مصر تجدد المطالبة بتمثيل عربي وأفريقي عادل في مجلس الأمن
مصر: إصلاح مجلس الأمن لم يعد مؤجلاً
أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، أن إصلاح النظام الدولي بات في صدارة أولويات مصر، وكذلك أولويات العالم العربي والقارة الأفريقية، مشدداً على أن استمرار الخلل في بنية مجلس الأمن لم يعد متسقاً مع التحولات السياسية والديموغرافية التي يشهدها العالم. وتأتي هذه الرسالة في توقيت تشهد فيه المنطقة العربية وأفريقيا أزمات ممتدة، من السودان إلى القرن الأفريقي، بما يعيد طرح سؤال الفعالية والعدالة داخل مؤسسات الأمم المتحدة.
تصريحات الوزير المصري تعكس اتجاهاً ثابتاً في السياسة الخارجية المصرية يقوم على أن قضية إصلاح مجلس الأمن ليست مجرد نقاش إجرائي داخل الأمم المتحدة، بل مسألة ترتبط بقدرة النظام الدولي نفسه على التعامل مع تهديدات السلم والأمن الدوليين بصورة عادلة ومتوازنة. وفي هذا السياق، تحدث عبد العاطي عن وجود عجز في حالات كثيرة داخل المجلس عندما يتعين اتخاذ إجراءات مطلوبة في مواجهة تهديدات مباشرة للأمن والاستقرار.
الخلل التاريخي في تمثيل أفريقيا والعالم العربي
جوهر الموقف المصري ينطلق من فكرة أن التوزيع الحالي للنفوذ داخل مجلس الأمن لا يعكس الوزن الحقيقي لأفريقيا والعالم العربي. فالقارة الأفريقية تضم 54 دولة عضواً في الأمم المتحدة، ومع ذلك لا تملك حتى الآن أي مقعد دائم داخل المجلس، بينما يظل تمثيلها محصوراً في المقاعد غير الدائمة الدورية. هذا الواقع هو ما تصفه الوثائق الأفريقية الرسمية بأنه ظلم تاريخي ينبغي تصحيحه.
ويستند هذا الطرح إلى التوافق الأفريقي المشترك المعروف باسم "توافق إزولويني" وإعلان سرت، وهما المرجعان الأساسيان لموقف الاتحاد الأفريقي في ملف إصلاح مجلس الأمن. وبموجب هذا الموقف، تطالب أفريقيا بما لا يقل عن مقعدين دائمين بكامل الصلاحيات والامتيازات، بما في ذلك حق النقض ما دام قائماً، إلى جانب خمسة مقاعد غير دائمة في أي صيغة موسعة للمجلس.
وفي مايو 2026، جدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف التأكيد على هذا الموقف الموحد، مشيراً إلى أن القارة متمسكة بتمثيل دائم وعادل داخل المجلس. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، بوصفها دولة عربية أفريقية تسعى إلى دفع أجندة إصلاحية تربط بين مصالح الإقليمين العربي والأفريقي في آن واحد.
لماذا تصر القاهرة على هذا الملف الآن؟
بالنسبة إلى صانع القرار المصري، فإن أزمات السنوات الأخيرة أبرزت حدود النظام القائم. فالتعامل الدولي مع ملفات النزاعات، وإدارة الأزمات الإنسانية، ومسارات وقف إطلاق النار، كثيراً ما اصطدم بتوازنات القوى داخل المجلس أكثر مما ارتبط بحجم التهديدات على الأرض. ومن هنا ترى القاهرة أن إصلاح المجلس لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة عملية لتحسين آليات اتخاذ القرار في القضايا المتعلقة بالأمن الجماعي.
كما أن مصر تربط هذا المسار بمفهوم أوسع هو إصلاح الحوكمة العالمية، وهو المفهوم الذي عاد بقوة إلى النقاشات الأممية خلال العامين الأخيرين، خاصة مع استمرار المفاوضات الحكومية الدولية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة حول مسألة التمثيل العادل وزيادة عدد أعضاء المجلس.
مسار التفاوض داخل الأمم المتحدة
الملف لا يزال يُناقش داخل إطار المفاوضات الحكومية الدولية في الجمعية العامة، وهو المسار الذي تعده الأمم المتحدة المنتدى المتفق عليه بين الدول الأعضاء لبحث إصلاح مجلس الأمن. وخلال الدورة الثمانين للجمعية العامة، تقرر مواصلة هذه المفاوضات استناداً إلى التفاهمات والوثائق التراكمية السابقة، بما في ذلك الأوراق التي تناولت نقاط الاتفاق والاختلاف بين الدول الأعضاء بشأن التوسيع وفئات العضوية وحق النقض وأساليب العمل.
