Akhbar Cairo

مصر تتحرك لتأسيس كيان استثماري موحد للتوسع في أفريقيا

مصر تدفع نحو مظلة استثمارية موحدة لتعزيز وجودها الاقتصادي في أفريقيا

تتجه القاهرة إلى بلورة كيان استثماري مصري متخصص يتولى تنسيق الاستثمارات المصرية في الأسواق الأفريقية، في خطوة تعكس انتقال التحرك الرسمي من مرحلة التشجيع العام إلى البحث عن آلية مؤسسية أكثر تنظيماً لاقتناص الفرص داخل القارة. هذا التوجه طرحه وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي (@egyptmfa على إنستغرام) خلال لقاءات رسمية عُقدت في 16 أغسطس 2026 مع الدكتور فهد الدوسري، رئيس مجلس إدارة المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، المعروف اختصاراً بـ BADEA، بحسب وزارة الخارجية المصرية.

الرسالة المصرية الأساسية بدت واضحة: توسيع نفاذ الشركات المصرية إلى أفريقيا يحتاج إلى أكثر من الاتصالات الدبلوماسية التقليدية، بل إلى أدوات تمويل وضمان مخاطر، وقاعدة معلومات حديثة، وشراكة أقوى مع مؤسسات التمويل التنموي العربية والأفريقية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل سعي مصر إلى رفع تنافسية شركاتها في قطاعات البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والصناعات الهندسية، والاتصالات، والأنشطة المرتبطة بسلاسل الإمداد داخل القارة.

ما الذي تخطط له القاهرة؟

وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية، فإن التصور المطروح يقوم على تأسيس كيان يضم جهات حكومية، والقطاع المصرفي، والقطاع الخاص، بحيث يتولى تنسيق الاستثمارات المصرية في أفريقيا، إلى جانب إعداد قاعدة بيانات متكاملة للفرص الاستثمارية والمشروعات ذات الأولوية. الهدف هنا ليس فقط الترويج، بل تحسين كفاءة تحرك الشركات المصرية وتقليل التعثر عند دخول أسواق جديدة تختلف تشريعياً وإدارياً من دولة إلى أخرى.

وترى القاهرة أن هذا الإطار المؤسسي يمكن أن يعالج إحدى أبرز مشكلات التوسع الخارجي للشركات المصرية، وهي تشتت المعلومات والتمويل وغياب جهة موحدة تجمع بين التعريف بالفرص، وتقدير المخاطر، والتواصل مع الحكومات والمؤسسات الأفريقية. كما ربطت الحكومة بين هذه الخطوة ومستهدفات رؤية مصر 2030، التي تعطي وزناً أكبر لزيادة الصادرات، وتعميق الشراكات الاقتصادية، ودعم دور القطاع الخاص.

طلب مصري بزيادة دعم BADEA

خلال اللقاء مع فهد الدوسري، طلب الوزير بدر عبد العاطي توسيع مساهمة BADEA في عدد من المسارات، أبرزها تمويل مشروعات البنية التحتية، ودعم التجارة البينية في أفريقيا، وتوفير برامج فنية وبناء قدرات بالتعاون مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية. كما شدد على أهمية أدوات تمويل الصادرات والواردات وسلاسل الإمداد، إلى جانب الضمانات وآليات تقاسم المخاطر بالتعاون مع المؤسسات المصرفية المصرية.

ويُعد BADEA مؤسسة تمويل تنموي عربية أُنشئت باتفاق تأسيسي وقعته 18 دولة عربية عضو في جامعة الدول العربية في 18 فبراير 1974، وتتمثل مهمته في دعم التنمية الاقتصادية في الدول الأفريقية وتحفيز مساهمة رأس المال العربي وتقديم المساندة الفنية اللازمة. ويترأس مجلس إدارته حالياً الدكتور فهد الدوسري، وهو أيضاً رئيس الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، بحسب الموقع الرسمي للمصرف.

البنية التحتية والتجارة.. الأولوية المصرية في القارة

التحرك المصري لا ينفصل عن قناعة متزايدة داخل دوائر صنع القرار بأن البنية التحتية هي المدخل الأسرع لتعزيز الحضور الاقتصادي المصري في أفريقيا. فالخبرات المصرية في المقاولات، والطرق، والطاقة، والمرافق، وإدارة المشروعات الكبرى، تمنح الشركات المصرية أفضلية نسبية في عدد من الأسواق الأفريقية، لكن تحويل هذه الأفضلية إلى عقود ومشروعات يتطلب تمويلاً ميسراً وحماية أفضل من المخاطر السيادية والتجارية.

