مدبولي يعلن أهداف التحول الاقتصادي لرفع النمو والتشغيل
مدبولي يضع ملامح برنامج اقتصادي جديد لرفع النمو وتحسين معيشة المصريين
كشف الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عن حزمة مستهدفات اقتصادية قالت الحكومة إنها ستقود المرحلة المقبلة في مصر، مع تركيز واضح على زيادة معدلات النمو، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وخلق فرص عمل جديدة، ورفع الدخول، باعتبار أن تحسين مستوى معيشة المواطن هو الهدف النهائي لأي إصلاح اقتصادي. وجاء عرض هذه التوجهات خلال فعاليات منتدى مصر 2026 في العاصمة الإدارية الجديدة، ضمن مناقشات البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي للفترة 2027-2030.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في سياق إقليمي وعربي يتسم بارتفاع الضغوط الاقتصادية، وتقلبات أسواق الطاقة، وتشدد الأوضاع التمويلية عالميًا، وهو ما يجعل أي خطة مصرية لزيادة الإنتاج والتشغيل محل متابعة واسعة داخل المنطقة، ليس فقط بحكم ثقل الاقتصاد المصري، ولكن أيضًا لأن القاهرة تمثل سوقًا رئيسية في معادلة التجارة والاستثمار والعمل عربيًا.
ما الذي تستهدفه الحكومة بالأرقام؟
بحسب ما عرضه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، تستهدف الحكومة رفع معدل النمو الاقتصادي من نحو 5.1% حاليًا إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029/2030. كما تسعى إلى زيادة نسبة الاستثمار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 12.7% إلى 20%، مع تعزيز دور القطاع الخاص بحيث ترتفع مساهمته في إجمالي الاستثمارات من 57.7% إلى 67%.
وتشمل المستهدفات أيضًا خفض معدل التضخم من 13.3% إلى نطاق يتراوح بين 5% و7%، وتقليص عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي من 5.1% إلى 2.3%. وعلى مستوى سوق العمل، أكد مدبولي أن الدولة تعمل على مواصلة خفض البطالة من 5.8% إلى 5.5%، بالتوازي مع التوسع في فرص العمل اللائق وتحسين جودة الوظائف المتاحة.
القطاع الخاص في قلب الخطة
أحد أبرز ملامح الرؤية الحكومية الجديدة يتمثل في منح مساحة أكبر للقطاع الخاص لقيادة النمو. هذا التوجه ظهر بوضوح في حديث مدبولي عن رفع حصة استثمارات القطاع الخاص، وفي مراجعات حكومية سابقة لسياسة ملكية الدولة وبرنامج الطروحات، بما يسمح بجذب رؤوس أموال جديدة وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.
وفي هذا السياق، كانت الحكومة قد راجعت كذلك خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، والتي تستهدف نموًا عند 5.4% واستثمارات إجمالية بقيمة 3.7 تريليون جنيه. كما تضمنت الخطة أولويات تتعلق بتحسين كفاءة توزيع الاستثمارات، وزيادة إنتاج الطاقة، ورفع كفاءة استخدامها، ودعم الصادرات، وهي ملفات ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل مستدامة وتحقيق نمو أكثر توازنًا.
لماذا تركز الحكومة على الإنتاج والتصنيع؟
الرسالة الأساسية في تصريحات رئيس الوزراء أن النمو المطلوب لن يتحقق عبر النشاط الخدمي وحده، بل من خلال اقتصاد أكثر اعتمادًا على القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة غير البترولية والزراعة والطاقة. وخلال اجتماعات حكومية سابقة في سبتمبر وأكتوبر 2026، شدد مدبولي على ضرورة تقوية القطاع الصناعي، وتعميق التصنيع المحلي، ورفع تنافسية المنتج المصري، بما ينعكس على الصادرات وفرص التشغيل.
هذا التوجه يرتبط أيضًا بالسياق العربي الأوسع، حيث تتسابق عدة دول في المنطقة لإعادة بناء سلاسل إمداد أقرب للأسواق المحلية والإقليمية، وتقليل الاعتماد على الواردات في السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج. ومن هنا، فإن أي توسع مصري في التصنيع أو الزراعة أو الطاقة لا ينعكس على الداخل المصري فقط، بل يؤثر كذلك في حركة التجارة والاستثمار والغذاء والطاقة على مستوى الإقليم.
