مصر أمام مجلس الأمن: السلام يبدأ بإنهاء الاحتلال والانسحاب من غزة والجولان
مصر تجدد موقفها في مجلس الأمن: لا سلام دائم من دون إنهاء الاحتلال
أكد السفير إيهاب عوض، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، أن الوصول إلى سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط يظل مرهونًا بمعالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وجاء الموقف المصري خلال كلمة ألقاها عوض في جلسة لمجلس الأمن تناولت تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، في وقت تشهد فيه القضية الفلسطينية ضغوطًا متزايدة مرتبطة بالوضع الإنساني في غزة والتصعيد المستمر في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وبحسب نص الكلمة المنشور في سجلات الأمم المتحدة، شدد المندوب المصري على أن مجلس الأمن مطالب بالاضطلاع بمسؤولياته، وإلزام إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، بتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2334 الخاص بعدم شرعية الاستيطان، والقرار 2803 المرتبط بخطة إنهاء النزاع في غزة وترتيبات وقف إطلاق النار. كما طالب بوقف كل الإجراءات الأحادية التي تقوض وحدة الأراضي الفلسطينية أو تمس الوضع القانوني والتاريخي للأراضي المحتلة.
ما الذي قالته مصر تحديدًا في الجلسة؟
الموقف المصري في مجلس الأمن جاء بصياغة واضحة تربط بين المسار السياسي ووقف الممارسات الميدانية التي تفجر الأزمة. فقد دعا السفير إيهاب عوض إلى:
- وقف الأنشطة الاستيطانية وكل محاولات الضم أو فرض الأمر الواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
- احترام ترتيبات وقف إطلاق النار وضمان تنفيذها الكامل.
- تأمين دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل آمن ودون عوائق.
- عدم عرقلة جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار داخل القطاع.
- الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة في نهاية المطاف.
- وقف الاعتداءات على المدنيين الفلسطينيين ومحاسبة مرتكبي عنف المستوطنين.
كما شددت مصر على أن الحفاظ على وحدة قطاع غزة والضفة الغربية مسألة أساسية لا تقبل التجزئة، وأن أي ترتيبات سياسية أو أمنية يجب ألا تفضي إلى فصل بين شطري الأرض الفلسطينية. وبرز كذلك التأكيد المصري على أن إسرائيل لا تملك سيادة على القدس الشرقية المحتلة أو على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، مع تجديد دعم الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.
القراران 2334 و2803 في صلب التحرك المصري
القرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن في ديسمبر 2016 يعد من أهم المرجعيات الدولية التي تستند إليها القاهرة في رفض الاستيطان، إذ يؤكد أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تمتلك أي شرعية قانونية وتشكل عقبة رئيسية أمام حل الدولتين.
أما القرار 2803، الذي اعتمده مجلس الأمن في 17 نوفمبر 2025، فقد تبنى الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، بما يتصل بوقف إطلاق النار، وتسهيل المساعدات، وتهيئة ترتيبات الإدارة والانتقال وإعادة الإعمار. وخلال الجلسات اللاحقة في الأمم المتحدة، تكرر الحديث عن هشاشة تثبيت هذا المسار، وهو ما يفسر إصرار القاهرة على ضرورة تنفيذ جميع الالتزامات الواردة فيه، لا الاكتفاء بالإعلانات السياسية.
رسالة مصر: السلام لا يكتمل من دون غزة والجولان وسائر الأراضي العربية
اللافت في المداخلة المصرية أنها لم تقف عند حدود الملف الفلسطيني فقط، بل ربطت بين استقرار الشرق الأوسط وإنهاء الاحتلال في كافة الأراضي العربية المحتلة. وفي هذا السياق، جددت القاهرة الدعوة إلى الانسحاب الإسرائيلي من الجولان السوري المحتل تنفيذًا لقرارات الشرعية الدولية، كما طالبت بتنفيذ الترتيبات الخاصة بالانسحاب من الأراضي اللبنانية وفق الأطر الدولية المعروفة، وفي مقدمتها القرار 1701.
هذا الطرح يعكس ثباتًا في الخطاب المصري الرسمي، الذي يربط بين التهدئة المستدامة وبين تسوية شاملة لا تقوم على إدارة الأزمات فقط، بل على إزالة أسبابها القانونية والسياسية. ومن منظور مصري، فإن فرض الوقائع بالقوة لن يصنع استقرارًا حقيقيًا، بل يمدد عمر التوترات ويهدد بتوسيعها إقليميًا.
لماذا يحظى الموقف المصري بمتابعة واسعة؟
تتابع الأوساط السياسية والإعلامية في مصر باهتمام ما يصدر عن بعثة القاهرة في الأمم المتحدة، لأن هذا الملف يمس مباشرة الأمن القومي المصري، خصوصًا في ما يتعلق بقطاع غزة، الذي يرتبط بحدود مباشرة مع مصر وبملفات إنسانية وأمنية وسياسية شديدة الحساسية. كما أن القاهرة ظلت لاعبًا محوريًا في جهود الوساطة، سواء في ملفات وقف إطلاق النار أو تبادل التهدئة أو الدفع نحو مسار سياسي أوسع.
وفي هذا الإطار، تظهر أهمية الكلمة التي ألقاها السفير إيهاب عوض، الذي قدم أوراق اعتماده مندوبًا دائمًا لمصر لدى الأمم المتحدة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش في 18 ديسمبر 2025. كما أظهرت صور الأمم المتحدة الرسمية حضوره في لقاءات رفيعة المستوى بنيويورك خلال عام 2026، بينها لقاء مع نائبة الأمين العام أمينة محمد في 28 يناير 2026.
دلالات التحرك المصري في توقيت حساس
تأتي الرسالة المصرية في لحظة دولية معقدة، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة ومداولات مجلس الأمن إلى استمرار التدهور الإنساني في غزة، بالتوازي مع تصاعد أنشطة الاستيطان والعنف في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. لذلك، تحاول القاهرة الدفع باتجاه مسار مزدوج: تثبيت وقف إطلاق النار ميدانيًا، ومنع تقويض الأفق السياسي عبر إجراءات أحادية مثل الضم أو التهجير أو تفكيك وحدة الأرض الفلسطينية.
كذلك يعكس الخطاب المصري رفضًا واضحًا لتهميش المؤسسات الدولية أو الالتفاف على مرجعيات القانون الدولي. فالقاهرة تؤكد بصورة متكررة أن الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، وعدم استهداف الوكالات الإنسانية، ليست مسائل تفاوضية بل التزامات واجبة النفاذ.
خلاصة الموقف المصري
جوهر الرسالة التي حملتها كلمة مصر أمام مجلس الأمن يتمثل في أن السلام الحقيقي لا يبدأ من الترتيبات المؤقتة وحدها، بل من إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وصون وحدة الأرض الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، إلى جانب استعادة بقية الأراضي العربية المحتلة، وفي مقدمتها الجولان السوري. ومن هنا، فإن القاهرة تعيد التذكير بأن أي مقاربة تتجاوز هذه الأسس لن تفضي إلى استقرار دائم، مهما تعددت المبادرات أو تبدلت موازين اللحظة السياسية.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه المواقف لا تعبر فقط عن ثوابت دبلوماسية، بل عن رؤية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة ومستقبلها، وبقناعة مصرية راسخة بأن التسوية العادلة وحدها قادرة على وقف دوامة الحرب وفتح الطريق أمام سلام قابل للحياة.