Akhbar Cairo

مدبولي يطلق تنفيذ «تخضير القاهرة» بتشجير الدائري

انطلاقة جديدة لمشروع تخضير العاصمة

بدأت الحكومة المصرية، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، التحرك التنفيذي لتحويل توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى برنامج عمل مباشر تحت عنوان «تخضير القاهرة»، وهو مشروع يستهدف زيادة الرقعة الخضراء داخل العاصمة وتحسين المشهد البصري على الطرق والمحاور الرئيسية. وخلال اجتماع عُقد يوم الاثنين 7 سبتمبر 2026، شدد مدبولي على البدء الفوري في التنفيذ، على أن تكون الأولوية لتشجير الطريق الدائري وعدد من المحاور والطرق الرئيسية بالقاهرة الكبرى.

الاجتماع ضم الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والمهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، إلى جانب مسؤولي وزارة الإسكان وعدد من المكاتب الاستشارية المتخصصة. ويعكس هذا التشكيل أن الملف لم يعد مجرد تصور تجميلي، بل مشروع تنفيذي متعدد الجهات يرتبط بالتخطيط الحضري والبيئة وإدارة الأصول العامة داخل القاهرة.

ماذا طلب مدبولي من الجهات التنفيذية؟

بحسب ما عُرض في الاجتماع، وجه رئيس الوزراء بوضع البداية من الطريق الدائري، باعتباره من أكثر الطرق تأثيرًا على المشهد اليومي للمواطنين وعلى الصورة العمرانية للقاهرة الكبرى. كما كلّف بتشكيل مجموعة عمل من الوزارات المعنية ومحافظة القاهرة والاستشاريين؛ لمتابعة التنفيذ على الأرض ووضع نموذج موحد لتشجير الطرق والمحاور، يشمل أنواع الزراعات المناسبة وأساليب توزيعها.

ولم يتوقف التكليف عند تشجير الطرق فقط، بل امتد إلى حصر الأراضي الحكومية الفضاء داخل القاهرة تمهيدًا لتحويلها إلى متنزهات ومسطحات خضراء وحدائق عامة، مع تعويض جهات الولاية بأراضٍ بديلة في المدن الجديدة عند الحاجة. كذلك جرى التأكيد على الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيًا في الري، بما يحد من الضغط على الموارد المائية التقليدية ويمنح المشروع بعدًا أكثر استدامة.

الطريق الدائري في صدارة الأولويات

اختيار الطريق الدائري كبداية ليس تفصيلاً عابرًا. فهذا الطريق يُعد أحد أهم الشرايين المرورية المحيطة بالقاهرة الكبرى، كما أنه واجهة حضرية يومية لملايين المستخدمين. وكان الدكتور إبراهيم صابر قد أعلن في وقت سابق أن الهيئة العامة لنظافة وتجميل وإنارة القاهرة بدأت بالفعل تنفيذ المرحلة الأولى من تشجير الطريق الدائري منطقة المقطم في اتجاه الجيزة، ضمن المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة.

وبحسب محافظة القاهرة، تم اختيار مواقع قابلة للتشجير على امتداد الطريق، مع التركيز على أشجار وارفة الخضرة قليلة الاستهلاك للمياه، بما يحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه: تحسين جودة الهواء، خفض الإحساس بدرجات الحرارة، دعم الشكل الجمالي، والحفاظ على الجدوى التشغيلية للمشروع على المدى الطويل.

من «100 مليون شجرة» إلى «تخضير القاهرة»

المشروع الجديد لا ينفصل عن المسار الذي تتبناه الدولة منذ إطلاق المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة. ففي اجتماعات حكومية سابقة جرى التأكيد على تشجير المحاور والطرق الجديدة أو التي تُرفع كفاءتها، مع ضرورة ربط الزراعة بشبكات ري مناسبة ووضع خطط تنفيذية على مستوى المحافظات. كما أوضحت تقارير حكومية أن برنامج الحكومة للفترة 2024-2027 يستهدف رفع معدلات التشجير في المدن، واستكمال الأحزمة الخضراء حول الطرق الرئيسية والمدن الصناعية والجديدة.

هذا الربط بين المبادرات مهم؛ لأنه يعني أن «تخضير القاهرة» ليس حملة موسمية، بل جزء من رؤية أوسع لتحسين البيئة العمرانية وتقليل آثار ما يُعرف بالجزر الحرارية داخل المدن المزدحمة، خصوصًا في القاهرة التي تواجه ضغوطًا كبيرة ناتجة عن الكثافة السكانية والمرورية والعمرانية.

