة. والحكومة سبق أن ربطت بين نجاح بعض النماذج السابقة وبين إمكانية توسيع هذا المسار في المرحلة المقبلة، بما يحقق قيمة أعلى للدولة بدلًا من بقاء أصول كبيرة بعوائد أقل من إمكاناتها الفعلية.
وفي الإطار نفسه، تواصل الحكومة الدفع بوثيقة سياسة ملكية الدولة، التي تستهدف تحديد القطاعات التي ستتوسع فيها الدولة، والقطاعات التي ستخفض وجودها فيها أو تفسح فيها مجالًا أكبر للقطاع الخاص. وهذا التوجه ينسجم مع مطالب مؤسسات التمويل الدولية والمستثمرين بوجود خريطة أوضح لدور الدولة الاقتصادي، لكنه في الوقت نفسه يحمل خصوصية مصرية تتعلق بالحفاظ على الأصول الاستراتيجية والعمالة والقدرات الصناعية القائمة.
رسالة طمأنة للعمالة والقطاعات الإنتاجية
أحد أكثر الأسئلة تكرارًا في الشارع المصري يتعلق بمصير العمالة في الشركات التابعة لقطاع الأعمال العام. حتى الآن، الخطاب الرسمي يحرص على التأكيد أن ما يجري هو إصلاح في الإدارة والملكية وليس تصفية للكيانات الإنتاجية. ويكتسب هذا التوضيح أهمية خاصة في شركات ذات تاريخ طويل في الصناعة المصرية، مثل شركات الغزل والنسيج، والصناعات المعدنية، والفنادق التاريخية، وشركات التطوير العقاري المملوكة للدولة.
كما أن الحكومة تدرك أن نجاح أي إعادة هيكلة لن يُقاس فقط بحجم الأموال المتحصلة من الطروحات أو الشراكات، بل أيضًا بقدرتها على تحويل الشركات إلى كيانات أكثر ربحية واستدامة، مع الحفاظ على النشاط الإنتاجي وخلق فرص استثمار جديدة. لذلك، فإن نقل التبعية لن يكون مجرد إجراء إداري، بل جزءًا من إعادة صياغة أوسع لدور الدولة في الاقتصاد.
دلالات القرار في السياق العربي الأوسع
رغم أن القضية مصرية في جوهرها، فإنها تعكس اتجاهًا أوسع في عدد من الاقتصادات العربية نحو إعادة تقييم دور الدولة كمالك ومشغل مباشر للشركات. في المنطقة كلها، تتجه الحكومات إلى نماذج أكثر مرونة تقوم على الشراكة مع القطاع الخاص، واستثمار الأصول العامة بكفاءة أعلى، وتفعيل أدوات مثل الصناديق السيادية والطروحات العامة. من هنا، يكتسب التحرك المصري أهمية إقليمية، لأنه يأتي من واحدة من أكبر الاقتصادات العربية وأكثرها تنوعًا من حيث القطاعات العامة الموروثة.
وفي هذا السياق، تبدو الخطوة المصرية اختبارًا عمليًا لقدرة الحكومات العربية على تحقيق توازن دقيق بين الكفاءة الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية. فإذا نجحت القاهرة في نقل تبعية الشركات وفق معايير واضحة، ورفعت من كفاءة الأصول دون إرباك في التشغيل أو العمالة، فقد تقدم نموذجًا قابلًا للمتابعة إقليميًا.
ما الذي ننتظره خلال الفترة المقبلة؟
المؤشرات الحالية ترجح أن الأشهر المقبلة ستشهد صدور قرارات تنفيذية أكثر تحديدًا بشأن الجهات التي ستنتقل إليها تبعية الشركات، إلى جانب استمرار العمل على برنامج الطروحات وقيد شركات جديدة في البورصة. كما يُتوقع أن يتزايد حضور وحدة الشركات المملوكة للدولة داخل منظومة اتخاذ القرار الاقتصادي، باعتبارها الجهة المنسقة لملفات الملكية، والحوكمة، والطرح، ونقل التبعية.
وبالنسبة للمستثمرين والمتابعين في مصر والعالم العربي، فإن الملف لم يعد يتعلق فقط بإلغاء وزارة أو نقل تبعية شركات، بل بمسار أوسع عنوانه: كيف تدير الدولة أصولها بكفاءة أعلى، وكيف تفتح المجال أمام شراكات استثمارية أكثر فاعلية دون التفريط في الأصول الاستراتيجية؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي تحاول الحكومة الإجابة عنه الآن، وسط ترقب واسع لنتائج التطبيق على الأرض.