مصر أمام مجلس الأمن: الحوار مع الخرطوم مفتاح إنهاء حرب السودان
موقف مصري جديد في مجلس الأمن بشأن السودان
جددت مصر تأكيدها أمام مجلس الأمن الدولي أن إنهاء الحرب في السودان يمر أولا عبر حوار مباشر وجاد مع الحكومة السودانية، في رسالة تعكس ثبات الموقف المصري من الأزمة الممتدة على حدودها الجنوبية، وارتباطها الوثيق بأمن الإقليم واستقراره. وخلال جلسة المجلس المنعقدة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، شدد السفير إيهاب مصطفى عوض مصطفى، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، على أن التواصل البناء مع الخرطوم يجب أن يكون في صدارة أي تحرك دولي يستهدف وقف القتال وتهيئة مسار سياسي قابل للحياة.
ويكتسب هذا الطرح المصري أهمية خاصة لدى القارئ في مصر، لأن القاهرة تتعامل مع الملف السوداني ليس فقط بوصفه أزمة إقليمية، بل باعتباره مسألة تمس الأمن القومي المصري مباشرة، في ظل التداعيات الإنسانية والأمنية والاقتصادية التي فرضها النزاع منذ اندلاعه. كما أن تحرك مصر داخل الأمم المتحدة يأتي بالتوازي مع دورها الدبلوماسي والإغاثي على الأرض، سواء عبر استضافة أعداد كبيرة من السودانيين أو عبر المشاركة في المسارات الإقليمية والدولية الخاصة بالتهدئة.
ماذا قال مندوب مصر في الجلسة؟
بحسب ما نقلته وسائل إعلام مصرية استنادا إلى كلمة مصر في مجلس الأمن، أكد السفير إيهاب عوض أن الحكومة السودانية أعلنت أكثر من مرة استعدادها للتفاعل بإيجابية مع المبادرات الهادفة إلى إنهاء الحرب، معتبرا أن هذا المعطى يجب أن يدفع المجتمع الدولي إلى إعطاء أولوية للحوار معها بدلا من القفز على مؤسسات الدولة السودانية أو إضعافها. كما أشار إلى أن الخرطوم أبدت تجاوبا مع الجهود المرتبطة بالوصول إلى هدنة إنسانية تسمح بتخفيف معاناة المدنيين.
وفي مداخلات مصرية حديثة أخرى داخل المجلس خلال عام 2026، شددت القاهرة على أنه لا مبرر لاستمرار التردد الدولي إزاء الحرب، وحذرت من أن أي معالجة للعقوبات أو الترتيبات الميدانية يجب ألا تفضي إلى إضعاف مؤسسات الدولة السودانية أو الانتقاص من قدرتها على حماية المدنيين. كما أكدت مصر أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه يظل أولوية لا تقبل المساومة.
الآلية الرباعية والخماسية.. أين تقف مصر؟
أبرزت القاهرة في أكثر من مناسبة مشاركتها في الآلية الرباعية الخاصة بالسودان، والتي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، وهي آلية تقول مصر إنها تعمل من خلالها للوصول إلى هدنة إنسانية شاملة تفضي لاحقا إلى وقف دائم لإطلاق النار. كما تحدثت القاهرة عن استعدادها للقيام بدور تنسيقي بين الرباعية وما يعرف بالخماسية أو التجمع الأوسع الذي يضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية و"إيجاد" والاتحاد الأوروبي.
هذا التداخل بين المسارات يعكس إدراك مصر أن أزمة السودان لا يمكن معالجتها عبر قناة واحدة فقط. فالحل، من وجهة النظر المصرية، يحتاج إلى توازن بين التحرك الأممي، والوساطة الإقليمية، والانخراط المباشر مع مؤسسات الدولة السودانية، بما يضمن أن أي هدنة لا تتحول إلى تجميد دائم للصراع أو مدخل لتكريس الانقسام.
لماذا تصر القاهرة على أولوية الحوار مع الخرطوم؟
ترى مصر أن أي تسوية قابلة للاستمرار ينبغي أن تنطلق من مبدأ الملكية الوطنية السودانية للعملية السياسية، وهو مبدأ تكرر أيضا في وثائق ومداولات أممية مرتبطة بالملف. ومن هذا المنطلق، تعتبر القاهرة أن تهميش الحكومة السودانية أو التعامل مع أطراف الأزمة على نحو يساوي بين مؤسسات الدولة والجماعات المسلحة قد يعرقل فرص الوصول إلى تسوية مستقرة، بل قد يطيل أمد الحرب.
