مصر تجدد التحذير من التشغيل الأحادي لسد النهضة
موقف مصري متجدد بعد تراجع مناسيب النيل في السودان
أعادت التطورات الأخيرة على مجرى النيل في السودان ملف سد النهضة الإثيوبي إلى صدارة الاهتمام داخل مصر، بعدما جددت وزارة الموارد المائية والري التأكيد أن أي تغييرات مفاجئة في تشغيل السد من دون تنسيق مسبق مع دولتي المصب يمكن أن تخلق اضطرابًا مباشرًا في المناسيب والتصرفات المائية. ويأتي هذا الموقف في وقت تتابع فيه القاهرة على مدار الساعة حالة إيراد النهر وتشغيل السد العالي والمنشآت المائية المرتبطة بالأمن المائي المصري.
الزاوية المصرية في هذه القضية ليست سياسية فقط، بل فنية أيضًا. فمصر تعتبر أن إدارة منشأة بهذا الحجم على نهر دولي عابر للحدود لا يمكن أن تُترك لقرارات أحادية، خصوصًا مع اعتماد البلاد شبه الكامل على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه، وما يفرضه ذلك من ضرورة وجود قواعد واضحة ومستقرة للملء والتشغيل وتبادل البيانات.
ماذا حدث في السودان خلال يوليو 2026؟
بحسب ما أعلنته وزارة الزراعة والري السودانية في 17 يوليو 2026، فإن السودان سجل انخفاضًا مؤقتًا في مناسيب النيل نتيجة تراجع تصريف المياه من سد النهضة خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026. وأوضحت بيانات إدارة الخزانات أن الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص انخفض من 207 ملايين متر مكعب إلى 129 مليون متر مكعب يوميًا، بفارق بلغ 76 مليون متر مكعب يوميًا. كما انعكس ذلك على التصريفات خلف خزان الروصيرص بانخفاض قدره 100 مليون متر مكعب يوميًا، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يوميًا خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو 2026.
وأشارت البيانات السودانية إلى هبوط مؤقت في مناسيب النيل عند عدة محطات رئيسية، بينها الروصيرص وود العيس وود مدني والخرطوم والحلفايا وشندي، وهو ما أثر على ضخ بعض محطات المياه النيلية في مناطق من ولاية الخرطوم، قبل أن تؤكد السلطات السودانية لاحقًا أن الوضع المائي العام لا يزال مستقرًا وأن المعالجات التشغيلية جارية لضمان استمرار الإمدادات.
كيف قرأت القاهرة هذه التطورات؟
من منظور مصري، ما جرى في السودان يقدم مثالًا عمليًا على المخاطر التي حذرت منها القاهرة مرارًا. فوزارة الري المصرية سبق أن شددت في أكثر من مناسبة على أن استمرار الملء والتشغيل في غياب اتفاق يفتح الباب أمام تغيرات غير متوقعة في النيل الأزرق، وهو ما قد ينعكس على السودان أولًا بحكم الموقع الجغرافي، ثم يضيف ضغوطًا على منظومة الإدارة المائية في مصر.
وفي الموقف الرسمي المصري الثابت، تؤكد القاهرة أن الحل ليس في الاعتراض على التنمية أو توليد الكهرباء في إثيوبيا، بل في الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد تشغيل السد وآليات التنسيق وتبادل المعلومات في الظروف العادية وأثناء الجفاف والجفاف الممتد. هذا المبدأ كرره الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، خلال جولات التفاوض السابقة، مؤكدًا أن أي تشغيل منفرد يمثل مسارًا مقلقًا لدولتي المصب.
اتفاق قانوني ملزم.. لماذا تصر عليه مصر؟
تستند المطالبة المصرية إلى اعتبارات فنية وقانونية معًا. فمن الناحية الفنية، فإن تشغيل سد بحجم سد النهضة على النيل الأزرق يؤثر بصورة مباشرة في كميات المياه المتدفقة وتوقيتها، وهي مسألة شديدة الحساسية بالنسبة إلى تشغيل السدود والخزانات downstream، وعلى رأسها السد العالي. ومن الناحية القانونية، تستند مصر إلى إعلان المبادئ الموقع في 23 مارس 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا، والذي ينص على التعاون واحترام مبادئ الاستخدام المنصف وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، مع أهمية الاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل السنوي.
