مصر تترأس المجلس الوزاري العربي للمياه وتدفع نحو مشروعات قابلة للتنفيذ
مصر تتسلم رئاسة المجلس الوزاري العربي للمياه من القاهرة
تسلمت مصر، اليوم الإثنين 26 أكتوبر 2026، رئاسة المجلس الوزاري العربي للمياه خلال اجتماعات الدورة السابعة عشرة المنعقدة في القاهرة، في خطوة تعكس ثقلها الإقليمي في ملف إدارة الموارد المائية، وتأتي بالتزامن مع استضافة البلاد لفعاليات أسبوع القاهرة التاسع للمياه والمُؤتمر العربي السابع للمياه. وخلال الاجتماعات، جرى كذلك انتخاب مصر رئيسًا للمكتب التنفيذي للمجلس في دورته الحالية، بينما اختيرت السودان نائبًا للرئيس.
ويحمل هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة لمصر، التي تضع ملف المياه في صدارة أولوياتها الداخلية والخارجية، سواء على مستوى إدارة الموارد المحدودة محليًا أو على مستوى تنسيق المواقف العربية في مواجهة تحديات الندرة والتغيرات المناخية وارتفاع الطلب على المياه.
سويلم: المطلوب الانتقال من التوافق السياسي إلى التنفيذ
أكد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما هو أبعد من تبادل الرؤى العامة، مشددًا على ضرورة تحويل التفاهمات العربية إلى مشروعات واضحة وقابلة للتنفيذ والتمويل. وتنسجم هذه الرسالة مع توجه مصري أوسع يقوم على ربط الحوار الفني والسياسي بنتائج عملية يمكن قياسها على الأرض، خصوصًا في ملفات مثل إعادة استخدام المياه، ورفع كفاءة الإدارة المائية، وبناء القدرات، والتكيف مع آثار المناخ.
ويترأس سويلم وزارة الموارد المائية والري في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للمنطقة، حيث تتداخل تحديات الجفاف والتصحر والزيادة السكانية وتراجع نصيب الفرد من المياه مع احتياجات التنمية الزراعية والغذائية والطاقة. ولهذا تبدو رئاسة مصر للمجلس فرصة لتوسيع مساحات التنسيق العربي حول أولويات التمويل ونقل التكنولوجيا والخبرات التطبيقية.
اجتماعات القاهرة ضمن أسبوع مائي إقليمي واسع
استضافة القاهرة لهذه الاجتماعات لم تأتِ بمعزل عن سياق أوسع، إذ تنعقد بالتوازي مع النسخة التاسعة من أسبوع القاهرة للمياه 2026 خلال الفترة من 25 إلى 29 أكتوبر 2026، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي. كما يتزامن الحدث مع انعقاد المؤتمر العربي السابع للمياه يومي 26 و27 أكتوبر تحت عنوان: "المياه في المنطقة العربية: شراكات من أجل السلام والتنمية المستدامة".
هذا التزامن يمنح رئاسة مصر للمجلس بعدًا عمليًا، لأن القاهرة تجمع في أيام قليلة وزراء وخبراء ومؤسسات إقليمية ودولية معنية بالمياه والتنمية والبنية التحتية، ما يرفع فرص الخروج بخارطة أولويات عربية أكثر تحديدًا، بدل الاكتفاء بصياغات عامة حول التعاون.
ما الذي يعنيه انتخاب مصر لرئاسة المكتب التنفيذي؟
انتخاب مصر لرئاسة المكتب التنفيذي للمجلس الوزاري العربي للمياه يضعها في موقع متابعة تنفيذ قرارات المجلس، وتنسيق الملفات ذات الأولوية بين الدول الأعضاء، إلى جانب دعم الحضور العربي في المحافل الإقليمية والدولية المعنية بالمياه. ووفق ما أُعلن خلال اجتماعات القاهرة، يضم المكتب التنفيذي في دورته الحالية كلًا من: مصر، السودان، الأردن، المملكة العربية السعودية، العراق، البحرين، جيبوتي، والجزائر.
