مصر تبحث مع البنك الدولي تمويل البنية التحتية بالجنيه
مباحثات مصرية في بانكوك لفتح مسار جديد لتمويل البنية التحتية
تتحرك مصر خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المنعقدة في بانكوك بتايلاند خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026، لدفع شراكات تمويلية جديدة تركز على خفض كلفة تمويل مشروعات البنية التحتية وتوسيع مساحة مشاركة القطاع الخاص. وفي هذا السياق، عقد الدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، اجتماعًا مع أنشولا كانت، المدير العام والمدير المالي لمجموعة البنك الدولي، لبحث آفاق التعاون وآلية تمويل طويلة الأجل بالعملة المحلية للمشروعات الاستراتيجية.
وتأتي هذه المباحثات في توقيت تسعى فيه القاهرة إلى تطوير أدوات تمويل أكثر مرونة، خصوصًا في القطاعات كثيفة الاستثمار مثل النقل والطاقة والمرافق، مع تقليل الاعتماد على الضمانات السيادية المباشرة والحد من الضغوط الواقعة على الموازنة العامة. وكانت وزارة التخطيط المصرية قد ناقشت بالفعل منذ مارس ثم مايو 2026، مع البنك الدولي ومؤسسات تنموية أخرى، تصميم آلية تمويل وضمان لمشروعات البنية الأساسية تستهدف معالجة فجوة التمويل طويل الأجل بالعملة المحلية.
ما الذي ناقشته مصر مع البنك الدولي؟
بحسب ما أوردته المصادر الرسمية المصرية والدولية، استعرض الوزير المصري مؤشرات أداء الاقتصاد المصري، مؤكدًا قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية ومواصلة النمو رغم تعقيدات المشهد العالمي والتوترات الجيوسياسية في المنطقة. كما عرض ملامح برنامج التحول الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة، والذي يركز على الاستقرار الكلي، واستكمال الإصلاحات الهيكلية، وتحفيز الاستثمار والإنتاج.
الشق الأهم في الاجتماع تمثل في مناقشة خطوات تنفيذ آلية يجري تطويرها بالشراكة مع البنك الدولي لتوفير حلول تمويل مبتكرة وطويلة الأجل بالجنيه المصري لمشروعات البنية التحتية. وتراهن القاهرة على أن تسهم هذه الصيغة في تخفيض المخاطر التي يتحملها المستثمر الخاص، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، ودعم استدامة المشروعات، بدلًا من تحميل الموازنة أعباء تمويلية كبيرة من البداية.
أهمية هذا التوجه لا ترتبط فقط بتمويل المشروعات، بل أيضًا بطبيعة التمويل نفسه. فتمويل الأصول طويلة العمر بعملة محلية يخفف من مخاطر تقلبات سعر الصرف على الشركات والمطورين، وهو ما يعد عنصرًا حاسمًا في جذب استثمارات خاصة إلى مشروعات تمتد آجال استردادها لسنوات طويلة. وهذا الاستنتاج تدعمه طبيعة الآلية كما عرضتها الحكومة المصرية في لقاءاتها السابقة مع البنك الدولي والمؤسسات التنموية.
لماذا يهم التمويل بالعملة المحلية؟
من منظور اقتصادي، يمثل التمويل بالعملة المحلية أحد أكثر الملفات حساسية في الأسواق الناشئة. فالكثير من مشروعات البنية التحتية تحقق إيراداتها محليًا، بينما يكون تمويلها أحيانًا بالعملات الأجنبية، ما يخلق فجوة مخاطر عند تقلب أسعار الصرف. لذلك تسعى مصر إلى بناء هيكل تمويلي يربط بين مصادر تمويل محلية وأدوات ضمان تقلل المخاطر وتجعل المشروعات أكثر جاذبية للبنوك والمستثمرين وشركات التطوير.
ويكتسب هذا المسار وزنًا إضافيًا بعد موافقة مجموعة البنك الدولي في 8 مايو 2026 على تمويل بقيمة مليار دولار لدعم جهود مصر في تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، وخلق وظائف يقودها القطاع الخاص، ودفع التحول الأخضر. هذا التمويل الأوسع يعكس استمرار الشراكة بين القاهرة والبنك الدولي في ملفات الإصلاح والاستثمار والتنمية المستدامة.