وفي أغسطس 2023، أكدت وزارة الموارد المائية والري المصرية خلال استئناف مفاوضات القاهرة أن الوصول إلى اتفاق ملزم يراعي مصالح الدول الثلاث يظل ضرورة أساسية، وأن استمرار ملء وتشغيل السد من دون اتفاق يمثل انتهاكًا لإعلان المبادئ. ولا يزال هذا هو الإطار الذي تتحرك عبره القاهرة حتى الآن.
متابعة مصرية داخلية لإيراد النيل وتشغيل السد العالي
بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية، تواصل مصر متابعة الموقف المائي داخليًا عبر اللجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل. وفي 3 يونيو 2026، ترأس الدكتور هاني سويلم اجتماع اللجنة لمتابعة الحالة الهيدرولوجية للنهر وكميات المياه الواصلة إلى بحيرة السد العالي وإجراءات تشغيل المنظومة المائية خلال فصل الصيف، مع توجيهات باستمرار العمل على مدار الساعة وضمان تحقيق المناسيب المناسبة أمام مآخذ محطات مياه الشرب وتوليد الكهرباء.
كما عقد وزير الري في 10 يوليو 2026 اجتماعًا لمتابعة تطوير منظومة إدارة وتشغيل السد العالي وخزان أسوان، في خطوة تعكس أن القاهرة لا تتعامل مع ملف النيل باعتباره أزمة موسمية، بل باعتباره ملف أمن قومي يتطلب تحديثًا دائمًا لمنظومات الرصد والتشغيل ورفع كفاءة الاستجابة لأي متغيرات مفاجئة في إيراد النهر.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، فإن أي خبر يتعلق بتصرفات سد النهضة لا يُقرأ باعتباره شأنًا إقليميًا بعيدًا، بل باعتباره جزءًا من ملف الأمن المائي المصري. فاستقرار تدفقات النيل يرتبط مباشرة بالزراعة، ومياه الشرب، وتشغيل محطات الكهرباء، وإدارة فترات أقصى الاحتياجات، فضلًا عن التخطيط طويل الأجل لمواجهة الزيادة السكانية وتغير المناخ.
وإذا كان السودان قد أعلن أن التراجع الأخير في المناسيب كان مؤقتًا، فإن الرسالة الأهم بالنسبة لمصر تتمثل في أن غياب التنسيق نفسه هو المشكلة. فالتغيرات المفاجئة، سواء كانت انخفاضًا أو زيادة كبيرة في التصريفات، تربك إدارة النهر وتُصعّب تشغيل المنشآت المائية على امتداد المجرى، وهو ما يفسر تمسك القاهرة المتواصل بقواعد مكتوبة وملزمة لا ترتبط بحسن النيات فقط.
الخلاصة
تراجع مناسيب المياه في مناطق سودانية خلال يوليو 2026 أعاد تأكيد الرؤية المصرية التي تعتبر أن التشغيل الأحادي لسد النهضة يظل مصدر خطر على استقرار النيل الأزرق ودولتي المصب. وبينما تواصل مصر إجراءاتها الفنية لمتابعة إيراد النهر وتشغيل السد العالي، يبقى المطلب المصري الأساسي واضحًا: اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد، ويضمن التنسيق وتبادل البيانات، ويحمي الأمن المائي لكل من مصر والسودان.
أبرز النقاط في الموقف الحالي
- السودان أعلن في 17 يوليو 2026 انخفاضًا مؤقتًا في مناسيب النيل بسبب تراجع تصريف سد النهضة.
- الوارد إلى الروصيرص هبط من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يوميًا بين 7 و9 يوليو 2026.
- مصر تعتبر ما حدث دليلًا إضافيًا على مخاطر غياب التنسيق المسبق في تشغيل السد.
- وزارة الري المصرية تتمسك باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل.
- هاني سويلم يواصل متابعة إيراد النيل وتشغيل السد العالي عبر اللجنة الدائمة والمنشآت المختصة.