Akhbar Cairo

مدريد ترد على تهديدات ترامب: التجارة مع إسبانيا ليست ورقة سهلة

مدريد لا تتعامل مع تهديد ترامب بوصفه نهاية للعلاقة

جاء رد الحكومة الإسبانية على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا هادئًا في نبرته، لكنه حاسم في مضمونه. فمدريد شددت على أن علاقتها مع الولايات المتحدة واسعة ومتشعبة، اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا، وأنها لا تنظر إلى هذا المسار باعتباره ملفًا يمكن حسمه بعبارة سياسية عابرة. ومن زاوية تحليلية، يبدو أن الموقف الإسباني يقوم على فكرتين واضحتين: الأولى أن واشنطن نفسها تستفيد بقوة من هذا التشابك الاقتصادي، والثانية أن التجارة مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي لا تُدار أصلًا من خلال تفاوض ثنائي مباشر مع مدريد وحدها.

اللافت أن هذا السجال لم يأتِ من فراغ. فتصريحات ترامب ارتبطت مجددًا بخلافه مع إسبانيا حول الإنفاق الدفاعي داخل حلف الناتو، بعدما انتقد مدريد بسبب عدم التزامها بالنسبة التي يطالب بها البيت الأبيض. لكن نقل هذا الخلاف من ساحة الدفاع إلى ساحة التجارة يكشف، في جوهره، نزعة لاستخدام الرسوم والتهديدات الاقتصادية كأداة ضغط سياسي، وهي مقاربة طبعت كثيرًا من مواقف ترامب تجاه شركاء وحلفاء قبل خصومه.

لماذا ترى إسبانيا أن التهديد محدود الفاعلية؟

أحد أهم عناصر الرد الإسباني هو التذكير بأن السياسة التجارية ليست اختصاصًا وطنيًا خالصًا داخل الاتحاد الأوروبي. فالمفوضية الأوروبية هي الجهة المخولة بالتفاوض التجاري باسم الدول الأعضاء، ما يعني أن أي استهداف أمريكي لإسبانيا في هذا الملف لا يمكن عزله بسهولة عن الإطار الأوروبي الأوسع. لهذا السبب، تنظر مدريد إلى التهديد باعتباره جزءًا من معركة سياسية رمزية، أكثر من كونه خطة تنفيذية مباشرة قابلة للتطبيق بين ليلة وضحاها.

هذه النقطة بالذات مهمة للقارئ المصري والعربي، لأنها تشرح لماذا تبدو بعض تصريحات القادة الكبار أعلى صوتًا من قدرتها الفعلية على الترجمة السريعة إلى قرارات. داخل الاتحاد الأوروبي، لا تتحرك دولة مثل إسبانيا تجاريًا بمعزل عن بروكسل، تمامًا كما أن أي تصعيد أمريكي ضدها يفتح تلقائيًا بابًا أوسع مع الاتحاد كله، لا مع مدريد وحدها.

الأرقام لا تدعم خطاب القطيعة السهل

عند النظر إلى حجم المصالح عبر الأطلسي، تتضح هشاشة فكرة “القطع الكامل” للتجارة. فالمفوضية الأوروبية تصف العلاقة التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بأنها الأكبر في العالم. ووفق بياناتها، بلغت صادرات السلع الأوروبية إلى السوق الأمريكية 554.9 مليار يورو في 2024، مقابل واردات بقيمة 355.7 مليار يورو، بينما وصل التبادل في الخدمات بين الجانبين إلى 865.2 مليار يورو في العام نفسه.

صحيح أن الاتحاد الأوروبي حقق فائضًا في تجارة السلع مع الولايات المتحدة، لكن الصورة الكاملة أكثر توازنًا حين تُضاف الخدمات. فبيانات الممثل التجاري الأمريكي تشير إلى أن تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بلغت نحو 1.5 تريليون دولار في 2024، مع تحقيق الولايات المتحدة فائضًا في تجارة الخدمات بقيمة 88.6 مليار دولار. لذلك، فإن حديث مدريد عن أن واشنطن أيضًا مستفيدة من العلاقات الاقتصادية ليس مجرد رد سياسي، بل يستند إلى بنية تبادلية حقيقية تجعل من القطيعة الشاملة خيارًا مرتفع الكلفة على الطرفين.

من السلع إلى السياسة: أين يمكن أن يظهر الضغط الحقيقي؟

إذا كان القطع الكامل للعلاقات التجارية يبدو صعبًا، فهذا لا يعني أن الضرر مستبعد. الخطر الأكثر واقعية يتمثل في استخدام الرسوم الجمركية أو القيود القطاعية، لا سيما ضد منتجات حساسة سياسيًا واقتصاديًا. في الحالة الإسبانية، غالبًا ما يُشار إلى قطاعات مثل الأغذية والمشروبات وزيت الزيتون والنبيذ وبعض الصناعات الدوائية بوصفها الأكثر تعرضًا لأي تصعيد أمريكي محتمل.

والواقع أن إسبانيا ليست غريبة عن هذا النوع من التهديدات. ففي ربيع 2025، أعلنت حكومة بيدرو سانشيز خطة استجابة وإعادة إطلاق تجاري بقيمة 14.1 مليار يورو لتخفيف أثر الرسوم الأمريكية، في إشارة إلى أن مدريد تتعامل بجدية مع احتمال انتقال التوتر السياسي إلى الاقتصاد. هذه الخطوة تكشف أن الحكومة الإسبانية لا تستهين بخطاب ترامب، لكنها في الوقت نفسه لا تمنحه صفة الحتمية.

هل الأزمة مع إسبانيا أم مع أوروبا؟

تحليل الموقف يقود إلى نتيجة أوسع: المشكلة ليست مع إسبانيا وحدها بقدر ما هي امتداد للتوتر الأمريكي الأوروبي حول التجارة، وفائض السلع، وأعباء الدفاع، وشروط التحالف الغربي. ترامب لطالما قدّم العجز الأمريكي في تجارة السلع مع أوروبا باعتباره دليلًا على اختلال يجب تصحيحه، بينما ترد المؤسسات الأوروبية بأن التركيز على السلع وحدها يتجاهل الفائض الأمريكي الكبير في الخدمات والاستثمارات وفرص العمل المتبادلة.

ومن هنا، تبدو إسبانيا بالنسبة لترامب حلقة مناسبة للضغط السياسي لسببين: أولًا لأنها أبدت تمايزًا في ملف الإنفاق الدفاعي، وثانيًا لأن استهداف دولة بعينها أسهل خطابًا أمام الجمهور الأمريكي من خوض نقاش معقد مع الاتحاد الأوروبي كمؤسسة. لكن على مستوى التطبيق، تبقى بروكسل اللاعب الحاسم، لا مدريد وحدها.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر والمنطقة؟

قد يبدو الخلاف بعيدًا جغرافيًا، لكنه يحمل دلالات مهمة لاقتصادات المتوسط، ومنها مصر. فأي توتر تجاري بين واشنطن والاتحاد الأوروبي يضغط على سلاسل الإمداد، ويؤثر في أسعار بعض السلع، ويعيد ترتيب أولويات المستثمرين والشركات متعددة الجنسيات. كما أن إسبانيا تُعد شريكًا مهمًا في جنوب أوروبا، وأي اهتزاز في تجارتها مع الولايات المتحدة قد ينعكس على تدفقات أوسع داخل السوق الأوروبية، التي ترتبط مصر معها بشبكات تبادل واستثمار وسياحة وطاقة.

ومن منظور سياسي، يكشف هذا السجال كيف باتت الملفات الاقتصادية تُستخدم بصورة متزايدة في النزاعات بين الحلفاء، لا في الخصومات التقليدية فقط. وهذه نقطة تستحق المتابعة عربيًا، لأن العالم يتحرك أكثر فأكثر نحو تسييس التجارة، وربط الرسوم الجمركية بملفات الأمن والهجرة والطاقة والدفاع.

الخلاصة: رد إسباني عقلاني على تصعيد أمريكي صاخب

في المحصلة، اختارت مدريد عدم الانجرار إلى لغة القطيعة، وردّت بمنطق المصالح والمؤسسات. فهي تعرف أن العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة أعمق من أن تُلغى بقرار انفعالي، وتعرف أيضًا أن أي مواجهة تجارية من هذا النوع لن تكون مع إسبانيا وحدها، بل مع الاتحاد الأوروبي كله. لذلك، يبدو ردها أقرب إلى رسالة مزدوجة: لا تهوين من المخاطر، ولا تهويل من التصريحات.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن القضية تقدم مثالًا واضحًا على الفارق بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي. قد تكون العناوين صاخبة، لكن الأرقام والمؤسسات وشبكات المصالح تقول إن التجارة عبر الأطلسي أكبر من أن تُختزل في تهديد واحد، حتى لو صدر عن رئيس بحجم دونالد ترامب.

  • النقطة الأولى: مدريد ترى أن العلاقة الاقتصادية مع واشنطن متينة ومتشابكة.
  • النقطة الثانية: التفاوض التجاري مع دول الاتحاد الأوروبي يتم أساسًا عبر المفوضية الأوروبية.
  • النقطة الثالثة: الولايات المتحدة تستفيد بقوة من تجارة الخدمات والاستثمار مع أوروبا.
  • النقطة الرابعة: السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس القطيعة الكاملة، بل ضغوط جمركية وانتقائية.