مدبولي يعود إلى القاهرة بعد افتتاح سد جوليوس نيريري
مدبولي في القاهرة بعد مشاركة مصرية لافتة في افتتاح مشروع أفريقي ضخم
عاد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة بعد زيارة إلى تنزانيا شارك خلالها نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي في الافتتاح الرسمي لمشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية، في خطوة تعكس الحضور المصري المتزايد داخل القارة الأفريقية، خاصة في مشروعات البنية الأساسية والطاقة.
الزيارة لم تكن مجرد مشاركة بروتوكولية في احتفال رسمي، بل حملت دلالات سياسية واقتصادية مهمة بالنسبة للعلاقات المصرية التنزانية، وبالنسبة أيضًا لصورة الشركات المصرية العاملة في أفريقيا. فقد جرى تنفيذ المشروع عبر تحالف مصري يضم المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، وهو ما وضع اسم مصر في قلب واحد من أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في شرق القارة.
ما الذي جرى في تنزانيا؟
خلال مراسم الافتتاح، شارك مدبولي في الفعاليات بحضور الرئيسة التنزانية سامية صلوحو حسن، إلى جانب كبار المسؤولين في تنزانيا، بينما ضم الوفد المصري وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم، ووزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المهندسة راندة المنشاوي، إلى جانب مسؤولي التحالف المنفذ للمشروع.
كما شهدت الفعاليات جولة تفقدية في مكونات السد والمحطة، ثم مراسم الافتتاح الرسمية التي تضمنت عرضًا لمراحل التنفيذ والجانب الفني للمشروع، في وقت حرصت فيه القاهرة ودار السلام على إبراز المشروع باعتباره نموذجًا عمليًا للتعاون الأفريقي-الأفريقي، وليس مجرد عقد إنشاءات عابر.
سد جوليوس نيريري.. مشروع يتجاوز رمزية الافتتاح
يقع مشروع جوليوس نيريري على نهر روفيجي في تنزانيا، وتحديدًا في منطقة ستيجلرز جورج، ويهدف إلى تعزيز قدرات البلاد الكهربائية من خلال محطة كهرومائية ضخمة. ووفق البيانات المنشورة من الجهات المرتبطة بالمشروع، تبلغ القدرة الإجمالية للمحطة 2115 ميجاوات، من خلال 9 توربينات بقدرة 235 ميجاوات لكل وحدة، وهو ما يجعله من أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في أفريقيا.
وتوضح البيانات الفنية أن المشروع نُفذ بعقد هندسة وتوريد وإنشاء وتشغيل تجريبي بين شركة الكهرباء التنزانية TANESCO والتحالف المصري، بعدما بدأ التعاقد في 12 ديسمبر 2018. كما بدأت أول وحدة فعلية في توليد الكهرباء رسميًا يوم 22 فبراير 2024، قبل الوصول إلى التشغيل الكامل لمكونات المشروع لاحقًا.
وتشير المعلومات المنشورة من الجانب التنزاني إلى أن المحطة تستهدف دعم الشبكة القومية للكهرباء وتقليل فجوة الطاقة، بينما أكدت تقارير رسمية وتنفيذية أن المشروع اقترب من الاكتمال الكامل بنسبة قاربت 99.82% بحلول مارس 2025، مع إنتاج فعلي بلغ 1880 ميجاوات على الشبكة في تلك المرحلة.
أرقام المشروع.. لماذا يحظى بكل هذا الاهتمام؟
تكمن أهمية المشروع في حجمه وتأثيره الإقليمي. فبحسب البيانات المعلنة، بلغت كلفته نحو 2.9 مليار دولار، وامتدت فترة تنفيذه الأساسية إلى 42 شهرًا شاملة التعبئة. كما يضم المشروع سدًا رئيسيًا خرسانيًا بارتفاع يقارب 131 مترًا، إلى جانب سدود تكميلية، ومحطة توليد، ومفيض رئيسي، وأنفاق، وكباري، وخطوط ربط كهربائي بجهد 400 كيلوفولت.