ومن الناحية السياسية والفنية، يمنح هذا التشكيل مصر مساحة أكبر لطرح أجندة تركز على القضايا المشتركة التي تمس معظم الدول العربية، وفي مقدمتها:
- ندرة المياه وتراجع نصيب الفرد في عدد من الدول العربية.
- التغيرات المناخية وما تسببه من موجات جفاف وفيضانات واختلالات موسمية.
- رفع كفاءة استخدام الموارد المائية في الزراعة والقطاعات الخدمية.
- التوسع في المعالجة وإعادة الاستخدام باعتبارها أحد أهم الحلول العملية.
- تبادل الخبرات في الإدارة المستدامة للمياه والحوكمة المائية.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
بالنسبة للقارئ في مصر، لا يتعلق الخبر فقط بمنصب إقليمي أو رئاسة دورية، بل يمس قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي والتنمية اليومية. فالمياه بالنسبة لمصر ليست ملفًا قطاعيًا محدودًا، بل قضية تؤثر في الزراعة، وأسعار الغذاء، والتوسع العمراني، وفرص الصناعة، وقدرة الدولة على التكيف مع الضغوط البيئية والمناخية.
ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة سويلم إلى تمويل مشروعات عربية مشتركة ذات دلالة عملية؛ لأن المنطقة العربية تملك احتياجات متشابهة في مجالات مثل تحلية المياه، والمعالجة، وتحديث شبكات الري، والإنذار المبكر، وبناء قواعد بيانات مائية دقيقة. وإذا تحولت هذه الأولويات إلى برامج قابلة للتمويل، فقد ينعكس ذلك على تسريع التعاون الفني والاستثماري بين الدول العربية.
رسالة مصر: المياه أداة للتعاون لا للصراع
الرسائل المصرية المصاحبة لأسبوع القاهرة للمياه هذا العام ركزت على أن المياه يجب أن تكون مدخلًا للسلام والازدهار المشترك، لا سببًا للنزاعات. وفي هذا السياق، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي صباح 26 أكتوبر 2026 الوزراء ورؤساء الوفود المشاركين في فعاليات الأسبوع، بحضور الدكتور هاني سويلم ووزير الخارجية والهجرة الدكتور بدر عبد العاطي، في إشارة إلى الأهمية السياسية التي تمنحها القاهرة لهذا الملف.
كما تبرز أهمية الرئاسة المصرية الجديدة في ضوء الخبرة التي راكمتها القاهرة خلال السنوات الماضية في الملفات القارية، إذ سبق لمصر أن تولت رئاسة مجلس وزراء المياه الأفارقة خلال الفترة من 2023 إلى 2025، وهي خبرة يمكن البناء عليها لتعزيز التنسيق العربي في قضايا الحوكمة المائية وبناء القدرات والتمويل المناخي.
بين الرئاسة والنتائج المنتظرة
التحدي الحقيقي أمام رئاسة مصر للمجلس الوزاري العربي للمياه لن يكون في إدارة الاجتماعات بقدر ما سيكون في إنتاج نتائج قابلة للقياس. فالدول العربية لا تحتاج فقط إلى بيانات مشتركة، بل إلى آليات تنفيذ ومتابعة، ومشروعات محددة، وشراكات تمويلية تسمح بترجمة الأولويات إلى بنية تحتية وسياسات تشغيلية وتدريب مؤسسي.
وفي حال نجحت القاهرة في دفع هذا المسار، فقد تتحول رئاستها إلى محطة مهمة في تطوير العمل العربي المشترك في قطاع المياه، خاصة مع تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية في المنطقة. أما إذا بقيت المخرجات عند مستوى التوصيات العامة، فستظل الفجوة قائمة بين خطورة التحديات وسرعة الاستجابة المطلوبة.
حتى الآن، تبدو الإشارة الأوضح من القاهرة أن مصر تريد لرئاستها الجديدة أن تكون رئاسة تنفيذ لا رئاسة بروتوكول؛ أي رئاسة تضع الأمن المائي العربي في إطار مشروعات، وتمويل، وشراكات، ونتائج محسوسة يمكن أن يشعر بها المواطن في النهاية، سواء في مصر أو في بقية الدول العربية.