Akhbar Cairo

مدرسة ميناب.. كيف انتهى مبنى «محمي» إلى قصف أمريكي دامٍ؟

مدرسة ميناب: من موقع «محمي» إلى واحدة من أكثر الضربات إثارة للغضب

عاد اسم مدرسة شجرة طيبة الابتدائية في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان جنوبي إيران إلى الواجهة، بعد تحقيق جديد لوكالة أسوشيتد برس نشر في 1 يوليو 2026 قال إن الإدارة الأمريكية لم تعلن حتى الآن نتائج التحقيق العسكري الكامل في الضربة التي دمرت المدرسة يوم 28 فبراير 2026، رغم توفر مؤشرات مبكرة لدى الجيش الأمريكي على أن الموقع الذي أصيب كان مدرسة مدنية وليس هدفا عسكريا. وبحسب التحقيق، فإن الحادثة ما زالت تثير أسئلة صعبة بشأن آليات تحديد الأهداف، ومدى التزام واشنطن بقواعد حماية المدنيين أثناء الحرب.

القضية تكتسب حساسية خاصة في منطقتنا العربية، لأن ما جرى في ميناب لا يتعلق فقط بخطأ عسكري معزول، بل يفتح نقاشا أوسع عن كلفة الحروب الحديثة في الإقليم، وعن هشاشة الفاصل بين المنشآت العسكرية والمرافق المدنية في مناطق النزاع، وهي مسألة تعرفها شعوب الشرق الأوسط جيدا.

ماذا حدث في 28 فبراير 2026؟

تشير المعطيات التي جمعتها أسوشيتد برس إلى أن الانفجار الذي ضرب المدرسة في ساعات الدراسة كان على الأرجح نتيجة ضربة أمريكية استهدفت أيضا مجمعا مجاورا مرتبطا بـالحرس الثوري الإيراني. صور الأقمار الصناعية التي راجعتها الوكالة أظهرت دمارا واسعا في مبنى المدرسة، فيما قالت تقارير حقوقية إن الموقع كان مكتظا بالأطفال وقت الهجوم.

الأرقام النهائية بقيت محل تدقيق لأسابيع، لكن مجموعة Airwars المتخصصة في توثيق ضحايا النزاعات قالت إنها تمكنت من التحقق من هوية 157 قتيلا، بينهم 123 طفلا جميعهم في سن 13 عاما أو أقل، إضافة إلى 34 بالغا. وذكرت المجموعة أن الحصيلة الإجمالية للقتلى تراوحت بين 157 و168 شخصا، بينما تراوح عدد المصابين بين 95 و111. كما أشارت إلى أن من بين الضحايا 26 من العاملين في المدرسة، وبينهم موظفة حامل، إلى جانب خمسة أولياء أمور فقد كل منهم طفلا واحدا على الأقل.

لماذا اعتبر القصف صادما؟

الصدمة لا ترتبط بعدد الضحايا فقط، بل بطبيعة المكان المستهدف. فبحسب ما نقلته تقارير إعلامية وحقوقية عن التحقيقات الأولية، فإن المبنى كان مدرجا في بنك الأهداف استنادا إلى معلومات قديمة لم تُحدَّث منذ نحو 7 سنوات. وخلال تلك الفترة، تغيرت طبيعة الموقع بوضوح وتحول إلى منشأة تعليمية، مع إزالة مظاهر الاستخدام العسكري وظهور مؤشرات مدنية واضحة مثل المداخل العامة وساحات اللعب وطلاء الجدران بألوان مدرسية.

هذا المعطى تحديدا هو ما جعل الحادثة محورا لانتقادات واسعة؛ إذ إن بقاء موقع مدني على قوائم الاستهداف، رغم تغير حالته على الأرض، يعكس خللا خطيرا في مراجعة المعلومات الاستخباراتية قبل تنفيذ الضربات.

ماذا قالت واشنطن؟

حتى الآن، لم تصدر الولايات المتحدة اعترافا علنيا ومفصلا بالمسؤولية على النحو الذي تطالب به عائلات الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان. ووفقا لتحقيق أسوشيتد برس المنشور في 1 يوليو 2026، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال ردا على سؤال عن التحقيق: إنه لا يعلم ما إذا كانت المشكلة ستحل أصلا، بينما قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن التقرير سيُنشر «في الوقت المناسب» من دون تحديد موعد.

الوكالة نقلت أيضا عن مسؤول أمريكي مطلع، طلب عدم كشف هويته، أن الجيش الأمريكي امتلك أدلة سريعة بعد الضربة على أن المدرسة هي التي أصيبت فعلا. لكن، وعلى الرغم من ذلك، لم تُنشر النتائج الرسمية الكاملة للتحقيق العسكري الذي كلفت به القيادة المركزية الأمريكية.