3 ملايين فرصة عمل.. وملف التشغيل على الطاولة
وبالتوازي مع عرض مستهدفات النمو، برز ملف التشغيل كأحد المحاور الأكثر مباشرة بالنسبة للمواطن. فقد أعلن وزير العمل حسن رداد أن المستهدف يتضمن 3 ملايين فرصة عمل وخفض البطالة إلى 5.5%، في إطار رؤية تربط بين تنمية المهارات، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتهيئة سوق عمل أكثر جاذبية للاستثمار.
ويعني ذلك أن الحكومة لا تتحدث فقط عن أرقام كلية تخص الاقتصاد، بل عن محاولة ترجمة هذه الأرقام إلى نتائج محسوسة في سوق العمل، سواء عبر التوسع في القطاعات كثيفة العمالة، أو من خلال جذب استثمارات جديدة قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنويًا.
الطاقة والزراعة ضمن الأذرع التنفيذية
المؤشرات التي خرجت من مناقشات منتدى مصر 2026 تُظهر أن البرنامج المقترح لا يقتصر على الأهداف العامة، بل يمتد إلى ملفات تنفيذية بعينها. ففي قطاع الطاقة، جرى الحديث عن برنامج لتعزيز الإنتاج المحلي من البترول والغاز الطبيعي حتى نهاية 2030، مع استهداف رفع إنتاج الغاز إلى 6 مليارات قدم مكعبة يوميًا وزيادة إنتاج الزيت الخام والمتكثفات إلى 700 ألف برميل يوميًا.
أما في الزراعة، فتتحرك الخطة نحو زيادة الرقعة الزراعية من نحو 10.5 مليون فدان إلى 12.5 مليون فدان بحلول 2030، مع رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح إلى 60% مقارنة بنحو 55% حاليًا، في مسار يربط بين الأمن الغذائي وتقليل الضغوط على فاتورة الاستيراد.
تحسين المعيشة هو الاختبار الحقيقي
رغم وفرة المؤشرات الرقمية، فإن التحدي الأهم يظل في قدرة الحكومة على تحويل هذه المستهدفات إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية. مدبولي شدد بوضوح على أن البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي يستهدف تحسنًا ملموسًا في مستوى معيشة المواطن المصري، عبر تحسين الدخول والخدمات وجودة الحياة، إلى جانب زيادة التوظيف وتعزيز مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي.
وهنا تبدو المعادلة معقدة: فرفع النمو والاستثمار وخفض التضخم والبطالة لا يكتسبان معنى سياسيًا واجتماعيًا كاملًا إلا إذا شعر المواطن بأثر ذلك في الأسعار، والدخل، والخدمات، وفرص العمل. ولهذا تتابع الأوساط الاقتصادية العربية باهتمام ما إذا كانت مصر ستنجح في تحويل برنامجها الجديد إلى نموذج إصلاحي قابل للقياس خلال السنوات الأربع المقبلة.
قراءة إقليمية للمسار المصري
من زاوية “العالم العربي”، تمثل الخطة المصرية رسالة بأن أكبر اقتصاد سكانيًا في المنطقة ما زال يراهن على الإصلاح الهيكلي، وجذب الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات قصيرة الأجل. كما أن نجاح هذه المستهدفات قد يفتح مجالًا أوسع لتكامل اقتصادي عربي في ملفات الصناعة، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والغذاء، خاصة مع موقع مصر الجغرافي ودورها في الربط بين المشرق والمغرب العربيين وأفريقيا.
وفي المحصلة، فإن تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي لا تقدم مجرد عنوان سياسي عن النمو والتشغيل، بل ترسم إطارًا رقميًا وبرنامجيًا ستُقاس عليه الحكومة حتى 2030. وبين الطموح الرسمي والنتائج الفعلية، ستظل مؤشرات الإنتاج، وفرص العمل، والاستثمار الخاص، ومعدلات التضخم، هي المعيار الأساسي للحكم على مدى نجاح هذا المسار.