أنشولا كانت ودور البنك الدولي في ابتكار أدوات التمويل
تعد أنشولا كانت من أبرز المسؤولين الماليين داخل مجموعة البنك الدولي؛ فهي تشغل منصب المدير العام والمدير المالي منذ 7 أكتوبر 2019، وتتولى الإشراف على الإدارة المالية والمخاطر وتعبئة الموارد المالية للمجموعة. ويعطي هذا المنصب وزنًا خاصًا لاجتماعها مع الجانب المصري، لأن ملف التمويل المبتكر والضمانات وآليات تعبئة رأس المال يقع في صميم اختصاصها داخل المؤسسة الدولية.
وخلال الحديث عنها للمرة الأولى في هذا التقرير، تجدر الإشارة إلى أن صفحتها التعريفية على منصة World Bank Live تعرض حسابها على إنستغرام بصيغة أنشولا كانت (@kanshula على إنستغرام).
لقاء مصري-نرويجي على هامش الاجتماعات
على هامش البرنامج المكثف للاجتماعات السنوية، التقى وزير التخطيط المصري أيضًا بوزير التنمية الدولية النرويجي أوسموند غرöver أوكروست، بحضور الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، لبحث فرص توسيع التعاون بين القاهرة وأوسلو في ملفات التنمية والبنية التحتية. وتشير البيانات الرسمية النرويجية إلى أن أوكروست يتولى حقيبة التنمية الدولية منذ 4 فبراير 2025، كما أطلقت حكومته في مارس 2026 استراتيجية جديدة للتعاون مع البنك الدولي.
وبحسب ما تم تداوله حول اللقاء، أبدى الوزير النرويجي اهتمامًا بالتعرف بصورة أعمق إلى تفاصيل الآلية المصرية المقترحة وإمكانيات تطبيقها، مع تأكيد استعداد بلاده لاستكشاف فرص المشاركة في المبادرة. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ضوء نشاط النرويج داخل اجتماعات البنك الدولي نفسها؛ إذ أعلنت وزارة خارجيتها في 14 أكتوبر 2026 توقيع اتفاقين جديدين مع البنك الدولي في بانكوك لتعزيز إدارة المالية العامة ومكافحة الفساد في الدول منخفضة الدخل، بإطار تمويلي يصل إلى 110 ملايين كرونة نرويجية للفترة من 2026 إلى 2029.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
بالنسبة لمصر، فإن نجاح هذه الآلية قد يفتح الباب أمام نموذج مختلف لتمويل مشروعات البنية التحتية، يقوم على مزج أدوات الضمان والتمويل المحلي واستقطاب المستثمرين من دون التوسع في الضمانات الحكومية التقليدية. كما يمكن أن يساعد على تسريع تنفيذ مشروعات في قطاعات حيوية، مع تحسين إدارة المخاطر المالية على المدى الطويل.
ومن الناحية السياسية والاقتصادية، تعكس هذه التحركات أن ملف البنية التحتية لم يعد شأنًا محليًا صرفًا، بل بات جزءًا من نقاش دولي أوسع حول كيفية تمويل التنمية في الأسواق الناشئة وسط ارتفاع كلفة الاقتراض، وتشدد الأوضاع المالية العالمية، والحاجة إلى دور أكبر لرأس المال الخاص. ولهذا تبدو لقاءات بانكوك مهمة لمصر، ليس فقط لأنها تتابع شراكتها مع البنك الدولي، بل لأنها تختبر أيضًا قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على توفير حلول أكثر ملاءمة لاحتياجات الاقتصادات النامية.
خلاصة المشهد
الخلاصة أن القاهرة تحاول تحويل النقاش من مجرد تمويل تقليدي للمشروعات إلى هندسة مالية جديدة تسمح بتمويل البنية التحتية بالجنيه المصري، وبشروط أطول أجلًا وأكثر جذبًا للقطاع الخاص. وإذا نجحت المباحثات الجارية مع البنك الدولي وشركاء آخرين، فقد تصبح الآلية المقترحة نموذجًا قابلًا للتوسع في مشروعات أخرى، بما يمنح مصر هامشًا أوسع لإدارة أولوياتها التنموية وسط بيئة دولية لا تزال شديدة التقلب.