ويأتي هذا الموقف في وقت لا تزال فيه المؤسسات الدولية تحذر من خطورة الأوضاع الإنسانية داخل السودان. كما أن الأمم المتحدة تحدثت خلال 2026 عن الحاجة إلى تنسيق دولي وإقليمي أوسع لدعم التهدئة، مع الإشارة إلى أدوار كل من الرباعية والخماسية في الدفع نحو هدنة ومسار سياسي سوداني-سوداني.
البعد الإنساني في التحرك المصري
من النقاط التي تكررها القاهرة في مداولاتها الأممية أنها لا تتحدث من موقع سياسي فقط، بل من واقع مساهمة فعلية في الاستجابة الإنسانية. فمصر أعلنت أمام مجلس الأمن أنها تواصل تقديم الدعم والمساعدة لأكثر من 1.5 مليون سوداني، في رقم يعكس حجم العبء الذي تتحمله الدولة المصرية والمجتمع المضيف، خصوصا في مجالات الإقامة والخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية.
وفي سياق متصل، كانت الهيئة العامة للاستعلامات قد أشارت في تقارير سابقة إلى استمرار الجهد المصري في دعم السودان والحفاظ على وحدته، مع ربط واضح بين استقرار السودان واستقرار الأمن القومي المصري. كما برز هذا التوجه في لقاءات رسمية مصرية مع مسؤولين سودانيين وفي تصريحات وزارة الخارجية المصرية خلال 2026.
رسائل مصر للمجتمع الدولي
يمكن تلخيص الرسالة المصرية في مجلس الأمن في عدة محاور أساسية:
- أولا: ضرورة إعطاء أولوية للحوار المباشر مع الحكومة السودانية بوصفها طرفا رئيسيا في أي تسوية.
- ثانيا: دعم مساعي التوصل إلى هدنة إنسانية شاملة تسمح بحماية المدنيين وإيصال المساعدات.
- ثالثا: رفض أي ترتيبات أو مقاربات يمكن أن تؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة أو تكريس تقسيم السودان.
- رابعا: تعزيز التنسيق بين المبادرات الإقليمية والدولية بدلا من تشتتها أو تنافسها.
هذه الرسائل لا تنفصل عن خطاب مصري أوسع تبناه السفير إيهاب عوض منذ توليه منصبه ممثلا دائما لمصر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وهو المنصب الذي تسلمه رسميا في ديسمبر 2025 بعد تقديم أوراق اعتماده إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لمصر؟
بالنسبة للقاهرة، فإن استمرار الحرب في السودان لا يمثل أزمة خارجية بعيدة، بل تحديا مباشرا يمتد أثره إلى الحدود والأمن الإقليمي وحركة السكان والتجارة والموارد. لذلك يبدو مفهوما أن تدفع مصر داخل مجلس الأمن باتجاه صيغة تجمع بين وقف الحرب والحفاظ على الدولة السودانية، لا سيما في ضوء المخاوف من اتساع المواجهات وتزايد التدخلات العابرة للحدود.
ومن المرجح أن تواصل مصر خلال الفترة المقبلة هذا المسار المزدوج: ضغط دبلوماسي داخل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، مع استمرار الانخراط في الجهود الإنسانية والوساطات السياسية. وفي ظل تعقيد المشهد السوداني، فإن الرهان المصري يظل قائما على أن أي تسوية حقيقية يجب أن تبدأ بخفض التصعيد، ثم بناء هدنة ذات ترتيبات واضحة، وصولا إلى عملية سياسية تحافظ على وحدة السودان ومؤسساته.
في المحصلة، تكشف كلمة مصر الأخيرة في مجلس الأمن عن ثبات في الرؤية أكثر من كونها مجرد موقف عابر: لا حل من دون حوار مع الخرطوم، ولا هدنة ناجحة إذا فتحت الباب لتقسيم السودان، ولا استقرار إقليميا من دون وقف الحرب عند الجار الجنوبي لمصر. وهي معادلة تبدو مرشحة للبقاء في قلب التحرك المصري ما دامت الأزمة السودانية مفتوحة.