معايير اختيار الأشجار والمساحات

العرض الذي قدمته المكاتب الاستشارية خلال اجتماع الحكومة ركز على معايير واضحة لاختيار الأشجار والمساحات المستهدفة. وفي مقدمة هذه المعايير:

  • استخدام نظام ري مناسب يضمن الاستدامة ويخفض الفاقد المائي.
  • اختيار أشجار سريعة النمو وقادرة على توفير الظل في وقت مناسب.
  • ملاءمة الأنواع للظروف البيئية السائدة في القاهرة الكبرى.
  • تحسين المشهد البصري للطرق والميادين والكباري.
  • إدماج المساحات المتخللة داخل الأحياء في خطط إنشاء حدائق عامة جديدة.

كما تناولت المناقشات استغلال بعض الفراغات العمرانية الصغيرة والمتوسطة داخل القاهرة، ورفع كفاءة الميادين، وتكثيف الأشجار في المحاور القائمة، إلى جانب دمج المحاور الجديدة في منظومة متكاملة للتشجير والري.

ماذا يعني المشروع لسكان القاهرة؟

بالنسبة للمواطن العادي، تبدو أهمية المشروع في نتائجه المباشرة أكثر من عناوينه الرسمية. فزيادة المسطحات الخضراء تعني شوارع أقل قسوة بصريًا، ومساحات عامة يمكن أن تتحول إلى متنفس للأحياء المكتظة، فضلًا عن دور الأشجار في تنقية الهواء وتلطيف المناخ المحلي وتقليل الأتربة نسبيًا في بعض المناطق.

كما أن إعادة توظيف الأراضي الحكومية الفضاء داخل العاصمة تحمل بُعدًا عمرانيًا مهمًا؛ إذ تنقل هذه المساحات من وضع الإهمال أو الاستخدام غير المنظم إلى وظيفة عامة واضحة تخدم السكان. وفي مدينة مثل القاهرة، حيث ترتفع قيمة الأرض ويزداد الضغط على الخدمات العامة، فإن تحويل الأراضي غير المستغلة إلى حدائق صغيرة ومتوسطة يمكن أن يصنع فارقًا ملموسًا في جودة الحياة.

دور محافظة القاهرة والوزارات المعنية

الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أوضح خلال الاجتماع أن المحافظة بدأت بالفعل نموذجًا لتشجير القاهرة من خلال شارع الدكتور إبراهيم أبو النجا في مدينة نصر، مع التوسع لاحقًا في محاور وطرق رئيسية أخرى. ويشير ذلك إلى أن الحكومة تسعى لاختبار نماذج قابلة للتكرار قبل التعميم على نطاق أوسع.

وفي الوقت نفسه، أكدت وزارة الإسكان أنها تعمل مع استشاريين متخصصين على زيادة المساحات الخضراء في المدن الجديدة، مع الاعتماد على المياه المعالجة ثلاثيًا في الري. هذا التنسيق بين العاصمة القائمة والمدن الجديدة قد يمنح المشروع اتساقًا أكبر، خاصة أن جزءًا من فلسفة التطوير الحالية يقوم على ربط البنية التحتية الجديدة بمعايير الاستدامة البيئية.

هل نحن أمام تحول في شكل العاصمة؟

من السابق لأوانه الحديث عن نتائج نهائية، لكن المؤشرات الحالية توضح أن الحكومة تتجه إلى مقاربة أكثر تنظيمًا في ملف التشجير، تقوم على الحصر والتصميم والتنفيذ والمتابعة، بدلًا من الاكتفاء بمبادرات متفرقة. وإذا جرى الالتزام بالمعايير التي طُرحت، خاصة ما يتعلق باختيار الأشجار المناسبة والصيانة والري المستدام، فقد يتحول المشروع إلى أحد أكثر ملفات تحسين البيئة الحضرية حضورًا في القاهرة خلال الفترة المقبلة.

الرهان الأساسي الآن ليس فقط على زراعة الأشجار، بل على استمرارها وصيانتها وتحويل الفراغات إلى حدائق فعالة ومستخدمة من السكان. وبين توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي ومتابعة الدكتور مصطفى مدبولي، تبدو الرسالة واضحة: المطلوب ليس تجميلًا مؤقتًا، بل إعادة إدخال اللون الأخضر إلى قلب العاصمة بصورة عملية ومنظمة تخدم القاهرة وسكانها.