وفي هذا السياق، يتقاطع الطرح المصري مع توجهات BADEA نفسها؛ فاستراتيجية المصرف حتى 2030 تضع التجارة والقطاع الخاص وريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ضمن محاورها الرئيسية، إلى جانب البنية التحتية وسلاسل القيمة الزراعية. لذلك تسعى القاهرة إلى تحويل هذا التقاطع النظري إلى مسارات تنفيذية فعلية تخدم الشركات المصرية الراغبة في دخول القارة أو التوسع فيها.

جلسات «BRIDGE» ومنصة «حافز».. ربط الشركات بفرص التمويل

اللقاءات لم تقتصر على الشق الحكومي، بل أعقبتها جلسة موسعة مع ممثلي القطاع الخاص ضمن نسخة جديدة من جلسات BRIDGE التي تستهدف وصل الشركات المصرية بشركاء التنمية والمؤسسات التمويلية. وخلال هذه الفعالية، جرى استعراض منصة حافز للدعم المالي والفني، وهي منصة تعمل وزارة الخارجية على الترويج لها في المحافظات لزيادة وصول الشركات إلى فرص التمويل والاستشارات والمناقصات والبرامج التنموية المتاحة عبر شركاء التنمية الدوليين.

وتوضح وزارة الخارجية أن جولات «حافز» التعريفية تستهدف تعريف الشركات بآليات النفاذ إلى التمويل الدولي ورفع جاهزيتها المالية والقانونية، مع توفير مساحة للتفاعل المباشر مع المؤسسات الدولية. كما تشير الوزارة إلى استمرار الجولات في المحافظات، بما في ذلك محافظات الصعيد، في إطار توسيع استفادة القطاع الخاص خارج القاهرة الكبرى من هذه الأدوات.

  • أهداف منصة حافز: تعريف الشركات بفرص التمويل والدعم الفني.
  • الفئات المستهدفة: القطاع الخاص ورواد الأعمال والجهات المعنية في المحافظات.
  • النتيجة المتوقعة: رفع الجاهزية القانونية والمالية وتحسين فرص التوسع داخل أفريقيا.

لماذا يهم ذلك القارئ المصري؟

بالنسبة لمصر، فإن توسيع النشاط الاقتصادي في أفريقيا لا يرتبط فقط بالسياسة الخارجية، بل بمصالح مباشرة تخص النمو والتشغيل والصادرات. فكلما زادت قدرة الشركات المصرية على الفوز بمشروعات أو تصدير منتجات وخدمات إلى الأسواق الأفريقية، ارتفع العائد على قطاعات صناعية وخدمية محلية، من الأغذية والملابس الجاهزة إلى الهندسة والخدمات اللوجستية وتكنولوجيا المعلومات. كما أن تطوير أدوات ضمان الصادرات والاستثمار يقلل من تردد الشركات الصغيرة والمتوسطة تجاه دخول أسواق أفريقية جديدة.

ويكتسب هذا المسار وزناً إضافياً مع سعي مصر للاستفادة من اتفاقيات التجارة في القارة، وفي مقدمتها منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، عبر تسهيل التمويل وربط المنتج المصري بمسارات توريد وتوزيع أكثر استقراراً. ومن هنا يبرز رهان القاهرة على أن يكون التمويل التنموي العربي، عبر BADEA، عاملاً مساعداً في تحويل الطموح السياسي إلى توسع اقتصادي قابل للقياس.

ماذا بعد؟

المؤشرات الحالية تفيد بأن الملف يتجه نحو مزيد من التنظيم المؤسسي خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع استمرار التنسيق بين وزارتي الخارجية والاستثمار والتجارة الخارجية. وكانت وزارة الخارجية قد كشفت في 8 يوليو 2026 عن بحث مشترك مع وزير الاستثمار والتجارة الخارجية الدكتور محمد فريد لتنسيق السياسات الداعمة لاستثمارات الشركات المصرية في أفريقيا، مع تأكيد مشترك على إزالة العقبات وتوسيع النفاذ إلى الأسواق الأفريقية.

كما وجه عبد العاطي دعوة إلى رئيس مجلس إدارة BADEA للمشاركة في منتدى الأعمال الأفريقي في العلمين، الذي يقدم نفسه كمنصة أعمال أفريقية تُعقد في مصر خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، وفق الموقع الرسمي للمنتدى. وإذا ما اكتمل هذا المسار، فقد تشهد الفترة المقبلة انتقال الملف من مرحلة الاجتماعات التمهيدية إلى الإعلان عن آليات أكثر وضوحاً تخص التمويل والضمان وترويج الفرص الاستثمارية المصرية داخل أفريقيا.