وتشمل الأعمال كذلك خزانًا مائيًا بسعة تقترب من 34 مليار متر مكعب، فضلًا عن بنية مساندة ضخمة من طرق ومبانٍ خدمية ومرافق تشغيل. هذه الأرقام تفسر لماذا يُنظر إلى المشروع في تنزانيا باعتباره ركيزة استراتيجية لأمن الطاقة، ولماذا تقدمه مصر باعتباره شهادة عملية على قدرة شركاتها الوطنية على تنفيذ مشروعات معقدة خارج الحدود.
أبرز مكونات المشروع
- قدرة توليد: 2115 ميجاوات.
- عدد الوحدات: 9 توربينات.
- قدرة الوحدة الواحدة: 235 ميجاوات.
- التكلفة التقديرية: نحو 2.9 مليار دولار.
- موقع المشروع: نهر روفيجي في تنزانيا.
- الجهة المالكة: TANESCO لصالح الحكومة التنزانية.
- المنفذ: تحالف المقاولون العرب والسويدي إليكتريك.
رسالة مصر في شرق أفريقيا
بالنسبة للقاهرة، لا يقتصر معنى الحدث على إنجاز هندسي. فمشاركة مدبولي في الافتتاح نيابة عن الرئيس السيسي تعكس أن ملف التعاون مع دول حوض النيل وشرق أفريقيا ما زال يحظى بأولوية سياسية واضحة. كما أن الحديث المصري خلال المناسبة ركز على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بعد إنجاز المشروع، بما يشمل مجالات التشييد، والنقل، والموانئ، والزراعة، والدواء، والطاقة.
وهذا البعد مهم للقارئ المصري تحديدًا، لأن الحضور المصري في أفريقيا لم يعد مقتصرًا على الدبلوماسية الرسمية، بل بات يرتبط أيضًا بتصدير الخبرة الهندسية، وفتح أسواق جديدة للشركات، وبناء مصالح تنموية طويلة الأجل مع دول القارة.
ماذا يعني المشروع لتنزانيا؟
تنزانيا تراهن على المشروع كأداة لدعم التصنيع وتوسيع الإمدادات الكهربائية وتحسين استقرار الشبكة. وتؤكد شركة الكهرباء التنزانية أن المشروع يقع على بُعد نحو 350 كيلومترًا من دار السلام، وأنه يمثل تحولًا كبيرًا في قدرة البلاد على إنتاج الكهرباء من المصادر المائية.
كما أن المشروع يرتبط، في القراءة التنزانية، بخطط أوسع لتوسيع البنية التحتية وربط الطاقة بالنمو الصناعي. ولهذا جاء الافتتاح الرسمي في لحظة تسعى فيها دار السلام إلى إبراز إنجازات حكومية كبرى في قطاعات النقل والطاقة والتصنيع.
مكسب للشركات المصرية في القارة
من بين الزوايا اللافتة في القصة، أن المشروع يعزز سجل الشركات المصرية في السوق الأفريقية. فـالمقاولون العرب والسويدي إليكتريك لم تنفذا مجرد محطة طاقة، بل مشروعًا مركبًا يضم أعمالًا مدنية وكهروميكانيكية وكهربائية معقدة، في بيئة تشغيلية صعبة نسبيًا. كما تشير البيانات المعلنة إلى مشاركة آلاف العمال، وكان معظمهم من الجانب التنزاني، إلى جانب كوادر مصرية فنية وإدارية.
هذا النوع من المشروعات يرفع بدوره من القدرة التنافسية للشركات المصرية في المناقصات الإقليمية المقبلة، خاصة مع تزايد الطلب الأفريقي على مشروعات الطاقة والمياه والربط الكهربائي والطرق.
خلاصة المشهد
عودة مصطفى مدبولي إلى القاهرة بعد المشاركة في افتتاح سد ومحطة جوليوس نيريري لا تختزل نهاية زيارة رسمية فقط، بل تلخص فصلًا مهمًا في مسار التعاون المصري التنزاني. فالمشروع يجمع بين السياسة والتنمية والاقتصاد، ويقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تحرك مصر داخل أفريقيا عبر أدوات عملية وملموسة.
وفي توقيت تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على النفاذ إلى الأسواق الأفريقية، تبدو هذه النوعية من المشروعات أكثر من مجرد خبر عابر؛ إنها عنوان لحضور مصري يريد أن يترجم علاقاته القارية إلى بنية تحتية، وطاقة، وشراكات طويلة المدى داخل أفريقيا.