مزاعم إسرائيلية جديدة عن اتصالات حماس قبل 7 أكتوبر
مزاعم إسرائيلية متجددة تعيد فتح ملف ما قبل 7 أكتوبر
عادت وسائل إعلام إسرائيلية في الأيام الأخيرة إلى إثارة ملف الاتصالات والتحذيرات التي سبقت هجمات 7 أكتوبر 2023، عبر نشر روايات جديدة تتحدث عن شخص إسرائيلي قال إنه التقط أو تابع مؤشرات مبكرة مرتبطة بحركة حماس داخل قطاع غزة. وبحسب ما جرى تداوله في الإعلام العبري، فإن الرواية الجديدة تحاول الإيحاء بأن بعض الإشارات المسبقة كانت موجودة، لكن التقدير الأمني والسياسي في إسرائيل لم يتعامل معها بالجدية الكافية.
هذه المزاعم لا يمكن فصلها عن الجدل الإسرائيلي المستمر منذ الهجوم، والذي يدور حول حجم الإخفاق الاستخباراتي والعسكري، ومن يتحمل المسؤولية عن عدم توقع العملية أو منعها. كما أنها تأتي في توقيت ما تزال فيه الحرب على غزة تلقي بظلالها على الإقليم كله، من معبر رفح والحدود المصرية الفلسطينية إلى ملف التهدئة وإعادة الإعمار والضغوط الإنسانية المتصاعدة داخل القطاع.
ما الذي أمكن التحقق منه؟
المتاح من مصادر موثوقة لا يثبت، حتى الآن، تفاصيل الرواية المتداولة كاملة بصيغتها الإعلامية المتداولة عربياً، لكن الثابت أن تقارير إسرائيلية وأجنبية عديدة تحدثت خلال 2024 و2025 و2026 عن سلسلة إنذارات وتحذيرات وإشارات استخباراتية سبقت هجمات 7 أكتوبر، وأن المؤسسات الإسرائيلية أخفقت في تفسيرها على نحو صحيح.
وكالة أسوشيتد برس كانت قد نقلت سابقاً عن نتائج تحقيقات للجيش الإسرائيلي أن المؤسسة العسكرية أخطأت في تقدير نيات حماس وقللت من قدراتها، وهو ما سمح بحدوث الهجوم على نطاق واسع. كما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية حديثة في يونيو ويوليو 2026 إلى وثائق وملفات تقول تل أبيب إنها ضُبطت خلال الحرب، وتزعم أن حماس عملت على خداع إسرائيل وطمأنتها تدريجياً قبل تنفيذ الهجوم. وفي هذا السياق، يتكرر اسم يحيى السنوار بوصفه أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالتخطيط السياسي والعسكري داخل الحركة قبل مقتله المعلن إسرائيلياً في أكتوبر 2024.
بين الرواية الإعلامية والتحقيقات الرسمية
الفارق المهم هنا أن ما يُنشر في الإعلام العبري لا يرقى دائماً إلى مستوى الاستنتاج القضائي أو التقرير الرسمي النهائي. لذلك، فإن التعامل المهني مع هذه القصة يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات:
- أولاً: مزاعم صحفية أو شهادات فردية يجري تداولها في الإعلام.
- ثانياً: خلاصات أمنية إسرائيلية أولية تتحدث عن سوء تقدير استخباراتي سابق للهجوم.
- ثالثاً: الوقائع الثابتة على الأرض، وهي أن هجمات 7 أكتوبر شكّلت أكبر صدمة أمنية داخل إسرائيل منذ عقود وأعادت رسم مسار الحرب في غزة والمنطقة.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن أي رواية جديدة عن “اتصالات مرصودة” أو “تحذيرات مُهمَلة” تندرج ضمن محاولة أوسع داخل إسرائيل لإعادة بناء التسلسل الزمني للفشل، وليس فقط لإثبات أن شخصاً بعينه امتلك المعلومة الحاسمة قبل الهجوم.
لماذا تعود هذه القضية الآن؟
إعادة إحياء هذا الملف في منتصف 2026 ترتبط بعدة عوامل. أولها استمرار الجدل السياسي الداخلي في إسرائيل بشأن المسؤولية عن الإخفاق. وثانيها سعي مؤسسات عسكرية وإعلامية إلى تفسير كيف استطاعت حماس الحفاظ على قدر من التنظيم والاتصال والقدرة العملياتية رغم سنوات الحصار والمراقبة والتفوق التقني الإسرائيلي. أما العامل الثالث، فهو أن الحرب نفسها لم تُنهِ الأسئلة الكبرى، بل زادت حدتها.