ورغم أن هناك قبولاً واسعاً من حيث المبدأ بضرورة الإصلاح، فإن الخلاف لا يزال قائماً حول شكله النهائي: هل يكون التوسيع في المقاعد الدائمة فقط، أم الدائمة وغير الدائمة معاً؟ وهل يمتد حق النقض إلى الأعضاء الجدد أم يتم تقييده؟ هنا تحديداً تتمسك أفريقيا بموقفها الموحد، بينما تدفع مصر باتجاه حل يضمن تمثيلاً مناسباً لا يهمش القارة ولا العالم العربي.
تحرك مصري متصل بالدائرة الأفريقية
الموقف الذي عبّر عنه بدر عبد العاطي لا يمكن فصله عن النشاط المصري الأوسع داخل القارة. فقد التقى الوزير في 24 سبتمبر 2026 رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وبحث معه سبل تعزيز العمل الأفريقي المشترك، إلى جانب ملفات السودان والصومال والقرن الأفريقي، فضلاً عن التحضيرات لفعاليات أفريقية استضافتها مصر في العلمين خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026.
هذا الربط بين الإصلاح المؤسسي في الأمم المتحدة والعمل الأفريقي المشترك يعكس رؤية مصرية تعتبر أن الدفاع عن مصالح القارة لا يقتصر على البيانات السياسية، بل يمتد إلى معارك التمثيل داخل المؤسسات الدولية. ومن هذه الزاوية، يصبح مطلب إصلاح مجلس الأمن جزءاً من معادلة أوسع تشمل التنمية وتسوية النزاعات وإعادة الإعمار بعد الحروب.
ماذا يعني ذلك عربياً؟
بالنسبة للقارئ العربي، فإن أهمية هذا النقاش لا تتوقف عند البعد الأفريقي فقط. فالعالم العربي، رغم ثقله الجغرافي والسياسي وتأثره المباشر بعدد كبير من النزاعات المدرجة على أجندة مجلس الأمن، لا يتمتع هو الآخر بتمثيل دائم داخل المجلس. ولذلك ترى مصر أن أي إصلاح جاد يجب أن يراعي أيضاً التوازن الإقليمي، وألا يبقى الشرق الأوسط والعالم العربي خارج دائرة التمثيل المنصف.
ومن منظور مصري، فإن تصحيح هذا الخلل يخدم ليس فقط العدالة التمثيلية، بل أيضاً فعالية القرارات الدولية، لأن وجود أصوات دائمة من المناطق الأكثر تعرضاً للنزاعات قد يضيف فهماً أعمق لتعقيدات الملفات المطروحة، سواء في السودان أو ليبيا أو غزة أو البحر الأحمر أو القرن الأفريقي.
أبعاد سياسية تتجاوز التمثيل العددي
- تعزيز الشرعية: توسيع المجلس بصورة أكثر توازناً قد يرفع من شرعية قراراته أمام دول الجنوب العالمي.
- تحسين الاستجابة للأزمات: تمثيل المناطق المتأثرة مباشرة بالنزاعات قد يساعد على إنتاج قرارات أقرب إلى الواقع.
- تقليص فجوة الثقة: كثير من الدول النامية ترى أن البنية الحالية لم تعد تعبر عن موازين العالم المعاصر.
- دعم الصوت العربي والأفريقي: وهو هدف مشترك يتكرر في الخطاب المصري داخل المحافل الدولية.
رسالة القاهرة: لا إصلاح جزئياً ولا تمثيل شكلياً
ما تقوله مصر بوضوح هو أن أي إصلاح لا يمنح أفريقيا والعالم العربي حضوراً مناسباً داخل مجلس الأمن سيظل إصلاحاً ناقصاً. ومن ثم، فإن القاهرة تدفع في اتجاه تسوية أوسع تعالج مسألة التمثيل، وتعيد النظر في آليات العمل، وتحد من حالة الشلل التي تظهر في ملفات دولية عديدة.
وفي ظل تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية، يبدو أن هذا الملف سيبقى حاضراً بقوة على أجندة الدبلوماسية المصرية، خاصة مع استمرار النقاش الأممي حول مستقبل الحوكمة الدولية. وبينما لا تزال الطريق إلى تعديل تركيبة مجلس الأمن طويلة ومعقدة، فإن الرسالة المصرية أصبحت أكثر مباشرة: لا استقرار حقيقياً في النظام الدولي من دون إنهاء المظالم التاريخية في تمثيل أفريقيا والعالم العربي.
ويأتي ذلك ضمن تحرك دبلوماسي مصري أوسع تقوده وزارة الخارجية المصرية (@egyptmfa على إنستغرام) لدعم الحضور العربي والأفريقي في دوائر صنع القرار الدولي، وربط قضايا التمثيل العادل بأولويات الأمن والتنمية وتسوية النزاعات في محيط مصر الإقليمي والقاري.