تحقيقات حقوقية: هل نحن أمام انتهاك لقوانين الحرب؟

منظمات حقوق الإنسان تعاملت مع الملف باعتباره أكثر من مجرد «خطأ مأساوي». فقد قالت هيومن رايتس ووتش في بيانات صدرت في مارس 2026 إن الهجوم على مدرسة ابتدائية في ميناب يجب أن يخضع لتحقيق مستقل بوصفه جريمة حرب محتملة، مشيرة إلى أن استهداف مدرسة قبل الظهر وفي يوم دراسي يفرض مستوى أعلى من التحقق قبل إطلاق أي ذخيرة.

كما اعتبرت المنظمة أن نتائج التحقيق الأمريكي الأولية، كما ظهرت في التغطيات اللاحقة، تكشف مخالفة لقوانين الحرب لا يمكن اختزالها في مجرد خطأ بلا مسؤولية. وفي الاتجاه نفسه، أدانت جهات تابعة للأمم المتحدة، من بينها اليونسكو ومسؤولون أمميون، قصف المدرسة ووصفت ما جرى بأنه انتهاك جسيم للقانون الإنساني الدولي.

ماذا نعرف عن المدرسة نفسها؟

اسم المدرسة الذي تكرر في التقارير هو شجرة طيبة الابتدائية. ووفقا لمعطيات أسوشيتد برس، فهي واحدة من مدارس أُنشئت لخدمة أبناء أسر مرتبطة بمؤسسات الدولة الإيرانية، بما فيها عائلات على صلة بالحرس الثوري. لكن هذا الارتباط الاجتماعي أو الإداري لا يغير من الوضع القانوني للمدرسة كمنشأة تعليمية مدنية، ما دامت لا تستخدم لأغراض عسكرية وقت الاستهداف.

وهنا تكمن جوهر المعضلة: فوجود منشأة تعليمية قرب مجمع أمني أو عسكري لا يبرر تلقائيا ضربها، خصوصا إذا كانت المؤشرات البصرية والميدانية تؤكد أنها مدرسة قائمة وتعمل خلال اليوم الدراسي.

لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟

بالنسبة للجمهور المصري، تكتسب هذه القصة أهمية تتجاوز إيران والولايات المتحدة. فالنقاش حول حماية المدنيين، وخصوصا الأطفال، في الحروب الدائرة حول الإقليم ليس نقاشا بعيدا. من غزة إلى السودان واليمن وسوريا، يظل السؤال نفسه مطروحا: كيف يمكن أن تتحول المدارس والمستشفيات والأحياء السكنية إلى أهداف، أو إلى ضحايا جانبية، في ظل خطاب عسكري يقول إنه «دقيق»؟

كما أن حادثة ميناب تعيد التذكير بأن الاعتماد على معلومات استخباراتية قديمة أو غير محدثة يمكن أن يقود إلى كوارث إنسانية، وأن أي حديث عن «ضربات جراحية» يفقد معناه عندما يكون الثمن عشرات الأطفال تحت الأنقاض.

ماذا بعد؟

حتى مطلع يوليو 2026، لا يزال تقرير البنتاغون النهائي غير معلن، بينما يواصل أعضاء في الكونغرس الأمريكي، بحسب أسوشيتد برس، المطالبة بمزيد من الشفافية. وفي المقابل، تحولت ميناب داخل إيران إلى رمز سياسي وإنساني، حتى إن فريق التفاوض الإيراني الساعي إلى وقف الحرب حمل اسم «ميناب 168» في إشارة إلى العدد الأعلى المتداول للضحايا.

وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للقصة: فالحروب لا تنتهي عند لحظة القصف، بل تبدأ بعدها معركة أخرى حول الحقيقة والمساءلة والعدالة. وفي حالة مدرسة ميناب، ما زالت هذه المعركة مفتوحة، فيما تنتظر عائلات القتلى إجابة واضحة عن سؤال بسيط وقاس في آن واحد: كيف قُصفت مدرسة كان يفترض أن تكون محمية؟

  • تاريخ الهجوم: 28 فبراير 2026
  • المكان: مدينة ميناب، محافظة هرمزغان، جنوب إيران
  • المدرسة: شجرة طيبة الابتدائية
  • القتلى المتحقق من هوياتهم: 157
  • بينهم أطفال: 123 طفلا
  • الحد الأعلى المتداول للضحايا: 168 قتيلا
  • وضع التحقيق الأمريكي: لم تُنشر نتائجه النهائية حتى 1 يوليو 2026

وبينما تتسع الضغوط الحقوقية والإعلامية، تبقى مدرسة ميناب واحدة من أكثر الوقائع إيلاما في الحرب على إيران خلال 2026، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، بل لأن كل المؤشرات المتاحة اليوم تقول إن الكارثة كان يمكن تفاديها لو جرى تحديث المعلومات والتدقيق في طبيعة الهدف كما ينبغي.