فعلى الرغم من الضربات الواسعة التي تعرض لها القطاع، لا تزال تقارير أممية تؤكد أن الوضع الإنساني في غزة كارثي، وأن الاحتياجات الأساسية من الغذاء والمياه والوقود والمأوى ما زالت هائلة. الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي قدّروا في تقييم مشترك صدر في 20 أبريل 2026 أن كلفة التعافي وإعادة الإعمار في غزة تبلغ 71.4 مليار دولار، وهو رقم يوضح حجم الدمار الذي خلّفته الحرب، ويمنح بعداً أوسع لأي حديث عن القدرات العسكرية أو البنية التنظيمية داخل القطاع.
غزة بين القدرات العسكرية والكارثة الإنسانية
في القراءة الإسرائيلية، يُستخدم الحديث عن “تعاظم قدرات حماس” لتفسير كيف أمكن تنفيذ هجوم 7 أكتوبر، وكيف حافظت الحركة على بعض شبكاتها رغم العمليات العسكرية اللاحقة. لكن من منظور أشمل يهم القارئ المصري، فإن القضية لا تتعلق فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضاً بمصير قطاع غزة كمساحة جغرافية وسكانية ملاصقة للحدود المصرية، وما يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وإنسانية وسياسية.
تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA خلال 2026 شددت على أن المساعدات الداخلة إلى غزة ظلت أقل من الاحتياجات الفعلية في فترات عديدة، مع استمرار الضغط على الإمدادات الأساسية ونقص الوقود وتضرر البنية التحتية. كما ذكرت تقارير الأونروا أن أعداد الضحايا والنازحين وحجم الدمار جعلت القطاع في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية المعاصرة.
اسم يحيى السنوار يعود إلى الواجهة
رغم أن المزاعم الجديدة تتحدث عن اتصالات ونشاط داخل حماس بصفة عامة، فإن يحيى السنوار يظل الشخصية الأكثر حضوراً في هذا النوع من الملفات، بوصفه أحد أبرز قادة الحركة في غزة خلال السنوات السابقة للهجوم. وبعد مقتله الذي أعلنت إسرائيل عنه في 16 أكتوبر 2024، استمر اسمه في الظهور في كل نقاش يتعلق بمن خطط، ومن اتخذ القرار، وكيف جرى إعداد الهجوم على المستويين الاستخباراتي والعملياتي.
كما أن تقارير غربية وإسرائيلية متعددة ربطت بين استراتيجية الخداع التي نُسبت إلى حماس وبين محاولات إقناع إسرائيل بأن الحركة منشغلة بالترتيبات الاقتصادية والإدارية في غزة أكثر من انشغالها بخيار المواجهة الواسعة. ووفق هذا التصور، فإن الأزمة لم تكن فقط في نقص المعلومات، بل في سوء قراءة المعلومات المتاحة.
ماذا تعني هذه المزاعم لمصر والمنطقة؟
بالنسبة إلى مصر، لا تُقرأ هذه التطورات باعتبارها سجالاً إسرائيلياً داخلياً فحسب. فكل نقاش حول مستقبل حماس، ومسؤولية 7 أكتوبر، وإدارة ما بعد الحرب، ينعكس مباشرة على ملفات إقليمية حساسة تشمل معبر رفح، وجهود التهدئة، وإعادة الإعمار، وترتيبات الأمن على حدود غزة.
كما أن القاهرة كانت ولا تزال لاعباً مركزياً في الوساطات المتعلقة بوقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين والمساعدات الإنسانية. لذلك، فإن تجدد الروايات الإسرائيلية بشأن ما قبل 7 أكتوبر قد يُستخدم أيضاً كورقة في الصراع على السردية: هل كانت المشكلة في ضعف الإنذار، أم في تجاهل الإنذار، أم في فشل القيادة السياسية والأمنية في استيعاب طبيعة التهديد؟
خلاصة المشهد
المؤكد حتى الآن هو أن الرواية الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية ما زالت تتوسع مع مرور الوقت، وأن كل تسريب أو تقرير جديد يحاول إضافة حلقة إلى قصة الإخفاق الكبير الذي سبق هجمات 7 أكتوبر. لكن من دون وثائق رسمية منشورة كاملة أو نتائج نهائية مستقلة، تبقى كثير من التفاصيل في نطاق الادعاء الإعلامي لا الحقيقة القاطعة.
وبينما تتواصل هذه السجالات، تظل الحقيقة الأوسع أن حرب غزة غيّرت المشهد في المشرق وشمال أفريقيا معاً، وأن آثارها لا تقف عند حدود السرديات الأمنية الإسرائيلية، بل تمتد إلى ملف إعادة الإعمار، ومستقبل القطاع، وأمن الحدود، والدور المصري في إدارة واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيداً.