Akhbar Cairo

مصر تتحفظ على «اتفاقية مكة الدفاعية» وتتمسك بدراسة دستورية

موقف مصري حذر من اتفاقية دفاعية جديدة في الإقليم

أعاد وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي طرح الموقف المصري بوضوح إزاء ما بات يُعرف باسم اتفاقية مكة الدفاعية، مؤكداً أن أي حديث عن انضمام القاهرة إلى هذا الترتيب لا يمكن التعامل معه سياسياً فقط، بل يحتاج أولاً إلى دراسات معمقة تراعي نصوص الدستور المصري والالتزامات القانونية القائمة على الدولة. ويأتي هذا الموقف في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتشابك فيها ملفات الأمن في البحر الأحمر، وأزمات المشرق، وتداعيات التوترات العسكرية في غرب آسيا على الدول العربية والأفريقية معاً.

أهمية التصريح لا تتعلق فقط بمسألة الانضمام أو عدمه، بل بما يكشفه من منهج مصري يقوم على التوازن بين الانفتاح على صيغ التنسيق الإقليمي وبين الحفاظ على الأطر الدستورية والمؤسسية الحاكمة للقرار السيادي. وهذا النهج يهم القارئ المصري والأفريقي على السواء، لأن القاهرة تنظر إلى أمن الإقليم باعتباره متصلاً بأمن شمال أفريقيا والبحر الأحمر وشرق القارة، لا باعتباره ملفاً معزولاً عن محيطها الأوسع.

ما الذي قاله بدر عبد العاطي؟

خلال مؤتمر صحفي ولقاءات مرتبطة بالتشاور مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، شدد بدر عبد العاطي على أن مصر منخرطة بالفعل في الإطار الرباعي الذي يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وأن القاهرة تحتفظ بعلاقات ثنائية قوية مع الدول الأربع، بما فيها المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. كما أوضحت وزارة الخارجية المصرية أن الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع عُقد في القاهرة يوم 21 يونيو 2026، وركز على مواصلة التشاور والتنسيق دعماً للسلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن مصر تميز بين المشاركة في آلية تشاور سياسي وأمني وبين الارتباط باتفاق دفاعي ملزم. فالإطار الرباعي القائم، وفق البيانات المصرية الرسمية، يهدف إلى تنسيق المواقف حيال التطورات الإقليمية، ومتابعة ملفات خفض التصعيد، ومناقشة أزمات مثل غزة وليبيا والسودان وسوريا، فضلاً عن أمن الخليج والممرات البحرية.

خلفية اتفاقية مكة الدفاعية

بحسب ما أوردته تقارير دولية متطابقة، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026 بمدينة مكة اتفاقاً دفاعياً ثلاثياً ينص، في جوهره، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول جميعاً. وذكرت تقارير لاحقة أن الاتفاق يشمل كذلك توسيع أوجه التعاون الدفاعي، مع ترتيبات لاجتماعات دورية بين وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان، إلى جانب إنشاء أمانة عامة مقرها السعودية.

اللافت أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال بعد توقيع الاتفاق إن الترتيب الجديد ليس موجهاً ضد إيران أو أي دولة بعينها، كما أشار إلى اهتمام دول أخرى بالانضمام في مرحلة لاحقة، واعتبر مصر «شريكاً طبيعياً» في هذا السياق. غير أن القاهرة لم تتعامل مع هذا الطرح باعتباره مساراً محسوماً، بل تمسكت بقاعدة الدراسة القانونية والدستورية قبل أي خطوة محتملة.

لماذا يهم البعد الدستوري مصر؟

التحفظ المصري هنا ليس تفصيلاً إجرائياً. فالاتفاقيات الدفاعية المتبادلة تختلف بطبيعتها عن صيغ التنسيق السياسي، لأنها قد ترتب التزامات مباشرة في حال وقوع اعتداء على طرف من الأطراف. ومن ثم فإن الحديث عن انضمام مصر إلى اتفاق من هذا النوع يلامس قضايا سيادية حساسة تتصل بطريقة اتخاذ القرار، وحدود الالتزام العسكري، ومدى اتساق ذلك مع الدستور والقانون والاتفاقات الدولية الأخرى.

هذا يفسر لماذا فضّل وزير الخارجية عدم الانجرار إلى لغة الحماس السياسي، واستخدم بدلاً منها تعبيراً مؤسسياً يعكس طبيعة صنع القرار في الدولة المصرية. فالقاهرة، كما يظهر من بياناتها الرسمية خلال العامين الأخيرين، تميل إلى توسيع دوائر التنسيق الإقليمي من دون التسرع في القفز إلى التزامات صلبة قبل استكمال التقييم الشامل.

الإطار الرباعي.. من التشاور إلى محاولة بناء منصة إقليمية

خلال عام 2026، عقد وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان أكثر من لقاء تشاوري، من بينها اجتماعات في الرياض في 20 مارس 2026، ثم في إسلام آباد في 29 مارس 2026، ثم في أنطاليا، قبل أن تستضيف القاهرة الاجتماع الرابع في 21 يونيو 2026. وتشير البيانات الرسمية المصرية والتركية إلى أن هذا المسار يهدف إلى توحيد الرؤى إزاء الأزمات المتسارعة في المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بخفض التصعيد وحماية الاستقرار الإقليمي.

ومن زاوية مصرية، يبدو هذا الإطار أقرب إلى منصة تشاور مرنة تسمح بتقريب المواقف بين قوى إقليمية مؤثرة في المجال الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر. وهذه الجغرافيا تمس المصالح المصرية والأفريقية مباشرة، سواء عبر أمن الطاقة، أو الملاحة، أو انعكاسات نزاعات الإقليم على القرن الأفريقي والسودان وليبيا.

العلاقات المصرية التركية كعامل مؤثر

لا يمكن فصل هذا الملف عن التحسن الواضح في العلاقات بين القاهرة وأنقرة. فقد ذكرت وزارة الخارجية المصرية أن لقاء بدر عبد العاطي مع هاكان فيدان تناول في 21 يونيو 2026 سبل تعزيز العلاقات الثنائية، ومتابعة مخرجات مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الذي عُقد في القاهرة في فبراير 2026 برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان. كما بحث الجانبان تطوير التنسيق السياسي وزيادة التعاون التجاري والاستثماري، مع الإشارة إلى الفرص التي تتيحها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

هذا التقارب يفسر حرص الطرفين على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة في الملفات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه لا يعني تطابقاً كاملاً في أدوات التحرك. فمصر تفضل، بحسب المؤشرات الرسمية، أن تظل أولويتها هي خفض التصعيد وتوسيع مساحة الحلول الدبلوماسية، خصوصاً في القضايا التي تمس الأمن العربي والأفريقي.

ماذا يعني ذلك لمصر وأفريقيا؟

بالنسبة إلى قسم «أفريقيا»، فإن الخبر لا يقتصر على ترتيبات دفاعية في المشرق. فمصر تنظر إلى استقرار الإقليم بوصفه مؤثراً مباشراً في مسارات عدة داخل القارة، منها:

  • أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة التي تؤثر على التجارة بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.
  • الأزمة السودانية وانعكاساتها على الأمن الحدودي وحركة النزوح والاستقرار في شمال شرق أفريقيا.
  • الملف الليبي وتأثيره على توازنات شمال أفريقيا.
  • أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد التي تهم الاقتصادات الأفريقية المستوردة للغذاء والوقود.

ومن ثم، فإن أي تحول من التشاور السياسي إلى الالتزام الدفاعي الجماعي ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدول الأربع نفسها، وهو ما يبرر التحفظ المصري وحرصه على حساب كل خطوة بدقة.

خلاصة المشهد

الموقف الذي عبّر عنه بدر عبد العاطي لا يغلق الباب أمام التنسيق مع السعودية وتركيا وباكستان، بل يؤكد أن مصر موجودة بالفعل داخل الإطار الرباعي وتتعامل معه باعتباره مساحة للتشاور وتبادل الرؤى. لكن في المقابل، فإن الانتقال إلى مستوى اتفاق دفاعي ملزم من نوع اتفاقية مكة يظل، من وجهة نظر القاهرة، مسألة تحتاج إلى مراجعة قانونية ودستورية شاملة قبل اتخاذ أي قرار.

وبهذا المعنى، تبدو الرسالة المصرية مزدوجة: انفتاح على الشراكات الإقليمية من جهة، وتمسك صارم بضوابط الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى. وهي معادلة تعكس أسلوب القاهرة في إدارة ملفات الأمن الإقليمي، خصوصاً في بيئة متقلبة تمتد آثارها من الخليج إلى شمال أفريقيا والقرن الأفريقي.